سينما القارات

فيلم "الكاتب الشبح" للمخرج رومان بولانسكي  .. وراء كل سياسى كبير شبح أكبر


رامى عبدالرازق  


عندما فاز رومان بولانسكى بجائزة أحسن مخرج فى مهرجان برلين 2010 كان موجودا فى سويسرا تحت الإقامة الجبرية بتهمة مواقعة قاصر قبل 33 عاما.. وهى التهمة التى كان يقاوم فيها تسليمه إلى أمريكا، كى تتم محاكمته هناك.. وفى فيلمه «الكاتب الشبح» يكشف الكاتب، بطل الفيلم فى المشهد الأخير سراً خطيراً يتعلق بالأمن القومى الأمريكى من خلال مذكرات رئيس وزراء بريطانيا السابق «آدم لانج» الذى يقوم الكاتب الشبح بعملية تحرير أو إعادة صياغة مذكراته قبل نشرها.. مما يشعرنا بأن الفيلم هو رد لـ«بولانسكى» على التهمة الأمريكية التى جاءته بعد ثلاثة عقود !

الكاتب الشبح صفة تطلق على كتّاب الظل الذين يقومون بكتابة خطب السياسيين أو المشاهير أو إعادة صياغة مذكراتهم أو بياناتهم دون أن يتم ذكر اسمهم ككتّاب ولكن كمراجعين أو أحيانا دون ذكر اسمهم على الإطلاق ودون وجود أى حقوق أدبية لهم فى الشكل النهائى للمادة.. ولكنهم يمنحون مقابلاً مادياً فقط، ومن هنا يعتبر اختيار هذه الشخصية أحد عوامل قوة الدراما فى الفيلم لأن الكاتب الشبح يمكن أن يعيد بسهولة تشكيل السيرة الذاتية لأى شخص شهير يقوم بالكتابة عنه.. كما أنه يمكن أن يبرز محاسنه ويخفى سيئاته أو يضع للقراء علامات خفية تكشف لهم التاريخ الحقيقى للشخصية الشهيرة .

مفتاح قراءة «الكاتب الشبح» يكمن فى ثلاثة مشاهد غير متتالية، تحتاج إلى متلق يسلم ذاكرته للفيلم طوال فترة المشاهدة.. المشهد الأول هو وجود جثة «مايك كارا» الكاتب الشبح الأصلى الذى كان يصيغ خطب ومذكرات رئيس الوزراء البريطانى السابق «لانج»- الممثل «بيرس بروسنان»- حيث نرى جثة كارا ملقاة وسط الأمواج فجرا على شاطئ الجزيرة الأمريكية المعزولة التى يقيم عليها «لانج» وزوجته وطاقم مكتبه، بعيدا عن مشكلة سياسية خطيرة تواجهه فى بلاده.. المشهد الثانى نراه من وجهة نظر الكاتب الشبح- الممثل «إيوان ماكجريجور»- الذى تم التعاقد معه بعد وفاة «كارا» لكى يقوم بمهمة صياغة المذكرات فى مقر إقامة رئيس الوزراء السابق، حيث نراه ينظر لعامل نظافة آسيوى كلما قام بجمع مجموعة من الفضلات وأوراق الشجر فى عربة القمامة الصغيرة حين تأتى رياح شديدة وتطيرها ثانية مبعثرة إياها فى المكان كالسابق.. بينما عامل النظافة يتذمر ولا يملك إلا أن يحاول جمعها ثانية .

والمشهد الثالث هو المشهد الأخير عندما يكتشف الشبح -كما يطلق على نفسه- السر المخبأ فى المذكرات من خلال تشكيل جملة من الكلمات الأولى فى كل فصل من المذكرات، حيث يخرج من دار النشر التى تحتفل بإصدار مذكرات «لانج» بعد اغتياله حاملا النسخة الأصلية من المذكرات ويغادر الكادر، لتأتى سيارة مسرعة وتدهسه خارج الكادر ولا نرى إلا أوراق النسخة الأصلية من المذكرات تتطاير قادمة من خارج الكادر لتتبعثر فى الطريق.. تماما مثل أوراق الشجر والفضلات التى كان عامل النظافة يحاول جمعها.. حيث تتصل العلاقة البصرية والدرامية هنا ما بين مذكرات رئيس الوزراء السياسى التى هى غسيله القذر أو فضلاته بالأوراق والفضلات التى كان عامل النظافة يجمعها.. ويصبح رمزا بصريا ودراميا للكاتب الشبح نفسه الذى من المفترض أن يجمع تلك الفضلات القذرة ويداريها بعيدا عن العيون كى يبدو كل شىء نظيفاً وراقياً.. ولكن تخليه عن تلك المهمة يجعل مصيره مثل مصير الكاتب الأول وهو القتل، كى يصمت للأبد .

وقد عمق السيناريو من العلاقة الخفية بين شخصية «كارا» الكاتب الشبح الأول وبين الكاتب الشبح الثانى والرئيسى «ماكجريجور» حتى شعرنا بأن هناك أكثر من شبح فى الفيلم، فالكاتب الأول تبدو تفاصيله حاضرة طوال الوقت، بل إن «كارا» بشكل غير مباشر- كأنما بفعل غيبى- يقدم للشبح الأدلة التى تقوده للسر الخطير من خلال أشيائه التى يحاول «ماكجريجور» ان يتخلص منها عندما ينتقل إلى غرفته بمقر إقامة رئيس الوزراء السابق.. وذلك بعد تفجر فضيحة تسليم أسرى بريطانيين من أصل باكستانى إلى أمريكا لتعذيبهم سرا والحصول منهم على معلومات فيما بعد 11سبتمبر .

 ورغم أننا لا نرى «مايك كارا» أبدا فإنه نموذج للشخصية الدرامية الرئيسية التى تحرك الأحداث من خلال علاقتها السابقة بكل الشخصيات الدرامية التى تتحرك داخل الحبكة البوليسية.. فإلى جانب الملابس والغرفة والحديث المتواصل عنه، هناك السيارة التى استدرج منها وهى نفس السيارة التى يركبها «ماكجريجور» ويكاد يقتل فيها بعد أن يطارده عملاء مجهولون عندما يقترب من كشف «كبد الحقيقة» أو قلب «آدم لانج» كما أطلق عليه فى بداية الفيلم، عندما قرر أن يقبل إعادة صياغة المذكرات.. بل إن تجريد شخصية الكاتب الشبح «ماكجريجور» وعدم ذكر اسم لها يجعلنا نشعر بأنه شبح بالفعل أو كما هى مهنته كاتب شبح، لا يكتب اسمه أبدا على ما يكتبه ولكنه يبقى فى الظل .

وقد استخدم «بولانسكى»- خاصة فى الفصول الأولى من الفيلم- أسلوب اللقطات القصيرة والمونتاج الحاد السريع والكثير من الإشارات البصرية مثل مشهد الجثة ومشاهد البحر وعملية جمع الفضلات.. ومحاولة الكاتب الشبح اكتشاف العلاقة الخفية ما بين سكرتيرة رئيس الوزراء وبينه، وكلها لقطات تأسيسية للنصف الثانى من الأحداث- يجب أن تظل فى ذاكرة المتلقى حتى يقوم بإعادة ربطها بكل التفاصيل التى تكشف عنها الحبكة فى ذروتها .

ورغم أن الطرح السياسى فى الفيلم يبدو سطحيا أو مباشرا فى بعض المناطق- خاصة عندما تزداد شكوك الشبح حول كون رئيس الوزراء البريطانى السابق عميلاً للمخابرات الأمريكية- فإن هذا الطرح يسترد عافيته الدرامية عندما يكتشف السر الأخير وراء المذكرات.. وهو أن زوجة رئيس الوزراء هى العميلة الأمريكية التى تم تجنيدها منذ أن كانت طالبة فى جامعة هارفارد وتم الزج بها فى حياة رئيس الوزراء فى بداية حياته لتؤثر عليه بحكم قوة شخصيتها وضعف شخصيته، وبالتالى تدفعه لمعترك السياسة التى تجعل منه فى النهاية رئيس وزراء تابعاً لأمريكا..فالزوجة هنا هى «شبح» آخر من أشباح الفيلم أو «كاتب شبح» مهمته صياغة أفعال الزوج، رئيس الوزراء، بشكل غير مباشر والتأثير عليها.. ففى حياة كل سياسى كبير شبح أكبر منه لكنه يختفى خلفه ليصيغ أفعاله ويحرك قراراته فى اتجاه مصالح معينة .

............................

من اسرة ورشة سينما – خاص : بروكسل

و س 3 -3-2011  

المقال للأستفادة الشخصية وليس لأعادة النشر . جميع الحقوق محفوظة لورشة سينما . لايسمح بأعادة النشر الا بموافقة ادارة الموقع والكاتب صاحب المقال.اعادة النشر من دون موافقة يعد مخالفة قانونية لحقوق الملكية الفكرية والنشر