سينما القارات

اشكالية الفيلم الناجح
ممالاشك فيه ان الحديث عن الفيلم الناجح والجيد يحتاج الى حديث مواز عن الأسباب التي جعلت هذا الفيلم اوذاك ان يصيب النجاح فيما يخفق غيره ..والمشكل يبرز في مسألة التلقي الجمعي للفيلم كرسالة اتصالية ومضمون ومعنى ، ولهذا ينصرف العقل الى التجميع في النظر للتتابع السمعي البصري الحركي على الشاشة والذي يمثله الفيلم بمعنى ان عقل المشاهد يذهب الى النظر الى الفيلم كمنظومة كلية ، كما ان القراءة النظرية والتحليلية للفيلم تتجه لنفس الهدف في الغالب ،حيث يكون سبب نجاح الفيلم هو نجاح جميع العناصر الجمالية والتقنية والتعبيرية وتظافرها معا لتقديم فيلم ناجح سرعان مايكرس النجاح الى المخرج وغالبا ماينسى العاملون غير المرئيون....وفي الحقيقة ان الجذر الأساس لأي فيلم ناجح ونواته وركيزته هي الفكرة الناجحة والموضوع والمضمون المتميز مقترنة بالمعالجة الدرامية الناجحة، فالنص هو الولادة الحقيقية للفيلم الناجح قبل ان نتحدث عن جماليات التصوير والموسيقى والمونتاج وماالى ذلك ...النص السينمائي هو مفتاح النجاح الذي منح كل هذه الأفلام الناجحة مكانتها ، ولم تكن لتصيب كل هذا النجاح لولا النص السينمائي المتقن البناء ....ولعله من نافل القول ان مخرجا او جهة انتاجية مهما اوتيت من امكانات تقنية وميزانية ضخمة فليس بالضرورة ان تنجح في تقديم فيلم ناجح ومتميز ...المسألة لاتبدأ وتنتهي عند الآلة او الأداة والتقنية ولا البذخ في الميزانية لكي يتحقق النجاح ...كل التجارب السينمائية تحكي اولا قصة ولادة النجاح ابتداءا من السيناريو المتميز والمتقن ، معضلة كثير من التجارب السينمائية في العالم هي في السيناريو ، ندرة كتاب السيناريو ، او وفرة السيناريوهات الفاشلة هي ظاهرة قائمة في كل مكان وفي جميع التجارب السينمائية في العالم ....ومن يقرأ فصولا من رحلة كتاب السيناريو في اهم معاقل صناعة السينما في العالم "هوليوود" يتأكد من هذه الحقيقة ولهذا اقتطف من المؤلف وخبير السيناريو المتمرس والمعروف "سد فيلد " قوله :" لقد فحصت ولخصت اكثر من الفي سيناريو في سنتين ونيف ولم اختر منها سوى اربعين أي ان تسعة وتسعين بالمائة من السيناريوهات المقدمة لم تكن جيدة ، بمعنى ان واحدا فقط من كل مئة سيناريو كان بالمستوى الذي يستحق النظر في امر انتاجه سينمائيا ".
لعل هذه الشهادة تكشف الحقيقة التي نحن بصددها وهي معضلة تنسحب ايضا ودونما ادنى شك الى جميع التجارب السينمائية العربية حتى الآن ، لانتحدث عن قلة الأنتاج بسبب قلة التمويل ولكن ايضا ندرة كتاب السيناريو المتمرسين المتمكنين من الحرفة ، وندرة السيناريوهات المتميزة ...والحاصل ..ان الأسبقية الأولى لأية تجربة سينمائية شخصية ناجحة تبدأ بالسيناريو ، فالسيناريو هو اولا وهو ثانيا وهو ثالثا ، ثم نذهب الى مايلي من مراحل صناعة الفيلم ومتطلباته الأنتاجية ...ولنتذكر ان اساس أي فيلم ناجح واي نجاح هو السيناريو اولا ..فيما تسود في بلداننا شبه "امية" رهيبة في تخصص كتابة السيناريو .. تثير مسألة عدم جودة الفيلم السينمائي وعدم تكامل عناصره الفنية تساؤلات عدة.. فلماذا يمر الفيلم الذي لانتعاطف ولا نتفاعل معه هكذا دون ان نتساءل لماذا ؟ كل المنتجات وبما فيها الأنتاج الفني ان كانت فيها عيوب ما فيجب تفحص تلك العيوب واسبابها ، لكن تطيرا غالبا مايسود ملقيا التبعات كلها على التمثيل والممثلين ، فهم السبب الأسهل للفشل الذي تتوارى خلفه بكل تأكيد اسباب اخرى للضعف او للفشل بسبب ان هؤلاء الممثلين هم الأقرب الى عالم المشاهد ، كمثل النظر الى وجه الأنسان ونستنتج بأن ذلك الشخص مريض متناسين ان الوجه هو مرآة للجسد ..وكذلك الفيلم فالصورة هي الحصيلة النهائية التي يلتقط الكثيرون منها جزئية واحدة وعنصرا واحدا من بين عناصر اخرى ..
ولعل من المفيد القول هنا ، ان هنالك ضعف حقيقي في التمثيل تستطيع ان تتلمسه في كثير من الأفلام واسبابه عديدة فأذا انتهينا افتراضا من النص السينمائي ، السيناريو المكتوب بحرفية عالية تعيش في مشاهده وفصوله شخصيات مبنية بناءا دراميا محكما وبناؤها النفسي وحياتها الداخلية والخارجية مترابطة ومتقنة البناء ودوافع الشخصية وافعالها راسخة وناضجة ، اذا انتهينا ن ذلك فأن (تدريب الممثل ) يشكل عنصرا بالغ الأهمية ، ان العجالة التي يتم فيها (طبخ) بعض الأفلام تتسبب في تقديم اداء تمثيلي سطحي وهزيل وتلك مشكلة لاعلاج لها بعد التصوير ، المخرج وفريقه مطالبون بالمزيد والمزيد والمزيد من التدريب واعطاء الممثل فرصة كافية وكاملة ليعيش الشخصية ويتوصل الى اجابات محددة وعميقة عنها ، عن كينونتها ، افكارها ، دوافعها ، احلامها ،رغباتها ، ميولها ، ماضيها ، عللها ...وكل مايخصها .
في حوار مع المخرجين البلجيكيين الكبيرين (الأخوين دردان) عن فيلمهما ذائع الصيت "صمت لورنا " والذي عرض في مهرجان كان وعرض في العديد من المهرجانات ، قالا انهما كانا يذهبان بالممثلين الى موقع التصوير للتدريب فقط وقد استغرق ذلك منهما شهرين كاملين ، كما انهما يذكران انها المرة الأولى التي يقدمان فيها مشهدا حميميا بين لورنا وزوجها المدمن على المخدرات لكن ذلك المشهد برمته صنعته لورنا نفسها اي الممثلة وتم تصويره لمرة واحدة فقط من غير اية اعادة تذكر بسبب تلقائيته وعفويته وكونه لم يحمل اية اثارة جسدية كتلك التي يحرص عليها كثير من المخرجين لجهة اختيار الزوايا واطلاق الأصوات وغالبا لأسباب ودوافع تجارية ترتبط بالسوق واجتذاب الجمهور ..
لكن الحصيلة التي يمكن الخروج بها من كل هذا وبالعودة الى اصل الفكرة ان الأساس في التوصل الى تلك الجودة هي البحث المعمق في الشخصية منذ البدايات الأولى وكتابة المعالجة السينمائية ، كما كان الراحل نجيب محفوظ يفعل بصدد شخصياته الروائية اذ يقول انه كان يعمل (دوسيه) ملفا كاملا عن كل شخصية يجمع فيه كل المعلومات التي تخصها .
وكذلك هي خلاصة رأ ي المخرج بيرجمان ابان عمله مع الممثلة (ليف اولمان) لجهة مايذكره عن التحري النفسي والعقلي والتصدعات التي اصابت الشخصية في الطفولة والمراهقة ...والحاصل ان مابين الحكم على الممثل ومستوى اداءه ومابين الحكم على الفيلم برمته ثمة فاصلة تتعلق بالشكل السينمائي والموضوع والمعالجة القائمة على البحث المعمق الدؤوب من جهة ثم تدريب الممثل مرار مرار مرار ...من الجهة الأخرى..
ومن الجانب الآخر ثير مسألة ترويج الفيلم واشاعة المفاهيم المبنية على اسباب بعينها ، والتي تدفع بالنتيجة الى محصلة خلاصتها كلمتان هما : هذا (فيلم عظيم ) او هذا ( فيلم رائع) ، وهي خلاصة في المعنى تختزل كل العمليات الدعائية والأعلانية التي تفضي في بعض الأحيان الى نوع من (غسيل الدماغBrain Wash ) والأذعان الى تقييمات لايأتيها الباطل لامن بين يديها ولا من خلفها تستلب المشاهد وتضعه صاغرا ، رقما في سلسلة الأرقام التي عليها ان تدفع فاتورة ترويج الفيلم مهما كان وايا كان ..نحن امام اندفاع جمعي لتلقف الصوت الذي تطلقه ماكينات الدعاية فلا يكون الجمهور الا الصدى ...وتغيب عن الفيلم (القضية) التي يطرحها ويعالجها ، ويجري التعتيم والتظليل باتجاه طمس القيمة الفكرية والفلسفية او الهدف الأنساني النبيل ، ويتحول الفيلم الى مجرد نظام جمالي وفيزيائي مكون من اللقطات والمشاهد والألوان وحركات الكاميرا والخدع البصرية والمطاردات والعنف والجريمة والجنس ويكمل ذلك بأطار جمالي يشيد بعبقرية المخرج ومعه الماكنة الأنتاجية والدعائية المحنكة .
ان هذه العملية برمتها يغيب عنها الأنسان ، فأين الأنسان (المشاهد اليقظ ) الذي يمكنه ان يقبل او يرفض الفيلم ورفضه او قبوله يوضع في الحسبان؟ ، اين الأنسان على الشاشات التي يكتسحها نظام النجوم وكارتلات الترويج التجاري الكبيرة التي مزجت الفكرة النبيلة مع الربح الوفير فكانت الأسبقية - في الغالب - للربح الوفير وصعود الأسهم وسوق البورصة؟ اين انسان العصر المنسي الذي في كل ارض تلاحقه الأزمات تلو الأزمات : اكثر من ثلاثة ارباع سكان هذا الكوكب تضربهم ازمات من كل نوع : جوع وفقر وعطش وامية وفيضانات وتشرد واضطهاد وقمع وحروب وصراعات وجفاف واستغلال ، اعداد غفيرة من اطفال العالم تنتهك حقوقهم ويساقون عنوة الى سوق النخاسة لأستخدامهم لأغراض جنسية ويدفعون مبكرا الى سوق العمل والتسول والنبش في القمامة وزجهم في عالم الجريمة والممارسات الجنسية المبكرة الشاذة وتعاطي الكحول ، اعداد غفيرة من نساء الأرض تنتهك حقوقهن ويجري امتهانهن واحتقارهن ، وحتى في ارقى دول العالم واكثرها تحظرا تضرب المرأة وتهان وتغتصب ، وكذلك هي تساق الى سوق الدعارة وتجارة الرقيق ناهيك عن الأرامل واليتامى من ضحايا الحروب ...اذأ يغيب هذا الأنسان في العديد من الأفلام التي تعج بالعنف من اجل العنف والجريمة من اجل الجريمة والجنس من اجل الجنس وينشغل كثيرون بأزياء النجوم والنجمات وفتنتهم ومغامراتهم الليلية والنهارية وحياتهم الخاصة وماذا يأكلون وماذا يشربون ومن يراقصون ومن يعشقون فيما ينسحق ( الفرد ) ويتوارى في النسيان في كل ارض فالسينما مخدرة وعينها الصافية شبه مغمضة دون ان تبصر - في الغالب - غير نجوم المجتمع المخملي ونجماته ... قصص لاتنتهي يمكن للفيلم ان كان روائيا طويلا ام قصيرا ام وثائقيا ان يقدم تلك الحياة المنسية للناس الذين يعانون في كل بلد وكل مدينة ، هنالك اناس يشتكون ويكابدون دون ان يصغي لأصواتهم احد او تكتب عنهم قصة ولا سيناريو ولا انتج فيلم عنهم ، تلك السينما الصافية التي تصغي لنبض الحياة الحقيقي هي التي تنجح وتتقدم ويحبها الناس ويخلد صانعوها في العقل والضمير وكتب التاريخ
...طاهر علوان
Cinema Workshop
ورشة سينما