سينما القارات
كوكتوالموت في السينما الشعرية ..فيلم " اورفي" لجون كوكتو انموذجا
حميد عقبي
في عام 1950 عرض جون كوكتو فيلمه المدهش " اورفي" بمهرجان كان السينمائي و كان قد استغرق حوالي سته اشهر لانتاجه و كان قد اخرج مسرحية بعنوان " اورفي" قبل اربعة و عشرين عاما و الفيلم ليس اعادة للمسرحية و ليس مجرد عرض للاسطورة اليونانية كون كوكتو في افلامه لا يتحدث الا عن جون كوكتو الشاعر و الانسان و علاقته بالموت و العالم الميتافيزيقي غير المرئي .
من المدهش في فيلم "اورفي" انه يقدم الموت بصورة اخرى مختلفة و جديدة , و هو في احدى المناسبات ينفي ان يكون الفيلم يحتوي على رموز فالموت هنا امراة جميلة و جذابة تسلب عقل الشاعر و تقوده الى عالم ميتافيزيقي بل تعشقه الى حد الجنون و هو يبادلها نفس المشاعر, و الموت هنا يسيطر على العالم و كأن العالم خُلق لكي يكون الموت سيده , في المسرحية لم يظهر الموت الا مرة واحدة عندما جاء لياخذ روح زوجة اورفي ( ايروديس ) اما الفيلم فالبطولة هي للموت وحده , هنا اورفي الشاعر لا يفر من الموت بل يركض ورائه محاولا اكتشافه, اكتشاف سر قوته و سبب وجوده في هذا العالم .
جون كوكتو منذ ان بداء يتلمس و يشق طريقه نحو عالم الشعر و الابداع ارتبط بالموت مبكرا فوالده انتحر و خلال مشاركته بالحرب ، اغتال الموت احد اصدقائه و لعل هذا دفعه للركض وراء الموت و الاحساس به بل طلب مودته و صداقته, في فيلمه الاول " دم شاعر" حام حول الموت , مشهد سقوط الطفل في احدى المشاهد و تدفق الدم من فمه ظلت احدى بصمات كوكتو في العديد من افلامه التي اخرجها او كتب لها السيناريو و طريقة حمل الميت نراها ايضا مكررة و لكن في كل مرة كان يصورها بطريقة مختلفة و يتعمد اظهار الراس و هو يتدلى الى الخلف خلال حمل الجثة و كذا منظر تدفق الدم من الفم .
كوكتو في فيلمه" اورفي" يخالف الكثير في تقديم صورة الموت كونه هنا صورة جميلة من خلال شخصية الاميرة الجذابة المغرية و القوية فالموت هنا ليس النهاية و العدم بل هو هنا لإِثارة الكثير من الاسئلة حول الوجود و الحب و السعادة و الرعب , الخوف لا ياتي من الموت بل من الحياة التافهة التي لا معنى لها و كوكتو هنا يجعلنا نقترب من الموت ليس كشبح مخيف بل كصديق و حبيب رائع مغري و هو اي الموت بالنسبة لجون كوكتو قوي و شاب و قاهر و قادر على الاستمرار و الخلود .
اختيار امراة جميلة كشخصية للموت هو محاولة لربط علاقة ذات معني واضح بين المراة الشابة والموت فروعة هذه الدلالة تكمن في البعد بين الدال و المدلول , كوكتو من خلال ابداعاته في الشعر و المسرح و السينما اشتغل على الموت بطريقة حسابية اقرب منها للنظرة الفلسفية المجردة كونه يرى ان العلاقة بين الانسان و الموت تولد منذ ميلاد الانسان و الموت ليس مجرد حدث ياتي ليهدم و يسلب الانسان الروح و الحياة, في فيلم " اورفي" هنالك منطقة انتقال ما بين الحياة و الموت وهي منطقة و مرحلة يمكننا الاحساس بها احساسا ماديا فالموت هنا هو الحقيقة بل جوهر الحقيقة و ليس وهم مفزع و التعرف على الموت بحاجة الى شجاعة او لنقل بحاجة الى المعرفة و هذه المعرفة هي ان يعرف الانسان نفسه و حقيقته و لا يمكن ان يشعر احدنا بالموت او يعرف حقيقة الموت و هو يجهل نفسه و حقيقة وجوده في هذا الكون , ففي فيلم " اورفي " اكتشف اورفي جهله و ان الاميرة الفاتنة و القاسية التي احبها ما هي الا هذا الذي نخاف منه اي الموت و لعل هذه المعرفة كانت بدعم او بمساعدة سائق سيارة الاميرة اي الملاك و لكننا نلاحظ ان الملاك لم يدفع الشاعر بقوة للنزول الى العالم السفلي او الجحيم للحاق بالموت و انقاذ زوجته و لعل كوكتو هنا قدم ايضا القفاز اي شيء مادي محسوس , في المرة الاولى يظن اورفي انه عاش حلما او كابوسا عندما اختفت الاميرة مع الجثة و جنودها اخترقوا المرآة, في المرة الثانية يرى المرآة مجرد لوح زجاجي لكن بعد نقاش و جدل بين الشاعر و الملاك يكتشف اورفي ان المرآة هي الباب و المنفذ للعالم الاخر اي ان المعرفة تاتي بالتامل و الجدل و الخيال حتى و ان كانت من ملاك فالشاعر بوسعه ان يجادل الملاك ليصل الى جوهر الحقيقة بنفسه .
من اجمل مشاهد فيلم اورفي و اجمل المشاهد السينمائية مشهد رحلة اورفي من العالم الدنيوي الى العالم الاخر اي نزولة الى الجحيم , في هذه المنطقة نرى اورفي يتقدم و نرى الملاك خلفه و نرى عالما غرائبيا مدهشا و اشخاصا لا نستطيع التاكد من هوياتهم و هنا يسال اورفي :هل ان هولاء احياء ؟ فيقول له لا تسال و يحضه على التقدم اكثر لنرى جسد اورفي يتحرك الى الامام و هو واقف و كأن شيئا مغناطيسيا ما يجذبه ليتقدم الى الامام بينما نرى الذهول على وجهه المشرق باضاءة ساحرة , لعلنا نلمس هنا عبقرية كوكتو في التعامل مع هذا المكان ليخلق منه عالما ميتافيزيقيا مدهشا فالظلمة هنا ذات مغزى و هي موحية و هنا التلاعب بين النور و الظلمة و خلق الظلال و الابتعاد عن التاثيرات التقنية و الخدع السينمائية , فالديكور الذي لا نرى بعض اجزائه بشكل جيد كان لغرض ان يدع للمتفرج نوع من المشاركة الايجابية ليخلق او يساهم في خلق هذا العالم الساحر الذي يقودنا الى الموت و لعل هناك نقطة مهمة من الواجب ان نشير اليها في هذا المقال و هو ان اهم مصادر كوكتو ليس الارث او الثقافة او الكتب الدينية او الفلسفية و الاسطورية بل هو الخيال و الحلم الذي يتمتع به كشاعر و ذكرياته الطفولية , هو يمزج بين الاساطير القديمة و اساطيره الخاصة و هو بحسب تعبيره في الكثير من المناسبات لم يسع لانتاج او ممارسة الفن السينمائي و اخراج افلام بل كان يمارس متعة و لذة مجنونة في خلق شعر صوري متحرك و لو تجاهلنا هذا العنصر فاننا ننسف او غير قادرين على فهم و تذوق الابداع العبقري السينمائي لكوكتو و تجريد اي عمل من اعماله من صفة الشعرية المفعمة بالحلم او عدم الاحساس بها يفقدنا لذة لمس روح هذه الاعمال و سحرها الفائق .
كل شخصية من شخصيات جون كوكتو تحمل بداخلها الاحساس بالموت او مطاردة منه و لنقل بشكل اوضح تحمل احد معالم و صفات الموت مثلا في فيلم "جميلة و الوحش" هذا الكائن اي الوحش كائن مفزع و قوي و خارق لكنه بحاجة الى الجميلة رغم انها ضعيفة و لم تقم بالثورة يوما ضد استبداد اختيها لكنها تقذف بنفسها الى العالم الاخر لانقاذ حياة ابوها و لا تغرها كثيرا الجواهر و المغريات المادية التي قدمها لها الوحش و تنفذ رغبته بالزواج لكنها عندما احست به و بالموت يهدده اسرعت لانقاذه بعد ان احبته , و هكذا نلاحظ ارتباط الموت بالحب, لكن الحب هنا استطاع ان يقهر الموت و يعيد الجمال الشكلي للوحش و لعلنا في هذا الفيلم شاهدنا من اللقطات الاولى صورة الموت من خلال قيام افينون برمي سهم و يقع بالقرب من الكلب و لعلنا يمكننا ان نفهم ان الموت يطارد الوحش من اللحظة الاولى .
السينما بالنسبة لجون كوكتو هذيان شعري ممتع و الحلم اثناء اليقظة لكن من خلال هذا الهذيان نستطيع ان نتوغل الى العالم الاخر و نحلق معه بكل جماله و عنفه الساحر, فالملاك هنا مثلا لا يستطيع ان يمنع الموت من سلب روح زوجة اورفي و الموت هنا لا يعترف باي امر او مرسوم و يصبح اقوى و اعنف من الإله نفسه , لعل كوكتو في بعض الاحيان يستخدم صورة الملاك ليخرج ما بدواخله من شك و اضطراب و قد يكون له ايضا دلالات جنسية فالمتفرج لهذا الفيلم يرى مدى اهتمام السائق اي الملاك بزوجة اورفي و ميوله نحوها مما يوحي بوجود علاقة بينهما.
نجد بعض الغموض و هو اجراء متعمد من المخرج و خصوصا عند التعامل مع العالم غير المرئي ليحوله الى عالم مرئي محسوس بشكل مادي و لكن يتعمد كوكتو مسح بعض التفاصيل في الديكور و معالم المكان و خلق عالم لا محدود و هو يتعامل مع الصورة بشكل حذر بحيث لا تعطي معنى محدد و يعيق تدفق الصور حين يراها انها تسير باتجاه المعنى الواضح و يلجأ الى التعامل مع الوجه و الجسد بغمرهما بنوع من الاضاءة الخاصة و استخدام الدخان و الضباب و من ثم يتحول من سينمائي الى نحات و فنان تشكيلي فاختيار اللقطة و نوعها و زواية الكاميرا و تحريك الجسد و الادوات ليس من منظور سينمائي بل قد يكون من رغبة و لذة في ممارسة و خلق تكوينات تشكيلية و نحتية حتى و ان كان ذلك يخالف بعض القواعد السينمائية و يخلق اضطراب لدى المتفرج .
يمكننا ان نستنتج من فيلم " اورفي" ان كوكتو لم يقدم الاسطورة بشكل واقعي لغرض زيادة تقافتنا او التذكير بالاسطورة لكنه قدم روح الاسطورة و احساسه بالموت و ركز على المضامين الفكرية العميقة و الجمالية دون اغفال الملامح الرومانسية و نهاية الفيلم تاتي بعودة اورفي و زوجته الى عالم الاحياء و انسحاب الملاك في اللقطة الاخيرة و بكاء الموت على فراق اورفي كما يمكننا ان نلاحظ قراءة للواقع المعاصر المادي فالناس تثور على الشاعر و تتهمه بانه خطف الشاعر الشاب الذي اخذه الموت في بداية الفيلم اي ان الخطر الحقيقي على اورفي ليس من العالم الميتافيزيقي او الموت بل من هذا العالم المادي الذي اصبح لا يعترف بالروح و الابداع .
...........................................
من اسرة ورشة سينما :خاص –باريس
و س 22-10- 2010
المقال للأستفادة الشخصية وليس لأعادة النشر . جميع الحقوق محفوظة لورشة سينما . لايسمح بأعادة النشر الا بموافقة ادارة الموقع والكاتب صاحب المقال.اعادة النشر من دون موافقة يعد مخالفة قانونية لحقوق الملكية الفكرية والنشر
Cinema Workshop
ورشة سينما
