سينما القارات

ميديا ميديا

فيلم  "ميديا"..  لبيير  باولو  بازوليني: نظرة الى عالم مليء بالخرافات وصراع  الأضداد

 

حميد عقبي

 

قام  المخرج  السينمائي  الايطالي  بيير  باولو  بازوليني بمعالجة تراجيديا " ميديا " سينمائيا , هذه  المعالجة تحمل  رؤية شخصية و ذاتية و لم يلتزم تماما بذكر  قدر  كبير من  المعلومات و  الرويات حول  هذه الاسطورة فالفيلم اتسم ببناء درامي سلس و متماسك , لكن هدف  بازوليني  لم يكن عرض هذه  التراجيديا , بل كان  هدفه  شي  اخر للحديث عن  الواقع و ليس عن  الماضي  البعيد و استغل  المناخ  التراجيدي الاسطوري لاظهار الصراع  بين ثقافتين , الاولى  ثقافة  و حضارة  بربرية بدائية هي حضارة  ميديا و  الثانية مدنية  حديثة هي حضارة جاسون .

في  بداية  الفيلم  نشاهد   مشهدا  طويلا  يقترب من  الاسلوب  الوثائقي حيث يسيطر  الصمت و لا يوجد  اي  تعليق مكتوب  او  مسموع ليتم  الزج  بنا  في عالم  غرائبي  مدهش و مثير ,  نعيش  لحظات  تقديم  قربان  بشري  لاله  الشمس كي  تمنح المطر  و  الحياة للارض الجرداء , نرى ميديا هذه المراة  الجميلة  الساحرة و الكاهنة  تشرف  على  هذه  الطقوس الدينية . الكاميرا  في  هذا  المشهد  الطويل ليست  مجرد شاهد عيان  بل  جزء من  الحدث فهي  حاضرة بشكل  حساس تعرض  تفاصيل  دقيقة وتحلق  حول  الوجوه و تتامل الموقف من  بعيد لترسم  لوحات  فنية  مدهشة ثم تقترب لتصور الوجوه  و الابتسامات  و تتيح  للبعض  النظر  اليها ثم  تعكس  وجهة  نظر  البعض لبعض  التفاصيل , لا تظل  كسولة  و ثابتة بل  تتحرك مع  تحرك  الجموع  احيانا و تتوقف  في  بعض  الاحيان و تتخذ عدة  مواضع  و زوايا لتعطي  للمشهد روحا ديناميكية و معاني متعددة و شعرا ساحرا .

هذا الفيلم يعطي  انطباعا  سياسيا واضحا حين  يعرض ثقافة  الهمجية و البدائية و يمكن  القول  انها  ثقافةالطبقة  الفقيرة البروليتاريا و التي  تنشأ في  تناقض قوي مع  الثقافة  الحديثة اي  البرجوازية و التي  يمثلها  جاسون .

بازوليني في  احدى حواراته اعترف بذلك بقوله  ان  ميديا هو  المواجهة بين   الكون  القديم الهيروطيقية و رجال  الدين مع العالم  العقلاني البرجماتي  المادي .

جاسون  هنا  هو  البطل  الحالي الواقع السياسي  الحاضر, اي  العصري الذي لم  يفقد المعاني و القيم و الاحساس  بالعالم  الميتافيزيقي بل  اكثر  من ذلك كونه لا يكلف  نفسه حتى  مجرد طرح تساؤلات حول  هذا  العالم  الروحي الخيالي .

ميديا هنا لديها  نظرة  العالم  الثالث , نظرة  اعتقاد بالمقدسات و حياة  مليئة بالخرافات و من  اجل هذه المقدسات من  الممكن  التضحية و تقديم  قربان  بشري , يتم  تقديمه في  شكل  احتفالي فرائحي بهيج و ليس  في صورة حزائنية جنائزية جاسون  و جيشه  القادمون من  عالم  اخر متحضر  مدني طغت عليه  روح  المادة كان  كل  همهم الاستيلاء على  الذهب و تدنيس  المقدسات .

بازوليني يعيد هنا كتابة التاريخ  الحديث او يقدم  شهادة  صادقة بصورة  اكثر  واقعية و تعبير شعري مدهش, فالاستعمار  الغربي زحف على دول عديدة  في المشرق و افريقيا و كان  كل  همه نهب  الذهب و  الثروات  المعدنية و عرض  بازوليني  وجهة  نظره  هذه  بشجاعة منتقدا  العالم  الراسمالي و الخطط  الاستعمارية المدمرة , فهنا  قد  تقسو  الطبيعة و يحل  الموت بسب  الجفاف  او اية  كارثة  طبيعية و يمكن  للانسان  الاستنجاد  بالالهة  و التعايش  مع  الموت  و انتظار  الفرج و لكن عندما  ياتي  المستعمر فهو  اكثر  وحشية  من  الموت  نفسه .

في  هذا  الفيلم تكون ميديا هي البطلة  التراجيدية الماسوية و هي  روح  هذه  التراجيديا  بل  الضحية و المجني  عليها فهي  امراة امتلكت عناصر  الجمال و الفتنة و القوة و السحر و الشرف و القداسة و هي امراة  في  مجتمع  ابوي سلطوي و لكنها  ثارت  ضد  سلطة  الاب و استخدمت كل  الوسائل  و الامكانيات من  اجل  الحبيب, من  اجل  الحب  الجنوني تخلت  عن  الدين و الارض و الوطن و ذبحت  اخوها  بشكل  بشع و لكنها  عندما  خانها  الحبيب انتقمت  ايضا  منه  بوحشية كي تلقن  الرجال  درس لا ينسى .

عندما  تغادر  ميديا وطنها و اثناء  هروبها  مع  حبيبها  الى العالم  الاخر نلاحظ تحول  في  الالوان لتسود  الالوان  الرمادية  الداكنة و غياب  اللون  الاخضر من  ناحية  الشكل  و كذا  غياب  الاغاني  و الاهازيج فيسود  الصمت, نراها  وحيده  في  القارب , في  مشهد اخر نرى  الجيش يخيم  في  ارض  قاحلة و صلبة , ينشغل  الجميع باعداد  الطعام, وحدها  ميديا تحاول  التعرف  على  الارض و مناداة  ارضها التي  هجرتها  و تشعر بالحنين  لتلك  الارض و تلك  القداسة المفقودة, تركض  في  كل  الاتجاهات  كحيوان  جريح و تشعر  بانها  فقدت  روحها ياتي  بعدهاحاسون  ليمارس  معها  الجنس  و نرى  ان  مشهد الحب  جاء  بعد  مشهد اعداد و اكل  الطعام كعادته  بازوليني يرى  ان العلاقة  الجنسية بين  الرجل  والمراة نوع  من  الاستهلاك المادي التافه .

نلاحظ  ان  الاغاني  و الاهازيج  الشعبية لم يتم  انتاجها و  الاستعانة  بفرق  سيمفونية و تقنيات ضخمة  بل  كانت  بسيطة و معبرة و شعبية جدا و لعل هذا  الاجراء  خلق  روح حية و معبرة ليخرجها  من  اطار  الحكاية  الى اسطورة  حية تعاش لحظة بلحظة .

بازوليني في  هذا  الفيلم يلقننا ايضا  درسا  سينمائيا بهذا  التنوع العجيب في  مناخات  متعددة , فقد تم  التصوير  في سوريا و تركيا و جنوب ايطاليا و بذل جهدا خارقا ليزج بنا  في عالم متناقض فتارة  نحن امام عوالم  روحانية  ميتافيزيقية و تارة ينقلنا  لواقع  مادي جامد و مزعج يفتقد للروح و الحلم و البهجة .

في الغربة موطن جاسون نحن امام  مجتمع  استهلاكي حيث لا اهازيج و لا الهة و لا صلوات و لا ارض تزرع , فالرقص  مثلا  في  احد  المشاهد ليس  فن او صلاة  بل  نوع  من الاستهلاك و كذلك نرى مثلا في  احدى  اللقطات مجموعة  من الاطفال ياكلون  بطيخا احمر و كذا زواج جاسون  من  ابنة الملك هو  نوع من  الاستهلاك و هو  زواج  مصلحة , فجاسون  هنا  يبحث  عن  السلطة و يريد  العرش و يتنكر  لتضحيات  ميديا و في  هذه  المحنة  تعود ميديا الى الالهة و القداسة و الروح و تقتل ابنائها ،   والابناء ربما يفهم  البعض  انهم قربان او ضريبة بازوليني  قدم و ختم  فيلمة  بصرخة احتجاج ضد الحروب  الوحشية الحديثة  التي  تم  ارتكابها دون  وازع  انساني و لاغراض  مادية  بحتة , هو ايضا  اراد توثيق جريمة القنابل  الذرية و ضحايها, فالفيلم  شهادة  عصرية و وثيقة احتجاجية و ليت  بازوليني  عاش اكثر  و شهد تطورات  الحرب  الباردة ثم الحروب  و الجرائم التي  ارتكبت  حديثا و ما حل  بعالمنا  من دمار و خلل  في  القيم و ضياع الروح و الامل و سيادة  العنف  و الارهاب بالتاكيد  كان  سيكون  له  موقف مختلف .

.............................

من اسرة ورشة سينما – خاص : باريس

وس 7-1-2011

المقال للأستفادة الشخصية وليس لأعادة النشر . جميع الحقوق محفوظة لورشة سينما . لايسمح بأعادة النشر الا بموافقة ادارة الموقع والكاتب صاحب المقال.اعادة النشر من دون موافقة يعد مخالفة قانونية لحقوق الملكية الفكرية والنشر

 

 

 

Name:*
E-mail Address:*
Message:*
 
Please enter the code:

Note: Fields marked with * are required.