فيلم النصر للمخرج بيلوتشيو : ايطاليا تحاكم موسوليني وتنتصر لعشيقته المغيّبة

احمد ثامر جهاد

فيلم النصر فيلم النصر

إذا استبعدنا عمدا ساعتين من الأحداث واحتفظنا بمشهدين فقط يمثلان مفتتح الفيلم وخاتمته،هل ستبدو سيرة بنيتو موسوليني في فيلم(النصر-2009) للمخرج الايطالي المخضرم ماركو بيلوتشيو صورة دالة عن مسار انتحار العقل الأوربي؟

في المشهد الأول يتحدى الشاب الاشتراكي المتحمس موسوليني الرب أمام حشد من العمال والأهالي البسطاء،،قائلا:إذا كان الله موجودا كما تعتقدون،سأمنحه خمس دقائق لينهي حياتي،الآن أمامكم"

عيون الجمهور شاخصة إلى عقارب الساعة،فيما البطل التراجيدي يقف بثقة ديماغوجية وتعال ملفت على منصة التحدي ليعلن عدم وجود الله.هكذا يخرج موسوليني منتصرا من امتحان وضع أسئلته بنفسه.

في حين يمثل المشهد الأخير نتيجة منطقية لاختلال العقل الفاشي،حيث يصور المخرج بإيجاز سينمائي بليغ،الحركة البطيئة لآلة فولاذية عملاقة تكبس بقوة على تمثال برونزي لرأس الزعيم موسوليني وذلك عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية وعودة الحياة إلى ايطاليا وعموم أوربا.

في الأساس يستند هذا الفيلم إلى التفاصيل المثيرة الواردة في كتاب"زوجة موسوليني" لماركو زيني،و"النجل السري للدوتشي" لالفريدو بياروني،والتي وظفت في سيناريو سينمائي محكم كتبه المخرج بنفسه وعرض فيه سيرة الزعيم الايطالي من زاوية مغايرة لما اعتدنا مشاهدته من أفلام نمطية تتناول سير القادة والزعماء.

يعمد الفيلم إلى رسم ملامح شخصية موسوليني من خلال رصد علاقته المضطربة بعشيقته وزوجته ايدا داسلر،المرأة القوية التي فتنت بالدوتشي وآمنت به بقوة قبيل اندلاع الحرب العالمية الأولى حتى وفاتها عام 1937 والتي غيبت قصتها فيما بعد عن السيرة الرسمية للزعيم الفاشي الذي حكم ايطاليا للفترة (1922- 1945).

وإذ ان حياة موسوليني أسوة بغيره من الديكتاتورين بقيت صنيعة طباعه المتقلبة ومزاجه العدواني الفائر،عرف المخرج كيف يلتقط ملامح تلك الشخصية الاستثنائية التي غيرت مسار التاريخ الايطالي رغم تشعبها وكثرة الأحداث المرتبطة بها. فكان خياره الدرامي منذ البداية ان يعطي مقطعا حيويا مثيرا لحياة بنيتو موسوليني قبل دخوله الحزب الفاشي،وصعوده إلى هرم السلطة واتصافه بالزعامة الفردية المطلقة.

في فترة الشباب والحماس الثوري وحمى معاداة اليسار يعزز موسوليني من أتباعه فيكون له أصدقاء كثر من اليمين المتطرف،يلتفون حوله ويدينون بأفكاره الغريبة التي تعكس بشكل أو بآخر حالة الاضطراب والتشتت التي عانت منها ايطاليا مع جيرانها الأوربيين عشية تبلور المعسكرين المتصارعين خلال الحربين العالميتين.

في تلك الأثناء يجاهر موسوليني بأفكاره الداعية إلى الحرب ويدخل بسببها في مشاجرات عنيفة مع كل من يخالفه الرأي ويصل الأمر أحيانا إلى الشروع بقتل الخصوم.وفي لحظات اختلائه بنفسه يخطب موسوليني من شرفة منزله بجمهور وهمي،يردد كلمته المفضلة (النصر)ويتخيل هو تصفيق الجموع المؤيدة له.

في الغضون يواصل أنصار موسوليني رسم خططهم الوطنية المؤيدة لفكرة دخول ايطاليا أتون الحرب العالمية،معتقدين ان الحرب وليس السلام هي الطريق الأوحد لتقدم البلدان وازدهارها.وما الأرواح التي تزهق والدماء التي تسفك،إلا التضحية اللازمة لبلوغ أعتاب المجد.

يتطور الأمر إلى هوس قومي بتاريخ روما وبضرورة إحياء مجدها السابق.ويصدح النشيد الفاشي في كل مكان مصحوبا بالرعب والقتل بحق المعارضين أيا كانوا.

تلك المبادئ التي تلبست موسوليني دفعته للمشاركة في الحرب والتعرض للإصابة عام 1915 كما انعكست بشكل قوي على علاقته مع دانسلر التي تشكل قصتها المريرة مع الدوتشي محور الفيلم الاساس،فمن خلالها نشاهد صعود نجم الزعيم وأفوله المريع لكن عبر المادة الوثائقية وأرشيف الخطابات الجماهيرية والصور.

أحبت دانسلر موسوليني بجنون ومنحته كل ما تملك.فقد خاطرت بحياتها كثيرا حينما أخفته عن أعين البوليس خلال مشاركته في أعمال الشغب والمظاهرات.ولاحقا باعت كل ما تملك من اجل ان يصدر موسوليني صحيفة"شعب ايطاليا" التي تمهد أفكارها وتوجهاتها لظهور الحزب الفاشي فيما بعد.

لكن ما ان يتسلم موسوليني مقاليد السلطة ويعلو مقامه،يترك عشيقته السابقة،ويعاقبها بالإهمال المذل فالإقامة الجبرية وأخيرا العزل في المصحات النفسية.كما يأخذ منها الابن (البينو)ويضعه تحت الوصاية والمراقبة.

موسوليني الذي يعاقب ماضيه بالتنكر لزوجته وابنه يصبح بطلا قوميا للايطاليين ومعبودا أوحدا تتخطى سطوته الزعامة الروحية لبابا الفاتيكان.

ورغم استخدامها كل الحيل تفشل دانسلر في إقناع الآخرين بأنها زوجة موسوليني وان البينو هو ابن الزعيم والشخص الأحق بإرثه.وفي احد مشاهد الفيلم تطلب لجنة قضائية جاءت لتحقق في رجاحة عقل دانسلر،وثيقة رسمية تثبت صحة الزواج. بالطبع لا وثيقة بحوزة دانسلر حينها وليس هناك من يمكنه إثبات ذلك الزواج الذي لم تشهد عليه أية كنيسة،الخصم التقليدي لموسوليني.هاهنا ينصح رئيس اللجنة ايدا دانسلر بنسيان الماضي وقبول واقع كونها مواطنة ايطالية تدعم الفاشية كباقي النساء.

وبمرور الوقت تبدو عشيقة الدوتشي وحيدة مع ماضيها وذكرياتها عن ايطاليا،الماضي الجميل والحلم.

يستخدم المخرج وسائل تعبيرية رائعة في ملحمته السينمائية هذه،تعينه في القفز من فترة زمنية إلى أخرى عبر توظيف ظهور شاشة السينما في الباك راوند بوصفها وسيلة إخبارية تصف مجريات الأحداث آنذاك،كما كان الأوربيون يفعلون يوم كانت السينما وسيلة إعلامية وليست مكانا ترفيهيا حسب.

في حين أبدع التصوير في استخدام عمق المجال في الصورة ليرسم بذلك لوحات فنية من الضوء والظل،الأبيض والأسود،وضعت جميعها الشخصية الدرامية في بؤرة بصرية متحركة تمتلك دلالتها الجمالية والفكرية بالتناغم مع تنويعات الشريط الصوتي الذي وظف بذكاء مزاج العصر المضطرب وأحلامه.

على مستوى الأداء قدم الممثل الايطالي فيليبو تيمي الذي جسد دوري (موسوليني والابن البينو) احد أروع أدواره السينمائية،وقد وصفه بالقول"أنه دور ساحر لا يمكن تجنبه". في حين جسدت الممثلة جيوفانا ميزوجيورنو شخصية (ايدا كاسلر) بشكل اقل ما يقال عنه انه أداء معجز حقا.

مع فيلم النصر نحن إزاء رواية سينمائية أخاذة تمزج التاريخ والسياسة والجنون والحب المستحيل.

قبل ان يسطع نجمه كزعيم ايطالي أوحد،قال موسوليني لعشيقته"ان الأقدار الجيدة تطرق باب الرجل مرة واحدة،وها هي فرصتي قد دنت"

الا ان قلب دانسلر الذي حمل معاني الحب والبغض معا،لم يصدق ان تلك كانت فرصة الحياة المنشودة.

.......................................

من اسرة ورشة سينما - خاص : العراق

و س 15-8-2010  

المقال للأستفادة الشخصية وليس لأعادة النشر . جميع الحقوق محفوظة لورشة سينما . لايسمح بأعادة النشر الا بموافقة ادارة الموقع والكاتب صاحب المقال.اعادة النشر من دون موافقة يعد مخالفة قانونية لحقوق الملكية الفكرية والنشر

 

شارك برأيك....

Name:*
E-mail Address:*
Message:*
 
Please enter the code:

Note: Fields marked with * are required.