سينما القارات

فيلم كارلوس فيلم كارلوس

فيلم "كارلوس" للمخرج اوليفيه اساياس بين شخصية  المناضل الثوري والقاتل المأجور

 

خليط من الدهاء السياسي وصراعات المصالح في دراما تقترب من الوثائقية ثم  تجنح نحو الخيال

 

رانيا يوسف

جملة واحدة كانت هي نقطة الانطلاق التي وضعنا أمامها المخرج الفرنسي اوليفيه أساياس  , مع بداية كل جزء من الاجزاء الثلاثة للفيلم الفرنسي كارلوس , اعطانا المخرج بهذا التصريح المباشر , انذاراً مبكراً يمنعنا من التفكير و البحث عن مدي مصداقية ما يحتوية الفيلم من احداث تاريخية وسياسية قلبت العالم في فترة زمنية تتجاوز العشرون عاماً من الصراع الدولي القائم بين كل الكتل السياسية العربية والاوربية والامريكية , وذلك عبر الدخول الي عالم هذا الثائر اللاتيني " إلييتش راميريز سانشيز" المعروف باسم "كارلوس ابن آوى" , فالمخرج اخرج فيلمه من دائرة الرفض المنطقي لأي حادثة ما لم تكن موثقة بشكل معلن دولياً , مما يجعل بعض البلدان تتنكر من تطابق الحقيقة مع أحداث الفيلم , والحقيقة ان هذه الحوادث حدثت بالفعل وقدم المخرج عدة لقطات ارشيفية من سجلات التليفزيون والصحافة التي تناولت تلك الحوادث , لكن هناك بعض الاحداث مر عليها المخرج دون توثيق لإدانة فاعلها , وكأننا كنا ننتظر دائماً مشهدا حقيقيا من الماضي يتداخل مع أحداث الفيلم ليؤكد لنا صحة هذه الواقعة , اما جملة المخرج التي تصدرت بداية كل جزء من اجزاء الفيلم فلم تنفي وقوع هذه الوقائع الموثق بعض منها تاريخيا , لكنها كُتبت ربما لتنفي مسؤولية كارلوس عن كل هذه الافعال التي نسبها الفيلم الي خليته السرية في اوربا والشرق الاوسط  لعدم وجود دليل قاطع علي أن كارلوس وراء كل هذه الاحداث , لكن الادلة بدأت تنكشف تدريجيا بعدما أدار حلفاء كارلوس ظهورهم اليه في نهاية القصة .

كتب المخرج في مقدمة اجزء الفيلم :  " هذا الفيلم نتاج لبحوث معمقة مستندة الى  وثائق تاريخية وصحفية , ولأن مراحل مهمة من حياة كارلوس المثيرة للجدل مبهمة , فإن هذا الفيلم قبل كل شيء محض الخيال " .

بداية مناقضة وغير منطقية في تقديم عمل يمثل سيرة ذاتية لأحد المشاهير اللذين مازالوا علي قيد الحياة , والذي يمكن مراجعته إن تطلب الأمر , لكنها علي كل حال بداية ترفع اي خجل عن صناع الفيلم اذا ما عارضه اي من حلفاء كارلوس السابقين او اي من اعوانه او حتي كارلوس نفسه , الذي اذاع ان الفيلم يحمل بعض المغالطات التي لا ينتمي اليها هو وتنظيمه, نضيف الى ذلك  ان الفيلم هو من انتاج التليفزيون الفرنسي , حيث أكثر العمليات التفجيرية التي قام بها كارلوس  مع اعوانه ضد منشآت وأفراد وحكومات فرنسية داخل وخارج فرنسا , فالمخرج لم يطرح الوجود الفرنسي في حياة كارلوس بحيادية كما عرض علاقة كارلوس بباقي الدول المعاونة او المعادية له , بل اكتفي بتصوير فرنسا علي انها ساحة للمعركة وتصفية الحسابات بين القوي السياسية الدولية , بدأها المخرج بعملية اغتيال محمد بوديه  قائد الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بفرنسا عام 1973 , ومن قبله اغتيال مندوب حركة فتح في باريس علي يد الاستخبارات الاسرائيلية كما ورد في الفيلم , ومنها تبدأ مسيرة كارلوس المقاتل وليس القاتل , الذي تلقي تدريباً في فنزويلا وكوبا علي العمليات العسكرية وحرب العصابات وتبعها بعد ذلك بتدريب في معسكر ثوري بالاردن , والاجدر بنا أن نأخذ مغزي تلك المقولة علي نحو اخر يبتعد عن إثبات او نفي نسبة بعض العمليات التفجيرية الي كارلوس , فالمخرج أشار بالاسماء والتواريخ الصريحة الي بعض القادة والانظمة التي عاونت كارلوس وحرضته علي القيام ببعض العمليات طوال عشرين عاما تحول فيها دون وعي من مناضل ثوري دولي الي مقاتل ثوري مأجور موجه من جانب بعض الانظمة التي تحالف القضية الفلسطينية وان كانت تحالفها ظاهرياً , بما يمكنها من تنفيذ مخططات اخري بواسطة كارلوس , ربما هذا ما يعنيه المخرج من خلال جملته التي تتناقض مع احداث الفيلم الموثقة ,بالاضافة الي بعض اللقاءات السرية بين العديد من القادة والزعماء وبين كارلوس مثل عملية تجنيد كارلوس من قبل اتحاد الجمهوريات السوفيتية وليبيا لاغتيال السادات بعد توقيعه معاهدة السلام مع اسرائل , ايضا اللقاء الخاص الذي جمع كارلوس مع رياض العزاوي بتكليف من الرئيس العراقي صدام حسين  لتدبير عملية اختطاف وزراء النفط العرب من مقر اجتماعهم في منظمة الاوبك في فيننا عام 1975 ودفع كارلوس لقتل وزير النفط السعودي والايراني , ولقاءه الاول عام 1973 مع وديع حداد قائد الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين , ثم قدومه الي سوريا و تحالفه مع خلايا الجيش السرية ضد فرنسا لفترة قام فيها بعمليات تفجير ضد المنشآت الفرنسية واغتيال عدد من الشخصيات الفرنسية , بمساعدة حلفائه من  بعض العناصر من الجيش الاحمر الياباني  والخلايا الثورية الالمانية بسبب عداء سوريا وفرنسا المتمثل في تدخل كل منهما في لبنان .

يسرد الفيلم في الجزء الثاني منه مساحة كبيرة  لإحدي اشهر العمليات التي دفعت كارلوس فيما بعد للانفصال عن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وتكوين مجموعتة الخاصة التي اعطاها اسم منظمة النضال العربي المسلحة سلاح الثورة العربية , وذلك بعدما نقض وعده للعراقيين بتصفية وزير النفط السعودي واغتياله للعميل الليبي وقبوله مساومة سعودية  بوساطة جزائرية تقدر بنحو عشرين مليون دولار مقابل الافراج عن الرهائن دون المساس بأحد منهم , هذا الانفصال الذي بدأه كالورس بقبول مبلغ المقايضة حوله دون ان يشعر الي مقاتل مأجور , طرد من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين مما دفع بعدها كثيرون لشراء ولاءه لجهه ضد الاخري وان كان ما يغلف اعماله المدفوعة الثمن سواء بالمال او بالاسلحة او بالحماية , هو النضال الثوري ضد نمو الامبريالية الامريكية والكيان الصهيوني ومن يعاونهم من الدول العربية , تلك الفكرة التي بدأ حلفاء كارلوس تثبيتها في رأسه وأعوانه للاستفادة من تنظيمهم الذي أصبح معلنا في الكتلة الشرقية في اوربا وتحت حماية الحكومات , وخصوصا في بودابست التي عاش فيها مع اعوانه فترة ازدهار نسج من خلال حماية الحكومة الالمانية و المجرية اقوي شبكة له في اوربا .

 صور لنا المخرج مدي سطوة كارلوس وتضاعف غروره الثوري بعدما اصبح حليفا قويا محميا من قبل القوي الالمانية , في مشهد انقلبت فيه الموازين وأصبح القط يجري امام الفأر , حيث هاجم كارلوس بمنتهي العنف سياره للشرطة المجرية كانت تراقبه واعوانه امام بيته وأطلق عليها سيلا من الرصاص دون ان يصيب احدا ودون ان يجرؤ احد علي القيام  باي رد فعل عنيف تجاهه .

رغم طول النسخة التليفزيونية من الفيلم التي تزيد على الخمس ساعات , لم يبحث المخرج في حياة كارلوس الشخصية سوي تكثيفه لبعض المغامرات النسائية وزواجه من فتاة المانية كانت ترغب بالانضمام الي مجموعته لكنه تزوجها وانجب منها بنتا ثم ارسلهما معا الي موطنه فنزويلا بعيدا عن اجواء العنف , كما ان الفترة الزمنية من حياة كارلوس في امريكا الاتينية مبهمة بالنسبة لنا وهي بالتأكيد تحمل الدوافع التي اقتادت كارلوس الي الانضمام والعمل مع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين , الفيلم صب تركيزة علي الوقائع التي جعلت من كارلوس اسماً عالمياً في الارهاب الدولي المنظم , وهذا ما حاول المخرج دائماً التأكيد عليه علي لسان الشرطة الفرنسية التي دائما ما كانت تنعته بالارهابي , حتي تم اختطافه علي يد الفرنسيين من الخرطوم عام 1994 , بعدما انهارت كل القوي المساندة له ولمجموعته , بدأت بإنهيار الاتحاد السوفيتي وتبعها تحطيم النظام الالماني عام 1991 وتفكيك جهاز أمن الدولة الالماني الذي كان يمثل الداعم الاكبر لكارلوس , وتحالف سوريا وامريكا الذي دفع سوريا للوشاية به وتسليمه للفرنسيين بعدما انهي لها كل مهامه واصبح حائلا  بينها وبين تحالفها مع امريكا .

رغم أن الفيلم لا يصنف علي انه سيرة ذاتية لكنه اقتطع من حياة هذا المقاتل اللاتيني فترة هامة مليئة بالتواريخ والاحداث والتوابع السياسية الهامة , كشف من خلالها كواليس عديدة للسياسة العربية التي تتشدق دوما بعروبتها ومساندتها للقضاية الفلسطينية , واثبتت التجربة ان اللعب بالسياسة يمكنه تحويل اي مناضل ثوري الي قاتل مأجور , شرط أن تعرف كيف تعبث بتوجهاته وتقود أفكاره نحو مصالحها الشخصية .

الفيلم مصنف علي انه مسلسل  تليفزيوني قصير من انتاج التليفزيون الفرنسي وقد عرضت من قبل النسخة التليفزيونية في مهرجان كان و عرضت ايضا  علي قناة التليفزيون الفرنسي واحدى القنوات الأمريكية , طول هذه النسخة 330 دقيقة وفي مهرجان نيويورك بأمريكا عرضت نسخة بطول 319 دقيقة ومنذ أيام عرض الفيلم بنسخته السينمائية في مهرجان ابو ظبي الدولي والتي تقترب من الثلاث ساعات .

كارلوس

اخراج : اوليفيه أساياس  

بطولة : أدغار راميريز , اليكسندر شير , خوانا اكوستا , احمد غبور , باسم قهار

Canal Plus France2010 :انتاج

مدة عرضة : 330 دقيقة

......................

كاتبة المقال من اسرة ورشة سينما – خاص : القاهرة

وس1-11-2010

 

المقال للأستفادة الشخصية وليس لأعادة النشر . جميع الحقوق محفوظة لورشة سينما . لايسمح بأعادة النشر الا بموافقة ادارة الموقع والكاتب صاحب المقال.اعادة النشر من دون موافقة يعد مخالفة قانونية لحقوق الملكية الفكرية والنشر

Name:*
E-mail Address:*
Message:*
 
Please enter the code:

Note: Fields marked with * are required.