سينما القارات

فيلم مطارد الشمس فيلم مطارد الشمس

فيلم "مطارد الشمس " للمخرج مايكل شيمنو :جدل الأنا والآخر في رؤية سينمائية أمريكية

احمد ثامر جهاد

صورة واقعية : العنف

عبر مختلف وسائل الإعلام اعتدنا ان نرى في ظاهر الحياة الأمريكية عنفا مهيمنا،يملك من الاتساع والشدة ما يضمن استمراره وصعوبة السيطرة عليه. ليس هذا العنف ظاهرة طارئة أو اعتباطية،إنما هو إفراز سلبي يلازم حركة المجتمع ما بعد الصناعي ويستمد مبررات وجوده الديناميكي من عمق جذوره في الحضارة الرأسمالية الأمريكية،من تمثلاتها الثقافية والسياسية والتي لأسباب تتعلق بسيادة نموذجها الأوحد(الرجل الأبيض ) قطعت صلتها بتراثها الثقافي ، القومي والديني(1)،وخلقت لنفسها بدلا عن ذلك، قيما استهلاكية مبتذلة توائم طموحاتها في أن ينصب اهتمامها الأساس على إعادة هيكلة الحياة العملية والذهنية للفرد وفقا لمعايير نفعية محددة، وبطريقة استلابية تتيح لها حيازة الحيوات البشرية،عبر اختلاقها كل أنواع الحجج والفبركات والنمطيات المساقة ضمن توجه مدروس يمثل التعتيم الأيديولوجي احد أهدافه الأساسية .

من جانب آخر يكشف أسلوب الحياة الغربية عن حالة السعي المحموم لعملية إغراق الذات بركام هائل من السلع والحاجات والأوهام وضبطها في قنوات محددة تصب في النهاية لصالح ( معاقبة الجسد أو مراقبته ) بتعبير ميشيل فوكو. ويمكننا ان نرى بادراك أوسع، الكيفية التي يحاول فيها خطاب الهيمنة الأمريكية – المفبرك باقتدار – وضع مطلق صياغاته الفكرية للتبشير بأخلاقية جديدة يؤمن دعاتها بسياسة مفاهيمية،على الفرد في أمريكا والعالم اعتيادها وتمثلها بصفة نهائية لا رجعة فيها هي صيغة ( الكابوس مكيف الهواء ) * .

ومن نسيج تلك الممارسات يتشكل العنف المخبوء كآلية دينامية للدفاع عن النفس أمام ( الآخر ) على نحو يجعله عنصرية بيضاء ترفض المحاورة وتتبنى الإقصاء. هذه الذات المرسومة في الممارسة الواقعية والخطابية هي إجمالا،حاصل صفاتها وأوهامها النظرية المشخصة،والتي يمكن تعيين خطوطها العريضة في نموذج : الرجل الأبيض،الحر،المرفه،مالك الأرض، السوبرمان، الديمقراطي العتيد، صاحب النية الطيبة،والإله المطلق إذا جاز القول .. وبمزج تلك الصفات تنتج الاخلاقوية الإعلامية أسطورة المركب الأمريكي العجيب زاسع الانتشار بوصفه نوع من الحقيقة المنزلة !!

وكما هو معروف تستجيب هذه التصورات المنمذجة وأخرى غيرها، بمرونة تذكر، إلى منظومة المفاهيم الغربية عن الأخلاق والحق والسياسة(2).

معالجة سينمائية : تجاوز العنف

ان الممارسة اليومية التعسفية التي تحاول إلغاء الآخر بعد ان تجرده من قيمه ومعتقداته وأحلامه   عبر تبنيها مختلف أشكال التنميط السوسيوثقافي هي ما نصفه هنا بظاهرة العنف المخبوء أو الدفين. تلك الظاهرة المهيمنة باتت نتيجة للتردد الملحوظ في أصدائها المتباينة ما بين الواقع والسينما قضية ساخنة احتلت معالجتها مساحة شاسعة في أفلام مخرجين معروفين، قدموا أفضل ما لديهم من إمكانيات فنية،غالبا ما أثارت أسئلة مختلفة عن غاياتها،وصلت في حدودها القصوى إلى إعادة النظر في معنى السينما بالنسبة لعالمنا المعاصر،ومن أولئك المخرجين: اوليفر ستون، مارتن سكورسيزي، كوينتن تارنتينو، ديفيد فنيشر .

إلا ان المخرج الموهوب ( مايكل شيمنو ) ومن زاوية مغايرة اختار لفيلمه الموسوم ( مطارد الشمس – The sunchaser ) صورة سينمائية مثيرة تعرض للتهكم والازدراء من طريقة الحياة الأمريكية التي تفتح الجدل واسعا حول سلامة الرؤية الفردية لواقع التعارض بين الحقوق الشرعية والمعنوية للفرد الأمريكي. فقدم بذلك معالجة سينمائية جذابة لقصة رائعة كتبها( تشارلز ليفيت ) تناقش على نحو مترابط ومعبر أوهام الغطرسة الكامنة في الذات الأمريكية، تحت سطح الديمقراطية والحرية والتحضر.

ومن اللافت للنظر في هذا الفيلم انه بالقدر الذي خلا فيه تقريبا من مشاهد القتل والعنف بالمعنى الهوليودي التقليدي،ابرز سرده أشكال العنف القهرية المتخفية،من خلال فسحة الحوار بين رجلين مختلفين تجمعهما محنة مشتركة، كاشفا بذلك عن إمكانية تخطي أسباب التضاد بينهما.

 ومما تهيأ للمخرج بصفة بارزة ، تركيزه على عنصر الحوار اكثر من غيره ، وجعلنا نمعن النظر طويلا في جذوة العنف المجسدة في ثنايا الأحاديث والمساجلات التي يتبادلها نفر من الناس . حيث يكون للكلمات سلطتها وللإنسان أوهامه، وثمة صلة باطنة بين القداسة والعنف(3) .

 وحتى يبرهن ان للحوار إمكانية حقيقية في حل المعضلات والخلافات بين البشر ، يضاعف الفيلم من صوره الدرامية الرصينة بقيمها الفكرية والجمالية،ويبث لقطاته من مرآة ذكية مبدعة تكمن قيمتها الانتقادية في معرفتها الواقع على نحو دقيق يبتعد عن المراءات والتضليل .

ان الاتجاه العام للفيلم يتحدث عن التصورات النمطية التي تحكم سلوك الفرد الأمريكي وتحول دون تحقق الاتصال الإنساني بين نموذجين مختلفين نسبيا في واقعهما الاجتماعي وتكوينهما الثقافي والنفسي في إشارة هامة الى ان المجتمع الأمريكي يصح القول فيه انه جماعات بشرية غير متجانسة او متماسكة،يمتنع أفرادها لأسباب عدة – سياسية او طبقية – عن الدخول في علاقات صريحة،غير نفعية مع بعضهم البعض.

وإذا كان من المفترض ان الاتصال الوجداني بين فئات الجماعة الواحدة يزيد من فاعلية المشاركة الواقعية ضمن مجالها السوسيولوجي،ويساعد الفرد – أيا كان – على تخطي مشاكله أو التغلب على بعض مثبطاته ووساوسه، فالمسالة الأساس التي طرحها الفيلم ببراعة تكمن في ثقته التامة بنجاح مسعى الفرد المتحرر من كل أنواع الحواجز والمخاوف والأوهام التي تحد من أمنياته الإنسانية المشروعة في حياة متوازنة تتعدى المشاركة اللفظية بين الأفراد، نحو ألفة حقيقية تفتح مجالا جادا للحوار من اوجه متنوعة،تكون معرفة الذات فيها طريقا لازما لمعرفة الآخر. فالصداقة الحقة لهي من مقومات الهوية ودعائم الإنسانية، مثلما ان الارتداد على الذات هو من علائم النكوص والاستلاب والتسلط البغيض على الآخر .

ومما يحسب لفيلم " مطارد الشمس "، من خلال قصة بسيطة مشوقة ،سيطرته الهادئة على أجواء التفاعل الدرامي بين الشخصيتين الرئيسيتين ( مايكل – بلو ) من دون الانحياز لأي منهما او إبراز احداهما على حساب الأخرى، وهو ما ينسجم مع المغزى الذي ينشده كاتب الفيلم ومخرجه ، فضمن بهذه التوليفة الرصينة بث أفكاره في مشاهد مترابطة تميزت بالشد والإقناع والتأثير .

القصة : جدارة الحوار

في هذا الفيلم نحن أمام سجين ملون، شاب من اصل هندي يدعى " بلو – الممثل جون سيدا " يقوم باختطاف طبيب متزوج يدعى " مايكل – الممثل وودي هارلسن " تكلفه المستشفى التي يعمل فيها بفحص السجين وتحديد علته، ذلك بعدما أرسلت إدارة السجن المريض لمعاينته والتأكد من صحة ادعائه .

وفي الوقت الذي يدرك " بلو " انه مصاب بمرض السرطان ولا أمل في شفائه، يغامر باختطاف الطبيب بحركة يائسة تعكس حاجته للتغلب على مخاوفه من عدم اكتراث الآخرين به، وربما لانعدام ثقته بصلاح المؤسسة( المستشفى ) او تعاطفها مع حالته ، فهو بنظرهم ليس سوى مجرم منبوذ لا أمل معقودا عليه وفي موته خدمة يقدمها للمجتمع. لكن فعلته الجريئة هذه ، ربما ستغير الأمر لصالحه، فثمة رهينة هامة بحوزته ، هذا ما تصوره" بلو "مع نفسه على الأقل .

تنجح عملية الاختطاف من دون تخطيط مسبق أو عناء كبير، لتبدأ رحلة طويلة وشاقة مليئة بالمعاناة والتناقضات تجمع بين شخصيتين مختلفتين، لكل منهما عالمها الخاص . وتحت ضغط السلاح يرغم " بلو " رهينته على قيادة السيارة دون توقف، سعيا وراء هدف غريب يتمثل في الوصول إلى مكان مجهول ، يعتقد ان بحيرة فيه تسمى ( دابينيسيا ) تقع على حدود بلدة " نافاهو " الهندية في الغرب الأمريكي ، حيث موطن أجداده .

يتصور " بلو " بشكل ينسجم مع ذهنيته ، ان لتلك البحيرة قدرة سحرية على الشفاء من الأمراض لمن يغتسل بمائها المقدس.فتصبح مفارقة الموقف هنا ، ان على الرجل الأبيض العصري "مايكل " بصفته طبيبا، مساعدة " بلو " في بلوغ هدف لا يقبله المنطق العلمي.

تستمر الرحلة نحو البحيرة، على الرغم من انعدام اليقين بوجودها. وحينما يتساءل مايكل عن صحة هذا الافتراض والإصرار عليه، يجيب بلو: انها معلومة موثوقة وجدها في كتاب صغير كان قد قرأه في السجن، يعد فيه حكيم هندي يدعى" وبستر سكاي هورس " بحقيقة هذه الأسطورة الواجب احترامها وتصديقها،خاصة إذا كان المرء بأمس الحاجة إلى تصديق أو خلاص !

تلك الأحداث المتسارعة تقحم مايكل في دوامة من التحديات النفسية والأخلاقية، لها دلالتها الرمزية البليغة في فضاء الاعتقادات التي يمليها مجتمع البيض. فأيا كانت حقيقة ما يؤمن به بلو، وجب على مايكل الاستمرار حتى نهاية الرحلة لكي يعرف بنفسه ما ينبغي تصديقه أو معارضته. وخلال ذلك تفشل العروض المختلفة التي يقدمها الطبيب من اجل إقناع بلو بإطلاق سراحه والعودة إلى حياته وأسرته.

ومن حين إلى آخر يقطع المخرج استمرارية السرد،ليعود بأسلوب (الفلاش باك)إلى أطياف حادثة مؤثرة في طفولة مايكل أو "ميكي الخارق"،تظهر اللحظات الحرجة التي قام فيها بقتل أخيه الأكبر المصاب بالسرطان عن طريق قطع الأوكسجين عنه،خلال رقوده في المستشفى، ذلك في استجابة مريرة لإلحاح الأخ على التعجيل بالموت بعد يأس تام من الحياة . وبمنطق مؤثر نرى ان شعور مايكل بالذنب تجاه ماضيه وجد فرصة مناسبة لتبديل ذاك المغزى المرعب وطرحه عنوة، فيما يمكن ان يفعله هذه المرة مع معاناة " بلو "وإصراره على البقاء حيا .

في هذا المشهد تحديدا يخضع مايكل لإحساس قوي متمرد يتحفز تحت وقع كلمات " بلو " المؤثرة وهي تصف له أسطورة ( مطارد الشمس ) الحكاية التي تتصل حكمتها بثقافة الأجداد وتنبعث من أصالة أفكارهم،ويدلل سردها بالمقابل على ضرورة قيم المؤازرة والمحبة،لاسيما مشاركة الأخ أخاه وجدانيا في محنة الموت، وهي إشارة ضمنية إلى ان الإنسان – بسعة تمثلاته – هو محنة أخيه وفردوسه في آن .

إن اللمسات الذكية للمخرج " شيمنو " قادتنا إلى إدراك فكرة مفادها،ان الطابع المأساوي الجاد لمحتوى الفيلم تجسد في مقابلة هذين النموذجين المتضادين ظاهريا واللذين تتكشف حقيقتهما المتماثلة في فسحة الصراع الموضوعة بينهما. وتبعا لذلك يكون من المحتمل والمرجح ان يتجاوز جدل الصراع الدائر بين    ( الأنا  والآخر) بكل ما يحمله من دلالات، القيود الوهمية والحواجز الحمقاء التي أسسها الادعاء الغربي،سعيا وراء تحصين ذاته المركزية والإجهاز على قيم الغير إذا تطلب الأمر ذلك.وكأن المعضلة الأساس في ثيمة الفيلم لن تبدو رهينة التفاهم أو التصالح بين نموذجين مختلفين، قدر تعلقها بوعي الفرد لمديات الضرر الخطير في حبس الذات داخل إطار المصلحة والاستغلال وتأكيدها في الوقت نفسه على ضرورة رفض كل أساليب السلطة في تشويه الرغبة / المعرفة وتعمية الإرادة / القوة تحت لافتة النفعية المطلقة !

ان الفكرة الجوهرية في سياقها العام تصبح معبرة عن إمكانية وعي الذات لخارجها المفكك ، بعيدا عن مفاهيم الهيمنة الغربية التي لم تبتعد كثيرا عن عنصرية المشروع الاستعماري في القرون الماضية .

تلك الاستمرارية في مشروع الغرب،سياسيا وثقافيا هي ما يجعله اليوم يتحدى وجود الحضارات والثقافات الأخرى،وينفي عن نفسه تأثيراتها التاريخية فيه، اعتقادا منه بضرورة ان يدور الجميع في فلكه، لكن على الهامش من مركزيته ورفاهيته وامتيازه،" لذا سيحل النزاع بين الحضارات محل الأشكال الأيديولوجية وغيرها، باعتباره الشكل العالمي المهيمن للنزاع حاليا(4).

أكثر من ذلك تتمادى استراتيجيات الغرب السياسية في رفض تراثه التنويري والعقلاني وتركز جهودها على إخضاع هذا التراث الإنساني وتطويعه في خدمة الهيمنة الشمولية التي قطعت صلتها بعقائد الحوار الحضاري وجعلت من الإنسان بؤرة مشاريعها الاستلابية، حيث"ان الإنسان لم يتحول إلى موضوع في أية ثقافة على غرار ما حصل في الحضارة الغربية الحديثة(5).وهكذا تتغير الأدوار والمواقف من جديد،يقصى الآخر عن دائرة الاهتمام الإنساني،ويتحول العالم بالإكراه إلى ساحة لحرب المصالح الدموية.

وفي عودة إلى الشريط السينمائي،نجد ان "مطاردة الشمس" من نوع الأفلام التي تضع الحوار في مقدمة عناصر الجذب والتأثير،وهو بالضبط ما تحتمه موضوعته الجيدة وما يتطلبه أسلوبه التعبيري من بين مكونات المشهد السينمائي الأخرى،إلى الدرجة التي بان فيها ان آمال المخرج    " شيمنو" معقودة على الحوار الذكي تحديدا، الذي يتسيد الصورة الفيلمية حينا ويتقدمها حينا اخر. بالإضافة إلى ذلك استطاع الفيلم بمشاهد قصيرة مميزة توفرت على حوارية لماحة تقاسمتها الشخصيات الرئيسية، إيصال الكثير من المعاني والأفكار بشكل مقنع وغير مفتعل .

ويمكننا الإشارة هنا إلى مشهد حواري ساخن، توزع بين( بلو ومايكل ) وامرأة عجوز جمعتها الصدفة معهما، ذلك حينما حاولت نقلهما بسيارتها، حيث اعترضاها عابرين في منطقة صحراوية تكاد تخلو من المارة.وفي الوقت الذي يتجاذبون أطراف الحديث فيما بينهم، تبدي العجوز تعاطفا مع قضية " بلو " ويعري كلامها الحاد الأفكار المتحفظة والمعتدة للدكتور " مايكل " !

فيدور الحوار الاتي:

العجوز: ان الطب الغربي يرى الأمراض على انها أخطاء يجب تصحيحها بالأدوية والجراحة، لذلك لن تعرفوا الحقيقة ، إلا عندما تتوقفون عن تسميمنا .

مايكل: الحامض النووي هو المادة الوحيدة التي يمكنها التحكم بنمو الخلاي، فهو المكون الأساسي للحياة

العجوز : الشفاء يأتي من القوة الكامنة في داخلك ..

بلو ( يلقي شعرا ) : يبدو ان المطر لن يتوقف / أحاول ان ارفع راسي وان لا ابتل من مائه / عندما يسقط المطر وينهمر / لا يجد الفقراء المال، بينما تنفقه الحكومة في الحرب ..

في هذا الحديث،لا شك ان المواقف تتعدد وتتفاوت أنماط التفكير، ففيما تعبر العجوز من واقع خبرتها الطويلة في الحياة عن معتقداتها وقيمها وانفتاحها الروحي، تعبر الشخصيتان الأخريان عن تصورهما المختلف لتلك الحياة، مايكل المؤمن بالعلم كتقنية متقدمة من تقنيات السيطرة ، وبلو الذي يعقل الطبيعة والإنسان بوصفهما كيانا ماورائيا ينأى عن واقع القهر والنفي الذي يسم عصرنا الراهن.

الآمال المنشودة ، لا النهايات السعيدة

من المنطقي ان تحمل حوادث تلك الرحلة الشاقة وعيا جديدا لشخص الدكتور مايكل، يجعله ليس متعاطفا مع رفيقه بلو أو مصرا على إيصاله إلى تلك الحيرة حسب، إنما مؤمن بضرورة احترام الرجل الأبيض معتقدات الآخر، وان ظهرت بأردية غير عصرية ! 

وبعد ان يصل الصراع بين الشخصيتين ذروته،يتخلى بلو عن دور المختطف ويصر على إكمال الرحلة لوحده،مهما كلف الأمر.وهنا يتاح أمام مايكل خيار العودة إلى سابق حياته،لكنه يفضل البقاء مع رفيقه، إذ وجد في محنته مغزى لحياته هو، وإجابة عن تساؤلات مؤجلة طالما أقلقت استقراره الواهم .

 تتطور أحداث الفيلم في فضاءات مكانية جذابة،بصورة تدعونا إلى البحث عن جمالية هذا الاختيار الذي يمكننا من رؤية تلك الطبيعة القاسية من دون ان تؤثر هيمنتها على حركة الشخصيات الموسومة بذات الدوافع المصيرية،وكأنها تتطلع للتطهر من لوثة المدن الخانقة،عبر تماهيها مع الأمكنة الفسيحة والمفتوحة.والاهم من ذلك انها تنشد معرفة واحدة، نقية وصادقة،يتهيأ لحاملها ملامسة ضفاف الراحة التي يحلم بها .

في مشاهدة متتالية يعطي المخرج حرية كبيرة لكاميرا حساسة وشغوفة باصطياد لحظات التعبير الدرامي المؤثر للممثلين ، تبدو حريصة على إبراز جماليات التصوير في الأماكن المرتفعة،حيث البطولة المطلقة لرموز الطبيعة الشاخصة. وكل ذلك يأتي متناغما مع الأداء البارع للنجم " وودي هارلسن " الذي لفت الانتباه إليه منذ نجاحه المتميز في فيلم المخرج اوليفر ستون " قتلة بالغريزة " .

توشك الرحلة ان تنتهي ، وتصل حكاية الفيلم إلى خاتمتها التي تقترح سبلا مقنعة لتصعيد لاحق في الثيمة باحتمالاتها العديدة . فهاهي صداقة حقيقية تقوم على نقاء الإحساس، تقرب بين مايكل وبلو. ولا غرابة في ذلك، فكلاهما ضائع الآن ، ويبحث – بالقلق الدفين عينه – عن مغزى لحياته يجنبه شعور الخسارة المريرة،عن أمل في مستقبله،عن رأفة في نوعه البشري .

تلك صداقة يحق لها ان تترفع عن البغض والعداوة والنفعية وعن كل ما افسد النظر الغربي إلى الآخر القريب او البعيد وافقده حريته. بجوار ذلك ومنه ، تخلق " الصورة السينمائية " فضاء رحبا أمام (الغير) لكي ينطق ويعبر،وكلنا يستمع إليه " فالآخر هو ما كان يمكن أن نكونه.(6) في المحصلة الأخيرة .

لن نبتعد كثيرا عن صورة الفيلم إذا قلنا ان تفاصيل الرحلة المضنية التي عاشها مايكل وبلو شكلت من زاوية ما،حالة من الجدل الاجتماعي للأفكار والمفاهيم . احدهما أدرك معنى ان يعبر البعض عن معتقداته،عما يفكر به ويحلم،بغض النظر عن مدى انسجام نشاطه ذاك مع تفكيرنا وأحلامنا وحياتنا. فيما شعر الآخر برغم ما تعرض له من المتاعب، ان الإيمان بصدق معتقداته التي لا تعرف الازدواجية في حدودها القصوى، يعني الشفاء التام له. وعلى الدوام ثمة ضفاف عدة للجماعة البشرية يمكنها أن تتساوق أو تتقاطع أو تتصل، بحسب الوجهة التي تريد .

المخرج مايكل شيمنو : إبداع خارج المحنة

في فيلم( مطارد الشمس ) أراد المخرج المبدع " شيمنو " تقديم شهادة سينمائية صادقة عن عالم اليوم ، يؤكد فيها على ضرورة ان يخرج المجتمع الأمريكي بأفراده ومؤسساته من أطره الضيقة والصارمة تجاه هوية ( الاخر ) على اختلاف مسمياته . وقد تخطى بمحاولته الجريئة هذه الوصمة الشائنة التي لاحقته طويلا ، منذ فيلمه الشهير( صائد الغزلان – 1979 ) والذي اصبح بسببه مخرجا مشبوها في الأوساط السينمائية والفنية، باعتباره المخرج الذي دعمته دوائر البنتاغون لتشويه حقيقة الكفاح الفيتنامي .

وفي سنوات لاحقة عانى " شيمنو " من متاعب اكبر ، لدى إخراجه فيلم ( بوابة الجنة – 1981 ) الذي عرض فيه قصة الصراع القائم بين الحضارة الانكلوسكسونية والمهاجرين في عام 1892 وما تلاه ، والمستندة إلى حقائق تاريخية . الغريب في أمر هذا الفيلم ، ان المخرج أمضى ما يقرب من عشرة أعوام في كتابته وخمسة أعوام في إخراجه وعاما كاملا في منتجته ، بالإضافة إلى استخدامه نجوم مشاهير مثل:كريستوفر كريستوفنسن ، كريستوفر والكن ، ايزابيل هوبير .. ورغم ذلك كانت النتيجة التي طرحتها الصحافة الفنية آنذاك : انه أسوا فيلم في تاريخ السينما !

إلا اننا وجدنا في " مطارد الشمس "حاجتنا الدائمة لهذا النوع من الأفلام الجيدة ، وهو بالنسبة لمخرجه خطوة متقدمة في وعيه السينمائي وفي التزامه بقضايا العصر وإمعان النظر فيها بعين ناقدة محللة .

عن الفيلم وإمكانية تحليله : إشارة

إذا صح ان الفيلم ليس معنيا بما نؤوله فيه،" وان النقد مثلما يسود الاعتقاد الآن، يواجه موضوعا ليس هو العمل،ولكنه لغته الخاصة(7)،سيعطي البعض للشعرية – بمعناها الواسع – حق الأولوية في الممارسة النقدية السينمائية ، وعلى حساب وظائف الخطاب الأخرى . وحيث يمكن للأمر ان يكون على هذا النحو ، او على نحو مغاير ، يغدو من المناسب اعتبار قدرة هذا الفيلم على استبطان موضوعه والتعبير عنه، الخاصية الأكثر بروزا وتاثيرا من بين خصائص عدة .

ونتيجة لذلك ، لنا ما يدفعنا إلى الاعتقاد ان " مطارد الشمس " – كخطاب سينمائي – لا يهمه افتراض ثقافة أصيلة او صورة نموذجية للشخصية تحدد الدخول إلى عالمنا الخاص، طالما ان صورته ليست مغلقة على سببية درامية ظاهرة على سطحه . بل على العكس من ذلك ، يقودنا نسقه الفني والدلالي باتجاه قراءة ممكنة له . وبتعبير مفاهيمي آخر،لا يعترض خطاب الفيلم على اجتراح تفسير سديد يتكلم لغته الخاصة،وفي نيته تحرير الرموز الفيلمية من نظامها الصوري، سعيا وراء صياغة معنى ما، محدد وليس نهائي .

 الهوامش :

1-    ينظر : عبد الوهاب المسيري ، الفردوس الأرضي . المؤسسة العربية للدراسات والنشر . بيروت 1979 / ص68 .

* تعبير لهنري ميللر ، وعنوان كتاب نثري له يعد من أقذع كتب الهجاء لطريقة الحياة الأمريكية

2-    ينظر : كريستوفر نوريس ، نظرية لا نقدية . دار الكنوز الأدبية . بيروت 1999 / ص71 وما بعدها .

3-    ينظر : علي حرب ، التأويل والحقيقة . دار التنوير . بيروت 1985 / ص116 .

4-    صاموئيل هانتنغتون ، صدام الحضارات . مركز الدراسات الإستراتيجية والبحوث والتدقيق . بيروت 1995 / ص40 .

5-    التأويل والحقيقة . ص80 ، مصدر سابق .

6-    المصدر نفسه . ص62 .

7-    ينظر : رولان بارت ، نقد وحقيقة . دار الأرض 1993 / ص78 .

 

.........................................................................................................

من اسرة ورشة سينما – خاص : العراق

و س 30 -8-2010  

المقال للأستفادة الشخصية وليس لأعادة النشر . جميع الحقوق محفوظة لورشة سينما . لايسمح بأعادة النشر الا بموافقة ادارة الموقع والكاتب صاحب المقال.اعادة النشر من دون موافقة يعد مخالفة قانونية لحقوق الملكية الفكرية والنشر

 

 

 

Name:*
E-mail Address:*
Message:*
 
Please enter the code:

Note: Fields marked with * are required.