سينما القارات

سينما بازوليني سينما بازوليني

سينما  بازوليني .. العمق الميتافيزيقي بروح شاعر

 

فيلم " النظرية " نموذجا

 

حميد عقبي

بير  باولو  بازوليني  موسوعة  فنية و فلسفية ينتمي  الى  الطبقة  الكادحة و ظل  طيلة  حياته  يناضل من  اجلها و يصورها , يصور احلامها و عمقها  الايماني و ارتباطها  بالدين و الجنس, و يرى ان  السينما  عليها  ان تصور  الواقع و لا تحيد عن الواقع  و شعرية  السينما لا تاتي  الا  من  خلال  التعمق  بالواقع  و اكتشافه, لكنه يميل  الى  العالم  الميتافيزيقي  و يغوص  فيه لاكتشاف  هذا  الواقع بل  فضحه  في  الكثير  من  الاحيان .

بازوليني  لم  يتنازل  عن  الشعر خلال  ابداعاته  السينمائية بل  ظل مخلصا للشعر و رافضا للعديد  من  التقاليد  السينمائية و هو يقدم  الواقع من  وجهة  نظره  كشاعر و انسان و كادح فيتعمد  تصوير  الفئات  البسيطة  من  المزارعين و القرويين و ابناء  الشوارع و المناطق  الفقيره , يعشق  تصوير  اماكنهم و ضحكاتهم و رقصهم و بساطاتهم و خرافاتهم و اجسادهم  العارية  السمراء و لا يخلو  فيلم  من  افلامه  من  وجود هذه  الفئة , يتعمد  ان  يجعلهم  ينظرون للكاميرا فهذه النظر  هي ارتداد تلقائي و كسر للحاجز بينهم و بين  من  يشاهدهم و يتحول  هولاء  الى  شاهد عيان و ليس  نموذج مصور بل نماذج حية معبرة و قادرة  على  الافصاح  عن مخاوفها و احلامها

بازوليني  هو  الرجل  الذي  ارتقى  بالفن السينمائي الى  افاق  الشعر و السحر و هبط  الى  الناس ليسمعهم و يصورهم  في  الشوارع  و القرى و جعلهم  يتحدثون  بشكل  عفوي و يعيشون لحظات اللذة و الالم دون  ان   تكون  الكاميرا  عائقا بل هي  اشبه بمرآة  تكشف عالم  الحلم و اللذة و الالم  , سوف  نختار  فيلم  "النظرية "و هو  من  الافلام الاكثر  اثارة و دهشة كوننا  هنا نعيش  حالة  فريدة مع اسرة  برجوازية  تستقبل  شابا  وسيما يزورها , هذا  الزائر  الغامض الساحر يقلب  موازيين  هذه  الاسرة ليفضح الخواء الروحي للطبقة  البرجوازية و هو اي  الزائر ملاك  او ابن  الله يرسله ليزعزع كيان  هذا  العالم و يظهر حقيقته المبنية على  الزيف و الكذب .

كلما  شاهدت هذا الفيلم  اشعر  بقشعريرة و اصاب  بنوع  من  الحمى و اظل لفترة طويلة لا احب  ان  اشاهد اي فيلم ,حالة لا اقدر ان اعبر  عنها كون المسالة ليست قصة و فيلم  بل  اكثر  من ذلك , نحن  هنا عرضة  للاكتشاف  بمعنى  اننا نكتشف امرا  ما  و في  نفس  الوقت  نشعر  من يستكشفنا و نحس  ان  ما  نخفيه  عن  الاخرين من غش و خداع اصبح ظاهر و مفضوح .

في هذا  الفيلم  نحن  امام اسرة برجوازية  تظن  نفسها  انها قد  نالت  من السعادة الكثير , مع  زيارة  ابن الإله تكتشف  انها  كانت  تعيش في  عزلة روحية و ان الماديات  اغرتها  عن  تذوق معنى  الحياة ، ياتي الزائر ليكتشف كل  فرد ذاته و يمارس  الضيف  الجنس  , يعيش  الجميع  في  حالة من اللذة مع  هذا  الساحر ثم يقرر  فجأة  تركهم لذاتهم .

في هذا  الفيلم طرح  بازوليني بشكل مولم و مبسط حقيقة و هوية الإله البطل المقدس و قدرته على  تعذيب و اسعاد البشر ,هنا نحن مجبرين على  التفكير بهذا  المقدس بطريقة تختلف كثيرا عما تقدمه  النصوص الدينية  و خصوصا  الكنيسة  الكاثوليكية التي كانت  تنزعج جدا  من  افلام بازوليني و تحرمها

المادة  الاساسية  التي  اشتغل  عليها  بازوليني في  افلامه  هي  الجسد و الروح ,و هو يحركهما  بطريقة عجيبة  , جوهرها  فكر و روح شاعر و يستخدم  السينما  وسيلة  تعبير  لخلق قصائد  مرعبة هنا لم يكن  القصد  في  هذا  الفيلم خلق رموز او التلاعب بها وتصوير  العالم الميتافيزيقي  بطريقة حسية ملموسة دون التنازل عن بعض الغموض ,هنا الشاعر يزج بنا  في  عالم غرائبي مفزع و مقلق اضافة لذلك فبازوليني يدعونا لرؤية  جوهر  الواقع و ما  تعصف  به  من  متغيرات فكرية و روحية بتنامي خطر الطبقة البرجوازية و فضح غرورها  و فراغها  الروحي و شراهتها لاستغلال الديني و الدنيوي لاشباع لذاتها

في  فيلم  "النظرية"  نحن  لسنا  امام درس  اخلاقي او مجرد خطاب  اجتماعي  نقدي للواقع او  خطبة  سياسية ,نحن امام  حالة  استكشاف او ابحار  في  العالم  الميتافيزيقي و الغوص  فيه و حوار  حول علاقة  الروح بالجسد و العالم  المحيط به اي المرئي المحسوس و غير  المرئي الخيالي, في بداية الفيلم نرى  لقطات  طويلة  و الالوان  باهتة و الشخصيات  محصورة  في  فضاء  واسع, في  المشاهد الداخلية  مثلا  للقصر نرى  حضورا  للديكور و الشخصيات ليست  مرتبطة بهذه  الاماكن او لنقل  ان  العلاقات  ضعيفة, في الجزء  الثاني  من الفيلم  تتفجر  الالوان و تعي  الشخصيات مصيرها و تظهر عليها  علامات  القلق و الخوف عندما يقرر الملاك  مغادرة  القصر تعترف  كل شخصية بهواجسها  و تحضه  على  البقاء ,لكن الضيف  يستمع  باهتمام لكل  شخصية و لا يعطي مواعظ او  توصيات و لا نصائح .

مصائر  الشخصيات  تتعدد  الفتاة الشابة  تصاب  بحالة  نفسية و تفقد القدرة  على  الحركة و الكلام و يتم  نقلها  الى  المستشفى ,و الشاب  اي  الابن يصاب  بحالة  هوس فيخلط الالوان  و يرسم لوحات مبهمة و تجريدية ,و الام تهيم  في  الشوارع  تبحث عن  اللذة و عن  اي شاب يشبه  الضيف  لتمارس  معه  الجنس ,و الخادمة  تعود لقريتها  الفقيرة و تمتنع  عن  الطعام و تتحول  الى  قديسة ,و الاب يسير  هائما  على  وجهه بالصحراء كحيوان   مفترس  نراه  في  نهاية  الفيلم  عاريا  و ينتهي  الفيلم  بصرخته القوية .

في فيلم  "النظرية " يمكننا ان نلاحظ ان  بازوليني  لم يصور قضيب  الرجل و قفاه  كعادته  في معظم  افلامه , و ان  تمرير  الفعل  او الحدث  الجنسي  كان بطريقة  مختلفة  جدا و لم  نشاهد  الملاك اي  الضيف عاريا ,و كثف  المخرج  من الاستعارات  و الحذف و كان  التركيز  على خلق  كادرات غنية و مفعمة بالجمال و روعة  التكوين .

..................................................

من اسرة ورشة سينما – خاص : باريس

و س 26-11-2010

المقال للأستفادة الشخصية وليس لأعادة النشر . جميع الحقوق محفوظة لورشة سينما . لايسمح بأعادة النشر الا بموافقة ادارة الموقع والكاتب صاحب المقال.اعادة النشر من دون موافقة يعد مخالفة قانونية لحقوق الملكية الفكرية والنشر

 

 

 

Name:*
E-mail Address:*
Message:*
 
Please enter the code:

Note: Fields marked with * are required.