سينما القارات
Beautifulالدورة الثالثة لبانوراما الفيلم الاوربي
Beautiful : إسبانيا كما لم نشاهدها من قبل
لماذا لا تستثمر ادارة مهرجان القاهرة النجاح الجماهيري لمثل هذه الافلام وتعرضها ضمن فعاليات المهرجان خارج المسابقة
رانيا يوسف
تظل قضية الهجرة غير الشرعية المشكلة الأكثر تداولاً بين العديد من المخرجين ليس فقط بين اوربا وجيرانها وحسب ولكن في كل البلاد المتقدمة التي تشترك في الحدود مع بلاد اخري أكثر فقراً وجهلاً وتمرداً , حتي أصبحت مواضيع الهجرة غير الشرعية أزمة عالمية , بداية من هجرات الاسيويين والافارقة الي اسبانيا وحتي هجرة المصريين الي ايطاليا وهجرة اللاتينيين الي امريكا الشمالية , ومعظم هذه الأعمال التي قدمت سواء في السينما العربية او في السينما العالمية حول موضوع الهجرة الغير شرعية , كانت تتعرض للمشكلة بشكل مباشر الي جانب تكرار الموضوع وطريقة الطرح والامكنة والازمنة مما أفقد العديد من الاعمال جمالها الفني وتأثيرها الانساني ولا شك ان هناك اعمالا تناولت ازمة هجرة الشباب الي البلاد الاكثر حرية وانفتاحاً بمستوي فني عالي لكن معظمها أعمال أجنبية أوربية , لم نشهد حتي الأن سوي القليل من الاعمال العربية التي طرحت هذه المشكلة بحيادية او بمستوي جمالي يوازي ما قدمته السينما العالمية , الافلام العربية التي عالجت في موضوعاتها الهجرة غير الشرعية جاءت معظمها تعرض نتائج المشكلة التي تلخصت في مثل هذه الهجرات دون ان تتجرأ بعض الأفلام علي البحث عن دافع هؤلاء المغامرين بحياتهم والقاء أنفسهم في قوارب الموت تلك , وان كانت بعض القصص تحمل اشارات ودلالات حوارية حول الحالة المزرية التي يعيش فيها الشباب في بلادهم كالفقر والبطالة وانتشار الظلم الاجتماعي وغيرها من الاسباب التي قد تقود رجالا ونساء كثيرين الي القاء أنفسهم في هوه لا يدركون مداها , لكن الفقر لم يعد وحده مشكلة العصر فهو موجود منذ أمد طويل وقد يفلت منه احيانا من يتمكن من كسر هذا الوهم المتوارث تلقائياً فينا أن الحل يكمن في تغيير الأرض والاندماج في مجتمع لا ننتمي له لكنه مجتمع متقدم جاهز دون عناء المحاولة ودون تحمل احتمالات الفشل , مما يجعل انظار الشباب تتجه صوب هذه الحداثة والثراء , حتي تصبح المغامرة بحياتهم ثمن أقل بكثير من النتائج المتوقعة اذا نجحوا في الوصول لمبتغاهم .
المخرج الاسباني اليخاندرو جونزاليس , خرج من هذه الدائرة النمطية لتصوير حياة المهاجرين غير الشرعيين الي اسبانيا او اوربا , وقدم الينا صورة مطموسة المعالم لأرض ما تعج بالمهاجرين الأفارقة لم ندر أين تدور الأحداث حتي منتصف الفيلم الا من خلال ظهور خاطف لعلم اسبانيا فوق احد اقسام الشرطة وبعض الجمل الحوارية القليلة بين الابطال , كثف المخرج من ضبابية الصور وابهام المدينة و الرموز الدالة علي المكان الذي تدور فيه الاحداث والذي نكتشف عند منتصف الفيلم انها إسبانيا وكأننا لم نشاهدها من قبل , فهذه هي إسبانيا التي لا نعرفها , حتي أن بعض المشاهدين في صالة العرض بدأوا يتهامسون تساؤلا أين تدور أحداث الفيلم هل هي في المكسيك ؟ , المخرج تعمد إخفاء كل المعالم التي تميز المكان والتي التصقت في ذاكرتنا عن اوربا القارة الجميلة النضرة , وإقتطع أجزاء من أماكن تتشابه كثيراً مع أحياء فقيرة في المكسيك , وهي بالفعل ليست احياء للاسبان بقدر ما هي احياء للغرباء المهاجرين , العرب والافارقة , والاسيويون , تجمعوا في مساكن لا تصلح الا لسكن الحيوانات والجردان , ويمتد استعبادهم من خلال احد التجار الصينيين الذي يستغل حاجتهم للعيش ليروج عن طريقهم كل البضائع غير المشروعة و البضائع المزيفة الصنع ليصحبهم بعدها كالبهائم الي مستودع يشبة الحظيرة ينامون بعدها كالقتلي , حتي يجدون أنفسهم جثثا متناثرة علي شاطيء البحر القاهم رب العمل بعدما ماتوا جميعا مخنوقين بالغاز السام في تلك الحظيرة , ويساعده علي احضار العمال غير الشرعيين احد الاسبان وهو اوكسبال , هذا الرجل الذي لا نعرف بالتحديد ماذا يعمل , فهو يمتلك قدرة خاصة علي سماع الموتي ورؤيتهم يتحركون من حوله , ويستخدم هذه القدرة في كسب بعض الاموال بعدما يسمع اعترافاتهم ويساعدهم علي ان يرقدوا بسلام , ثم يتحول الي سمسار مهاجرين يوردهم الي صاحب العمل ويقبض الثمن , في نفس الوقت الذي يقوم فيه برشوة احد الشرطيين لابعاد الشرطة عن الحي الذي يتاجر فيه هؤلاء الافارقة اللذين يسحقون كالفئران في مطارده بوليسية مفاجأة غاية القسوة والسرعة والارتباك , ويواصل المخرج اليخاندروا جونزاليس بإنسيابية ممتعة ومتماسكة سرد احداثة الدرامية التي لا تدين الحكومة الاسبانية وحدها لكنها تدين ايضاً حكومات البلاد الاصلية للمهاجرين واهمها الصين التي أصبحت افة العالم الجديد , ولم تتوقف سيطرتها علي السوق العالمية فقط في توزيع منتجاتهم ولكن في توزيع شعبها أيضاً , فلم تعد الهجرات الاسيوية تتوقف فقط عند حدود اوربا بل انها امتدت للدول العربية ومنها مصر التي انتشرت فيها الهجرات الصينية للشباب الذي يعمل في تسويق المنتجات الصينية بشكل مكثف وواسع النطاق , لكن هذه القضية مازالت حديثة التناول لم يفتح لها مجال بعد في الافلام السينمائية , ونعود لاوكسبال هذا الاسباني الذي يدرك حقيقة مرضة القاتل ومنها يحاول قدر الامكان تأمين حياة طفلية مع صديقة سنغالية , عوضا عن الام المدمنة , هذان الطفلان هما نقطة ضعفه الوحيدة وسبب وجوده في الدنيا , ومثابرته علي هذا المرض , وقد قدم الممثل الاسباني خابير بارديم دورا يستحق عليه ارقي الجوائز العالمية وليس فقط جائزة احسن ممثل في مهرجان كان الماضي , وان كان ادائه اكثر ما لفت الانظار في الفيلم الي جانب الصورة مطموسة المكان الذي صنعها المخرج , ورغم ان قصة الفيلم صنعت جيداً واتخذت مساراً مختلفا لسرد موضوع الهجرة غير الشرعية , الا أن وجود بارديم وأداءه الاكثر من متميز اعطي الفيلم ثقلا اكبر وبعداً مختلفا كان من الممكن ان يمر الفيلم مرور الكرام او ان يلاقي استحسان المشاهد فقط لو ان ممثلا اخر قام بأداء الدور .
هذا العمل وغيره من الاعمال السينمائية الاوربية المتميزة أهدتها الدورة الثالثة لبانوراما الفيلم الاوربي الي المشاهد المصري , في محاولة لسد عجز المهرجانات السينمائية المصرية في جلب مثل هذه الاعمال ذات المستوي الفني الراقي , والخروج من دائرة المنافسة في مسابقات المهرجانات التي تقتل أي مشاركة فعالة مقابل حصول مشاركات لا تستحق النظر اليها حتي اصبحنا علي يقين تام أن الأفلام الجيدة ليست دائما هي الافلام الفائزة بجوائز المهرجانات العربية , فقد المشاهد الثقة الكاملة في قدرة لجان التحكيم علي تقييم مستوي العمل الفني والذي بات واضحا ان تصنيفه يعود لعوامل اخري لا علاقة لها بمعايير جودة الفيلم ,فلماذا لا تستغل ادارة مهرجان مثل مهرجان القاهرة هذا النجاح الجماهيري الشديد الذي أقبل علي مشاهدة هذه الافلام وهذه الفرصة التي تمنحها لنا الاستاذة ماريان خوري سنوياً , ويقوم فريق متخصص من اداري المهرجان بإنتقاء مثل هذه الاعمال وعرضها ضمن فعاليات المهرجان خارج المسابقة , كما تفعل المهرجانات العربية الأخري , بدلا من المشاركات الكثيرة التي تصيب المشاهد بإحباط دائم وتأكيد مستمر علي ان متابعة اي حلقات مسلسل تليفزيوني في منزله أفضل من عناء الذهاب لحضور فعاليات مهرجان القاهرة السينمائي الذي يسميه البعض مهرجان الأفلام البايتة .
............................
من اسرة ورشة سينما – خاص :القاهرة
و س 22-11-2010
المقال للأستفادة الشخصية وليس لأعادة النشر . جميع الحقوق محفوظة لورشة سينما . لايسمح بأعادة النشر الا بموافقة ادارة الموقع والكاتب صاحب المقال.اعادة النشر من دون موافقة يعد مخالفة قانونية لحقوق الملكية الفكرية والنشر
Cinema Workshop
ورشة سينما
