سينما القارات

أوغاد الحرب  فنطازيا من نسج الخيال

د. صباح مهدي الموسوي

أوغاد الحرب آخر أفلام المخرج (كويتن تارنتينو ) الأمريكي ذو الجذور الايطالية والذي شارك في مهرجان كان الأخير 2009 . الفلم اتخذ من السنة الأولى للاحتلال الألماني لفرنسا خلال الحرب العالمية الثانية خلفية لأحداثه فهو ليس فلماً حربياً بل إعادة ترتيب لأحداث مفبركة وفق رؤية خاصة تمتزج بها الحقيقة بالوهم وتتسيد الرؤية الفنية على الحقيقة التاريخية . بالشكل الذي يجعل من أحداث الفلم مجرد فنتازيا من نسج الخيال . وبالرغم من المغالطات التاريخية في فضاء أحداثه المتخيلة فإنها لاتقلل من مقومات العمل الإبداعية على مستوى الشكل و البناء الدرامي وما تضمنه من عناصر جذب وتشويق في تدفق أحداثه بانسيابية وإيقاع نابض بالحيوية والتوتر يشد المشاهد وصولاً إلى النهاية . مما يؤكد قدرات المخرج وتمكنه من ادواتة الفنية في صياغة اللعبة السينمائية .                                                                                   

في بنيته السردية يرتكز الفيلم حول خطين دراميين متداخلين الأول تمثله الشابة اليهودية الفرنسية (شوسانا دريفوس ) تمثيل ( ميلينا لوران)  التي هربت إلى باريس من مجزرة أودت بحياة جميع أفراد عائلتها في المشاهد الأولى للفلم وهناك تتولى أدارة دار للسينما بعد وفاة خالتها. أما الخط الثاني فيمثله مجموعة من الجنود اليهود الأمريكيين الذين يضمرون الحقد والكراهية للنازية وجميع الجنود الألمان. يترأسهم الملازم (آلدو رين ) تمثيل براد بيت . ترسل المجموعة إلى حرب عصابات في غابات  فرنسا مهمتهم إشاعة الرعب والخوف من خلال وحشية الانتقام بقطع فروة الرأس وتهشيمه بعصا البيسبول من قبل ( الدب اليهودي ) تمثيل دانيل بروهل ولا تخلو الحبكة من فبركة تنفذ هذه المجموعة عدد من العمليات وفق ما أوكل إليها من مهام تثير مخاوف الألمان وحفيظة هتلر نفسه . أما على المستوى الآخر يقع احد الضباط الألمان (فردريك زولر) بحب شوسانا (تغير مستمسكاتها باسم امانيويل ميميا )الحب لايجد تبادل بالمشاعر ويبقى من طرف واحد . وكون زولر بطلاً قومياً بسبب مهارته بالقنص الذي راح ضحيته مئات الضحايا فيقرر غوبلز عمل فلم لبطولته (فخر الأمة ) . ويقع اختيار عرض الفلم بدار السينما التي تمتلكها شوسانا بحضور هتلر و وزير إعلامه غوبلز  وبهذا تجد شوسانا الفرصة الذهبية في التخطيط للانتقام ويتم التنسيق مع المجموعة في وضع خطة لحرق دار العرض من خلال كمية كبيرة أشرطة الأفلام سريعة الاحتراق وفعلاً يتم تنفيذ خطة الانتقام وقتل جميع من في القاعة بما فيهم هتلر . وعلى مستوى التمثيل تميز الحضور الجميل للنجم السينمائي براد بيت في شخصية آلدو رئيس العصابة كما أجادة ميلينا لوران في تجسيد القوة والصلابة ورباطة الجأش في دور الفتاة اليهودية أما الشخصية الأكثر جذباً واستحواذاً في أداءها كانت شخصية صائد اليهود الممثل كريستوف والتز بدور الكولونيل الألماني هانز لاند فإلى جانب التحدث بلغات ثلاثة هي الانكليزية والفرنسية والألمانية استطاع من خلال الحركة والإيماءة والحوار الذكي تجسيد الفطنة والمكر بشكل مقنع ومؤثر يستحق السعفة الذهبية عن جدارة.المثير للجدل في الفلم يكمن في زاوية النظر إليه فإذا اكتفينا بالصنعة السينمائية فلا خلاف حول موهبة تارنتينو  وتجربته السينمائية ( اقتل بيل , بالب في كشن , ضد الموت ,كلاب المستودع ) فالفلم يلتقي إلى الإعمال الممتازة على مستوى البناء العام من حيث جمالية التصوير وبناء الكادر والموسيقى والحوار والأداء الذي استطاع أن يداعب المشاهد ويشده إلى عالم الفلم ولكننا إذا تعاملنا مع موضوعة الفلم ( الحرب العالمية الثانية ) من وجهة النظر السياسية والتاريخية فهو مثار جدل إذا أخذنا بنظر الاعتبار التحريف وطريقة عرض هكذا موضوع ذو حساسية وجدل سياسي يعود بنا إلى البحث والاستقراء في حقائق التاريخ وستتعدد وجهات النظر والمواقف إزاء الفلم لذا ومن خلال تلك المفارقات والأكاذيب التي تعتمد على طريقة وإستراتيجية اللامنطق في الاتكاء على التاريخ في حكايته يفرض علينا تارنتينو التعامل معها في حدود اللعبة السينمائية وعالم تارنتينو الخاص                           .                                                                                                       

بقية أن نذكر بحقيقة الفلم السينمائي واشتراطاته وقوانينه الخاصة التي قد تتجاوز قوانين الواقع الفيزيائي بالشكل الذي يضحى بالحقيقة من اجل الوهم والوهم من اجل الحقيقة لتبقى الرؤية الفنية للسيناريست والمخرج هي المتسيدة لذا فان هناك الكثير من الأفلام من غير الممكن احتكامها إلى الواقع كونها واقعاً مخلوقاً لا يحيل إلا لذاته

وعليه لايمكن النظر إلى أوغاد تارنتينو من منظور تاريخي لأنه حتما سيكون حكمنا علية فلماً بائساً نتيجة أكاذيبه ومغالطاته لحقائق التاريخ . بل علينا أن نبقى ضمن عالم الفلم ونتساءل ماذا أراد تارنتينو قوله هل الفلم مجرد لعبة أراد منها تحقيق المتعة ؟ فإذا كان كذلك فقد نجح في تحقيق الإمتاع وهو الهدف الأساس للدراما . أم هي رغبته في إنهاء الحرب بهذا الشكل لوان التاريخ يرجع إلى الوراء وهذا الحلم لا يتحقق إلا من خلال فن الفلم إذ لا عودة للدخان إلى  النار إلا بالسينما كما يقول مارسيل مارتن . ويبقى التساؤل الخير وهو الأهم هل أرادة تارنتينو مجاملة اليهود وكسب رضاهم؟