محور خاص : ارض الجحيم افغانستان على الشاشة

Buddha Collapsed Out Of Shame 

فيلم المخرجة الشابة " هنا مخملباف

قصة الطفلة " بختي" في ارض الجحيم : افغانستان

التصوير في الأمكان الحقيقية شكل علامة فارقة في هذا الفيلم

اعتمدت المخرجة معالجة واقعية لحكاية بسيطة ويوميات من الشقاء الأنساني اليومي

يقدم الفيلم صورة مروعة لطفولة في المهب مابين  الجيوش الأمبراطورية وسيطرة الفكر الطالباني المتشدد

الفيلم قبله الجمهور الغربي وعرض في اغلب البلدان الأوربية ونال العديد من الجوائز وتعاطف معه كل من شاهده واحب شخصياته

طاهر علوان

عالم يتآكل ، كتب عليه الشقاء من كل جانب: قسوة المكان ، الفقر ، الظلم ، الأيدولوجيا– السياسة المتحجرة ، التقاليد العشائرية البالية ، كل هذا يحكم ارضا وبلادا وبشرا يقطنون ارضا اسمها يتردد كل يوم تقريبا في الأعلام هي " افغانسان" ، هي ارض بمثابة مختبر وحقل تجارب للأبادة والمطاردة طويلة الأمد والتي لاتريد ابدا ان تنتهي فمن فتح ابواب جهنم لا ولن يستطيع ان يغلقها بسهولة ومن اطلق الجني المسعور من القمقم لن يستطيع اعادته ، ومن زرع تلك الأيديولوجيا الممثلة في عصابات الطالبان وفكر القاعدة لن يستطيع ان يوقف تمدد ذلك النبات الشيطاني وتركه يتفاعل جرثوميا وهو يبث وباءا عالميا عجزت عن ايقافه تلك الأمبراطورية التي لاتغيب عن جيوشها الشمس وترساناتها النووية الجبارة التي تستطيع انهاء كوكب بحجم كوكب  الأرض مرات ومرات ...غررت ببعض العرب العاربة والمستعربة وفلول الجاهلية الجديدة المغرقة في الثراء  واستدرجتهم الى تلك الأرض النائية تحت مسميات (الجهاد) ودفعتهم الى اغداق ملياراتهم على تلك العصابات المعبئة بأيديولوجيا مليئة بالكراهية لكل شيء وبذلك ترسخت ايديولوجيا لاترحم  مسلما او غير مسلم وما تجارتها بالمخدرات الا دالة عليها ..

وسط هذه الدوامة التي تتصارع فيها اعتى القوى الأمبراطورية ذات التاريخ العريق في احتلال واذلال الشعوب مع فلول الطالبان كرا وفرا ... هنالك طفلة افغانية اسمها (بختي: اسمها الحقيقي نكباكت نوروز) عمرها اقل من عشر سنوات ...فياترى انى لهذا الكائن البائس المتراعش ان يعيش في كنف تلك الأرض المخيفة المليئة بالأشلاء واشباح المارينز ومركبات الهامر الأسطورية ...وفي ظل مجتمع يحتقر الأنثى وتنسحق الطفولة تحت وطأة سنابك الخيول المطهمة للقبائل البدائية التي تدربت على الحرب باسم الدين والقتل باسم الدين فيما تدرب خصومهم على الحرب باسم الحرية والديموقراطية والقتل ياسمهما ايضا .

مختصر الفيلم

مما لاشك فيه ان للسينما الأيرانية  حظورملحوظ في المهرجانات الدولية وصار كثير من مخرجيها يحضون بثقة وتقدير العديد من تلك المهرجانات وفي الأوساط السينمائية والمشاهدين في العديد من بلدان العالم .

في ظل  هذه الأجواء الأيجابية التي تحيط بهذه السينما وتسبق قدوم افلامها الجديدة التي صارت هي والجوائز صنوان ، يأتي فيلم المخرجة الأيرانية الشابة الواعدة هناء مخملباف ابنة المخرج الأيراني المعروف محسن مخملباف وشقيقة المخرجة سميرة التي فازت مع والدها بالعديد من الجوائز في المهرجانات العالمية .

الفيلم صور بالكامل في افغانستان في غضون تفجير تماثيل بوذا التاريخية وهو في بنائه البسيط والمتقن يقدم تفاصيل صغيرة من حياة الطفلة (بختي) ، هذه الطفلة التي تجد نفسها في عالم مجدب وشديد الوعورة ، المنطقة الجبلية القاحلة التي تعيش فيها ، المنزل الفقير الذي تعيش فيه فضلا عن طفلة صغيرة وكلاهما تعيشان في احضان الأم التي لاتظهر الا في مشهد واحد في مطلع الفيلم ثم تختفي بعد ذهابها لجلب الماء تاركة الطفلتين معا مما يدفع بختي الى البحث عن امها حيث يورد الناس الماء من البئر وعلى ظهور الحمير في مشهد يقدم جانبا من صور البؤس الذي يعيشه الناس في ذلك البلقع النائي .

وبعدما تعجز الطفلة في العثور على امها تتبادل مع عباس الطفل الآخر محاولات التهجي والقراءة من الكتب المدرسية وتشتاق هي للمشاركة في عالم الكتابة ونطق الحروف والألتحاق بالمدرسة ، وللوصول الى هذه الغاية والحلم الصغير تذهب الى احد الدكاكين وتسأل صاحبه عن ثمن القلم والدفتر ، وتسأله ان لايغلق دكانه ريثما تأتي بثمنهما .

تعود الى المنزل وتجد اربعة بيضات وتسعى لبيعهما كي تشتري بثمنهما الدفتر والقلم ، لكنها وهي تحاول مرات ومرات لاتعثر على من يشتري وفي آخر المطاف تجد من يفعل ذلك وتحصل على ثمن شراء الدفتر وتذهب الى المدرسة لكن المعلم يخبرها ان عليها الذهاب الى الجانب الآخر من ذلك البلقع النائي عبر بيئة وعرة حيث بأمكانها ان تتسجل في المدرسة .

مجتمع الطفولة المعذب

لاشك ان الأنسان بما تدل عليه الكلمة من معنى الأنسانية والمشاركة للأنسانية في مصائبها واتراحها  وهمومها لايمكن  له ان يقوم بعمل انتقائي لدى المشاهدة ويغدو امرا في منتهى السذاجة ابعاد الفيلم عن مناخه السياسي وخطابه الأيديولوجي ، البعض يردد صباح مساء هذه التعويذة ويرعبه ان نناقش بجرأة ونضع النقاط على الحروف ونشخص موطن الداء ، وفي كل حال فأن الأنسانية المعذبة لاادري هل تكتفي وتفرح عندما نحدثها ونكتفي بحجوم اللقطات وزايا التصوير وجماليات المونتاج ؟ ام عندما نبحث في ثنايا الفيلم اضافة الى ذلك عن الأنسان والهم الأنساني ؟

واقعيا يقدم هذا الفيلم صورة محزنة لطفولة في المهب ، طفولة لم تجلب لها دبابات الأمبراطورية واساطيلها و جيوشها الجرارة الا بؤسا على بؤس ، وسطوة شبه مطلقة للفكر الطالباني المتخلف ، وكانت الطفولة هي الضحية ، بختي يصادفها في رحلة الشقاء بحثا عن مدرسة تقبلها لتتعلم القراءة والكتابة ، يصادفها الطالبانيون الجدد : اولاد صغار في مثل عمرها او اكبر بقليل ويسألونها لم هي تسير في الطرقات ؟ لم تخرج من البيت فيما الخروج من الببيت محرم على المرأة ؟ والتعليم محظور عليها ايضا ؟ ولم شعرها شبه مكشوف ؟ ويقرر هؤلاء الصبية رجم الفتاة ، ويحفرون لها حفرة استعدادا لذلك ويهيئون الحجارة ، ثم يحتجزون الطفلة في كهف شبه مظلم لتجد ان هنالك فتاتين صغيرتبن اخريين محتجزتان هما ايضا ، لكنها تنجح في الفرار لتلاقي " عباس" الطفل الصغير الذي يسكن الى جوار منزل عائلتها لكنه سيقع في قبضة " الطالبانيين" الصغار الذين يحملون عصيا يتخيلون انها اسلحة رشاشة يستخدمونها لمطاردة عباس .

تستخدم المخرجة الشابة مخملباف ادواتها التعبيرية في هذا الفيلم لمراقبة حياة بسيطة وشبه بدائية والكاميرا توثق تلك الحياة بدقة دون ان تتدخل كثيرا في اعادة صنع المشهد .

وربما كان هذا العنصر المهم قد اكد فطنة المخرجة وذكائها في التصوير في الأماكن الحقيقية بلا مشاق تذكر في اختيار الأماكن فالبلاد على بعضها هي مهاد لذلك الظلم البشري الذي لاحدود له وخاصة الظلم الواقع على الأطفال ، اول واكبر  ضحايا الحروب ، فأن نجوا من قصف القاصفات وهدايا المحررين من القنابل الحارقة فأن جحيم التخلف الطالباني وسعار اتباعه بالمرصاد ..فأين المفر ؟

اذا ، يشكل التصوير في الأمكان الحقيقية علامة فارقة في هذا الفيلم ، معمقا المعالجة الواقعية التي عمدتها المخرجة في تقديم حكاية بسيطة ويوميات من الشقاء الأنساني اليومي لطفلة لم يكن لها من ذنب سوى انها فتحت عينيها فوجدت نفسها في افغانستان وحيث قرر ( بوش الأبن) بناء مجده الأمبراطوري على عذابات تلك الأجيال من اجل تحقيق انتصاراه المنتظر على الفلول الطالبانية وقطاع الطرق وسماسرة المخدرات وسراق الدين .

مخملباف تقرأ واقعا متفجرا تحاشت فيه ملامسة تلك النقاط اللاهبة الأشكالية فلا هي اظهرت دبابات امريكية ولا همرات ولا مارينز كما فعلت كاترين بيغلو صاحبة الأوسكارات التي قدمت جنود دولتها وهم يمارسون طقوس تحضير الأرواح بتفجير الألغام في ارض العراق في طقس خرافي يومي فلا جدارا اقامت ولا ارضا اصلحت ولا مستشفى بنت ولا ماءا سقت ولا كهرباءا جهزت ـ فالمهم هو سيمفونية الألغام والباقي مفتوحة نهاياته والفيلم رائع والأوسكارات كذلك وكل شيء تمام  ..

اذا تتحاشى مخملياف تلك المعمعة وتكتفي بالأصداء البعيدة ومخلفات الزلزال ملتمسة الهزات الأرتدادية ، ولتلتقط تلكم الهزات من خلال عينة محددة هي الطفلة بختي وثلة من الأطفال ـ وبالطبع لاحاجة لأظهار الآباء الطالبانيين ، فماذا سيقولون ؟ وماذا سيقدمون الى البشرية ؟ فالأطفال شبه مشردين وبختي تبحث في تلك المدارس الخاوية عن وجود لها فيها فهي مقبلة على مستقبل يلفظها ولن يقبلها لأنه مستقبل ذكوري مطلق ، ومستقبل صراعات دامية وقتل وجرائم يومية ترتكب دون ان تعرف نهاية لذلك السعار الأجرامي ...

..........

قدمت المخرجة الشابة فيلما بسيطا وانسانيا   في معانيه وفي بنائه وشخصياته ولهذا سرعان ماقبله الاف المشاهدين الغربيين وعرض في اغلب البلدان الأوربية و وتعاطف معه كل من شاهده واحب شخصياته ، احب الجمهور "بختي" الطفلة واحب عباس الذي مرغه الطالبانيون الصغار بالوحل واهدروا كرامته ، وجد المشاهد الغربي في القصة بعدا آخر يريدون ان يرونه ويتعرفون عليه لاسيما وان الفيلم يبدأ وينتهي بعمليه تفجير تماثيل بوذا سنة 2001 التي لايعلم من هو الذي فجرها بالضبط لأن الأمريكان يقولون ان الطالبانيون هم من فعلها والطالبانيون يقولون الأمريكان ، وفي كل الأحوال وبصرف النظر عن من فجر التماثيل تلك فقد استثمرتها المخرجة استثمارا ذكيا وافتتحت به فيلمها واختتمته ...لتنال كل تلك الأصداء والجوائز:

...............

جوائز نالتها المخرجة

جائزة اصغر مخرجة ، مهرجان فينيسيا الدورة 60، جائزة اتحاد النقاد العالمي ،جائزة مهرجان طوكيو السينمائي ، جائزة مهرجان برلين السينما ، جائزة مهرجان سان سيباستيان ، جائزة خاصة من محطة التلفزيون الأسبانية تي في أي،  جائزة مهرجان روما السينمائي ، جائزة مهرجان مونتريال ، جائزة مهرجان سلونيكي في اليونان .

 

روابط

 

الموقع الرسمي للعائلة السينمائية "مخملباف " : الأب محسن ، الشقيقة سميرة ، والآخرون...

http://www.makhmalbaf.com/persons.php?p=1

 

المخرجة الشابة هنا تتحدث في اثناء تكريمها في مهرجان برلين

http://www.youtube.com/watch?v=X4uQzR0Uncw

 

مشاهد من الفيلم على يوتيوب

http://www.youtube.com/watch?v=3tWd5L55FxQ&feature=related

 

حوار سابق مع المخرجة نشر في ورشة سينما

http://cineworkinst.eu/شاشات-عربية/نجاح-الجبيلي-حوار-مع-هنا-مخملباف/

 

......................................

من اسرة ورشة سينما : خاص – بروكسل

9-4-2010

جميع الحقوق محفوظة لورشة سينما . لايسمح بأعادة النشر الا بموافقة ادارة الموقع والكاتب صاحب المقال.اعادة النشر من دون موافقة يعد مخالفة قانونية لحقوق الملكية الفكرية والنشر ..