سينما القارات

الفيلم الأمريكي من السحر إلى الهيمنة

 

احمد ثامر جهاد

منذ ولادتها قبل أكثر من قرن،عدت السينما على أكثر من مستوى – نقلة خطيرة في مجال الفنون الإبداعية،ودرج النقاد على قراءة النتاج السينمائي من منظورات عدة تتوجه إلى اكتشاف القيمة الجديدة لهذا الفن الساحر وطرق تأثيره على الجمهور. وقد شكلت السينما بعد عقود من التطور التكنيكي والأسلوبي تحديا كبيرا لمعظم الفنون التي سبقتها،حين استطاعت ان تتمثل وتصهر بجدارة وظائفها المختلفة(الترفيهية والثقافية والإعلامية) في (بدعة ) جميلة تعكس مجمل التطور الحاصل في لغة العصر وعلومه.

والى يومنا هذا لم يواجه الفن السينمائي منافسا فنيا يملك وزن تأثيره الجماهيري،كما لم تكل السينما من جانبها عن توظيف كل ما هو جديد ومثير سعيا وراء الإرباح والشهرة . الأمر الذي جعل جمهور السينما مرتبطا اشد الارتباط بقوة هذه الصناعة العملاقة عبر علاقة جدلية متحركة تواصل استئثارها باهتمام الجمهور وجذبه إلى محيط قصصها وصورها التي تمتلك قدرة الخلود في ذاكرته.

الملاحظ انه كلما اشتدت حاجة المشاهدين إلى التمتع بقصص الأفلام والتماهي مع أبطالها أوغلت صناعة السينما في مغامرة تحقيق أكثر مشاريعها الإنتاجية ضخامة وكلفة.فما يكون أمام المتلقين الراغبين بالخروج من عادية الحياة نحو سحر الشاشة السينمائية إلا محاولة تمثل كل ما يجري أمامهم،ولا فرق إن كان البطل شخصا سويا أم مجرما خطيرا سئ الطباع.

في المقابل عززت شركات هوليوود من إنتاج نموذج أمريكي ملائم للتصدير إلى الخارج،يزخر بالصور النمطية والثيمات المكرورة التي لا تتوانى عن تشويه الحقائق والوقائع بشكل يخدم توجهات المؤسسة السياسية والإعلامية. فيما يمارس الفيلم على نحو ذاتي غوايته في جذب المشاهدين إلى نوع من القصص المسلية والحقائق السطحية التي تتوجه بشكل مباشر إلى حشو ذائقة المشاهدين بصور البطولات والفبركات وأخطار الكائنات المفزعة.حتى يبدو من المناسب القول ان السينما الأمريكية نجحت إلى حد كبير عبر عقود من العمل الفني المتواصل في تدشين صورة أمريكا التي تريد.صورة كونية ليس المهم ان تحبها،بل ان تعترف بوجودها الراسخ.

وكلما استطاع الفيلم الاستحواذ على مشاعرنا بدقائق معدودات لا تحتاج إلى وسيط،لزمنا إدراك المغزى الحقيقي للصورة بواقعها البديل أو الافتراضي،خاصة إذا ما كانت ضمن الوصفة المهيمنة للسينما الأمريكية.

هوليود وطائرة الرئيس

ليس صعبا على المتلقي تلمس الكيفية التي تصبح فيها أخلاقيات (رعاة البقر ) لافتة قسرية تتسيد المشهد السينمائي وثيق الصلة بالخطاب السياسي الأمريكي،كما ان محاولة تقصي طبيعة هذا الاتجاه مقارنة باتجاه أخر يمثل الأشرطة الجيدة والرصينة في سينمات مستقلة تعبر عن قيم فكرية واجتماعية مغايرة,تقتضي تتبع طبيعة السياقات الوظيفية لإنتاج وتسويق الأفلام التي تعد نوعا من أنواع الهيمنة الثقافية والاقتصادية.

من الطريف ان يسعى صناع هوليود إلى إظهار معرفتهم بكل الأشياء من حولهم وبأنهم يعبرون بنزاهة عما يعرفون من حقائق تخص (الأخر) دون تمويه في عرض الصورة وصياغة القناعات،مع ان عدم الانضمام الى سياق (الأمركة )ومداراتها المتعددة يعني بالنسبة للبعض حالة استثنائية تمثل التمرد على عالم ( الصور الجميلة )  التي تقدمها هوليود.

أما الأشرطة السينمائية التي دشنت هكذا تصورات فهي كثيرة ومتنوعة, وتمثل نموذجا عينيا لصراع (الصورة الأميركية ) مع العالم أو طلاقها الغريب مع موضوعه ! وفي تجليات تلك الصورة تأتلف شتى أنواع التناقضات التي يبدو الواقع الآخر فيها سهل القياد وان كانت رموزه عدوانية على الدوام،ولا سبيل إلى صلاحها. وما ان يبلغ هذا الخطاب مدياته الحقيقية في أوساط مشاهديه ومحبيه،يصبح الفيلم الهوليودي صورة دالة عن القوة الثقافية للغرب.

ولكي تبدو الصورة اشد وضوحا سنحاول قراءة حالة سينمائية (ما بعد رامبوية ) قدمها المخرج ولفكانغ بيترسن قبل سنوات في فيلمه الموسوم (القوة الجوية الأولى)أو ( اختطاف طائرة الرئيس ) كما وردت تسميته حينذاك .

على نحو مباشر يضع هذا الفيلم الرجل الأول في الولايات المتحدة(الرئيس الأمريكي) في قلب الصراع الدرامي بوصفه نموذجا فريدا للبطولة والتضحية،وذلك ضمن إطار نمطي يعيد تناول قضية إنقاذ العالم من الإرهاب والإرهابيين على يد أمريكا !

ربما تكمن مفارقة هذا الفيلم في انتفاء توقعاتنا لما ستقدم عليه هوليود في جديدها لاحقا! فمن عساه بعد الرئيس الأمريكي يكون مرشحا قويا لبطولة ساذجة كهذه؟ أتحتفظ خرافة ما بلامعقوليتها في مقابل رؤية عضلات الرئيس وهي تصرع الأعداء ببسالة ملحمية !

في بداية الفيلم يظهر الرئيس الأمريكي وهو يختتم زيارته لروسيا,وكان قد ألقى فيها خطابا مهما يعكس النية في مبادرة سياسية أمريكية جديدة تشيع جوا من الديمقراطية والسلام العالميين,بعد ان أفضت الصراعات الإقليمية والنزاعات العسكرية إلى تفكك جمهوريات سوفيتية سابقة , بشكل لا يليق بصورة العالم المتقدم الذي تقع عليه المسؤولية الكبرى في فك أي اشتباك والحفاظ على الاستقرار العالمي!

ولدى مغادرة طائرة الرئيس تتسلل مجموعة من العسكريين ( قوميين اوزبكستانيين ) بمساعدة احد أفراد الطاقم,معلنة سيطرتها التامة على الطائرة الرئاسية العملاقة, والهدف من تلك العملية هو إلقاء القبض على الرئيس الأمريكي وإرغامه بالقوة للتدخل مع الزعيم الروسي بغية تسوية ألازمة مع جمهورية أوزبكستان التي لم يكن اختيارها اعتباطيا .

ان المنطق الغريب للإحداث يدعونا للتساؤل عن جدوى التفاوض غير المعقول في هذه العملية بكل ما تحمله من مخاطر أكيدة ولغاية لا تتخطى إقناع القيادة الروسية بإطلاق سراح جنرال معارض .. انه بالتأكيد بقصد حبك المغامرة التي ستظهر البراعة الشخصية للرئيس في هكذا أزمات سينمائية !

يصور الفيلم مجموعة الخاطفين بصورة لا تختلف كثيرا عما اعتدنا مشاهدته في أفلام أمريكية سابقة،فهناك على الدوام أناس يملكون وجهة نظر متطرفة عن العالم وليس لديهم قناعة بجدوى الحلول الدولية التي ترسمها القوى العظمى،فيكون من نتائج ذلك ان يتحول هؤلاء الناس إلى إرهابيين في حال لم يجدوا أذانا صاغية لهم .

في غضون ذلك يبدو حوار الفيلم صريحا في إشاراته المباشرة لعقود الحرب الباردة بحملها الثقيل وذكراها السيئة,فالخاطفين يتوعدون أتباعهم بتخليص الأمة الروسية من العمالة الرأسمالية ومن ذيول شركاء الغرب في محاولة لاستعادة مكانة الأمة السوفيتية.

وبالطبع سيكون من المهم هنا إظهار حكمة الإدارة الأميركية ممثلة برجالات البيت الأبيض ونائبة الرئيس بشكل خاص،في التعامل مع الأزمة.وعندما تتساءل الحكومة عن هوية الخاطفين ووجهتهم ,يشير الخبراء إلى ان الطائرة تتجه إلى الجزائر أو ليبيا.لكن حسم المواقف الدرامية والسياسية المتأزمة لا يأتي من حكمة الإدارة الأمريكية وإنما بفعل قوة عضلات الرئيس التي تستخف بالصراع الدائر لصالح الانحياز لقيم أبطال الكراتيه بطريقة مبتذلة سواء في نظرتها الاستعلائية أم فرديتها المغامرة .

في الختام تتطاير الوجوه الشريرة في السماء الرحبة،فيما يحافظ الرئيس على وعده بحماية الأمة الأمريكية من المخاطر والأقدار السيئة.ولا حاجة بعد ذلك للسؤال حول لماذا طائرة الرئيس الأمريكي دون غيرها ؟!

وفق المخرج ( بيترسن ) في اختيار ممثلي الأدوار الرئيسية(هاريسون فورد بدور الرئيس وغلين كلوز بدور نائبة الرئيس)،في حين أضفى النجم(غاري اولدمان)إقناعا اشد في تأديته دور زعيم مجموعة الخاطفين.لكن الفيلم إجمالا بقي مسترشدا بالطرائق التقليدية والنهايات المعروفة في القصص الهوليودية النمطية التي تعبر سينماها غالبا عن فائض القوة بطرق فنية.

....................................................

 

من اسرة ورشة سينما – خاص : العراق

و س 20 -3-2011  

المقال للأستفادة الشخصية وليس لأعادة النشر . جميع الحقوق محفوظة لورشة سينما . لايسمح بأعادة النشر الا بموافقة ادارة الموقع والكاتب صاحب المقال.اعادة النشر من دون موافقة يعد مخالفة قانونية لحقوق الملكية الفكرية والنشر

 

 

 

 

Name:*
E-mail Address:*
Message:*
 
Please enter the code:

Note: Fields marked with * are required.