سينما القارات
فيلم ماما روما
فيلم "ماما روما "للمخرج بازوليني : الواقعية من رؤية شعرية
حميد
عقبي
المخرج السينمائي الايطالي بير باولو بازوليني لم يكن مخرجا عاديا ،
كانت افلامه مثيرة للجدل و بعضها
تم منع عرضها و تمت مصادرتها بسبب قوة الطرح و قوة الصورة
الصادمة و المرعبة كونه لا يكتفي بتصوير احداث اوقصص من
الواقع بل يذهب اكثر من ذلك بتعرية الواقع و فضح الطبقة البرجوازية بسبب كراهيته لليمين المتطرف و رجال الدين و الكنيسة
., سنتوقف امام فيلم " ماما روما " و
هو فيلمه الثاني , البعض يصفه انه فيلم ينتمي الى الواقعية الجديدة و انه من اسهل افلام بازولينيحيث ان هناك خيط درامي و احداث مترابطة من السهل فهمها و ادراك
مقاصدها و لكن هذا لا يعني ان الفيلم اقل افلام بازوليني من
الناحية الجمالية و انه لا يحوي رؤية شعرية كون السينما
بالنسبة لبازوليني نشاط شعري و مرآة
للواقع.
قصة الفيلم باختصار ماما
روما عاهرة يتقدم بها
العمر و تشعر بحاجتها للحرية و التخلص من شبكة الدعارة والعيش مع ابنها ايترو لذلك تترك المكان الذي تعيش فيه و تسافر الى روما لتسكن في احدى ضواحي روما الشعبية و تعمل في السوق الشعبي
لبيع الخضار و تظن انها تخلصت
من الماضي و العهر لكن الماضي يطاردها و ياتي القواد
ليعيدها الى الدعارة و يهددها بفضح امرها امام ابنها الشاب الذي تحبة و تحلم له بحياة افضل, في هذا الواقع الجديد و
البيئة الاجتماعية الجديدة يرتبط الابن بشلة من الشبان حيث
تنتشر البطالة و الفساد في
محيط هذه الضواحي و تدرك الام فضاعة هذا المجتمع و تحاول بكل وسيلة انقاذ ابنها لكن سرعان ما ينغمس الابن في هذا المحيط لتكون نهايته مؤسفه بعد الامساك به خلال قيامة
بالسرقة , ينهار الابن و يتم ايداعه في
مصحة نفسية و يدرك انه بحاجة لأمه ، يصرخ ثم يموت ميته درامية محزنة.
في المشهد الاول من الفيلم نرى ماما روما تدخل الى قاعة عرس و هي شبه مخمورة و تقود امامها
خنزير و خنيرة تغني و ترقص و تداعب احد الاطفال بوضع خصلة من
شعرها كشارب , هنا سنجد سخرية بازوليني من ا لواقع و من بعض
التقاليد الاجتماعية اهمها الزواج
. نرى ماما روما بهذه الدعابة تسخر من الرجال, و لعل بازوليني في اغلب افلامه يقف موقفا ايجابيا و يكشف عن هويته الجنسية كمثلي و لا يجد هذا عارا بل يرى ان هذا مخرج
من العديد من المازق الاجتماعية و لا
يعني ذلك انه كان داعية او يجبر المتفرج على الاقتناع بوجهة نظره كونه يقدم الحقيقة من رؤيته و يرى ان الزواج نظام اجتماعي من التراث البرجوازي و الديني و انه قد
يحوي الكثير من الظلم للمرأة,
فهذا النموذج اي ماما روما تمارس الجنس ليس بدافع اللذة و ليس خيارا حرا بل ان هناك ظروفا قاهرة تجبرها على فعل ذلك و عندما ترى ابنها يكبر تسعى بكل طريقة للتخلص
من عار الماضي , و لعلنا في
المشهد الثاني نرى ماما روما تمشي وراء ابنها و نرها و كانها تعرج في مشيتها و تخلع حذائها محاولة ان تتخلص مما علق به و يتكرر هذا الفعل اكثر من مرة في
مسار الفيلم و بالتاكيد فهذه
دلالة لشعورها بالقيود , فالدعارة هنا لم تكن مجرد مهنة بل هي قيد و سجن من الصعب التخلص منه.
بازوليني هنا لم يقدم قصة اجتماعية محزنة و لم يسلك اسلوبا خطابيا مباشرا ففي
كل مشهد سنجد انه يمرر الكثير من الدلالات, لنأخذ مثلا بسيطا :
سنرى تكرارا لمشهد كاتدرائية روما
و سنرى اكثر من شكل للصليب مثلا خلال مسير ماما روما و ابنها من تحت الجسر يمكننا ان نلاحظ ان شكل الجسر اشبة بالصليب , في نهاية الفيلم نرى الابن مصلوبا و
مقيدا على سريره بالمستشفى و نرى الحرقة و الالم على ماما
روما التي تحاول ان ترمي
بنفسها من النافذة , هنا اعادة و عرض لرمز ديني مقدس هو الصليب و قصة السيد المسيح بما تحويها من الم و
هذه الاستعارات الدينية تاتي و توظف ليس لقداستها الدينية
بل باعتبارها شاهدا على الالم الانساني و جزء
من تاريخ البشرية القاسي, فالصليب دلالة على القسوة
ليس قسوة الاله وحده بل قسوة البشر و السيد المسيح بالنسبة لبازوليني انسان يحب امه و امه تحبه وانه كان ضحية طبقة برجوازية , و رغم كراهية بازوليني للدين و رجال
الدين الا انه يستغل هذه الرموز الدينية لاظهار ضعف الانسان الفقير
و البسيط فالطبقة العاملة و الفقيرة هي ضحية الدين فهو
بالنسبة لها مخدر و مساحة للحلم
بالسعادة و لكن سرعان ما تنكشف هذه الاغطية و ان المستفيد الاكثر من الدين هي الطبقة البرجوزاية و رجال الدين, نجد
هنا ان ماما روما رغم انها غير مقتنعة بالدين الا
انها تلجأ الى رجل الدين تبحث عن حل
لصلاح حال ابنها و تحاول ان تدفعة للممارسة الجنس مع احدى صديقاتها لكن الابن يكون متعلقا بفتاة اخرى من الضاحية لديها طفل , هنا من افسد الابن ليست الام العاهرة
بل المجتمع القاسي و الاكثر
عهرا.
لم يهمل بازوليني في
هذا الفيلم العناصر الجمالية و التشكيلية حيث نجد بعض
المشاهد اقرب منها للفن التشكيلي ,
مثلا عندما نرى ماما روما تسير خارج المدينة و هي بلباس اسود و تحيط بها ظلمة يظل جزء من وجهها منيرا و نرى بصيصا من
النور في العمق و لعل ذلك النور و
تلك الاضاءة دلالة على صفاء روح ماما روما كأنسانه فهي لم تولد عاهرة و حاولت التخلص من العهر لكن الظروف تجبرها على العودة للدعارة و هي ليست راضية ان تبيع
جسدها.. نراها تضحك ساخرة من
هذا الواقع و يمكننا ان نلمس و نحس بالالم الداخلي و
كلما اقتربت من الكاميرا للتخلص من هذا الظلام نرى الكاميرا تبتعد عنها لتظل جزء منه نجد ايضا اهتمام كبير بالعمق و التكثيف من اللقطات البعيدة و كذا الاشتغال على الوجه و
الجسد الانساني و عكس وجهة نظر
الشخصيات و هو الاسلوب المعروف لدى بازوليني.
في نهاية الفيلم يعرض عددا من اللوحات الفنية و الشعرية الصادقة لواقع الانسان بشكل عام فهذا الشاب المصلوب يحاول الصراخ و لا يقدر و يكتفي بترديد كلمة (امي امي)
نراه شبه عار و مقيد و اثر للبول
و البراز على سرواله الداخلي الابيض, في
هذا السجن ينظر الى النافذة الصغيرة و السياج الحديدي على شكل الصليب و يلفظ انفاسه الاخيرة وكأننا نحس بالروح تغادر و
تنطلق الى عالم اخر مخترقة
هذا السياج , في الوقت ذاته تكون الام هي الاخرى اسيرة لا تملك سوى البكاء و الدموع و النظر عبر النافذة و
لعلها تحس بمأساة الابن لكنها غير
قادرة على انقاذه و يمكننا الاحساس بأن القداسة هنا ليست للصليب بل للانسان المعلق على الصليب و هو كذلك دلالة على مأساة ماما روما.
.............
MAMMA ROMA Film de Pier Paolo Pasolini (Mamma Roma, Italie, 1962). Image : Tonino Delli Colli. Musique : Vivaldi. NB. VO. 105 mn. Avec Anna Magnani, Ettore Garofalo, Franco Citti, Silvana
Corsini. Genre : mélodrame social.
...................................
من اسرة ورشة سينما – خاص : باريس
و س 30 -8-2010
المقال للأستفادة الشخصية وليس لأعادة النشر . جميع الحقوق محفوظة لورشة سينما . لايسمح بأعادة النشر الا بموافقة ادارة الموقع والكاتب صاحب المقال.اعادة النشر من دون موافقة يعد مخالفة قانونية لحقوق الملكية الفكرية والنشر
شارك برأيك
Cinema Workshop
ورشة سينما