سينما القارات
من افلام مهرجان السينما الأوربية في بروكسل 2010
فيلم تجوال
فيلم"تجوال " للمخرج ماثيو املريك
القادم من مهرجان "كان" بجائزة الأخراج وبراقصات الكباريه الأمريكيات
البلد :فرنسا
طاهر علوان
هما عالمان وثقافتان ولغتان : الفرنسية – الأوربية في مقابل الأمريكية – الأنجليزية ، اختلاف في الوعي والتجارب والرؤى سرعان مايظهر ويتشكل لاسيما عندما يقع نوع من الحوار بين الثقافات والتجارب الأبداعية .
وينسحب ذلك على الكيفية التي يجري من خلالها التعبير عن العديد من المواقف ، عن الأنسان ووعيه ، عن تحول الحياة نفسها الى (شو) كبير ، بكل مايحمله من معنى تتسع فيه ظاهرة ( المرأة – الموديل ) لتتحول الى ايقونة امريكية بامتياز من خلال نماذج (الكاباريه) ومسارح التعري الفكاهية .
للأمريكان طريقتهم واسلوبهم الذي صار علامة فارقة في (تسليع ) المرأة وتسويق اشكال من العري في اطار فني ..ويسمى ذلك او يدعى فنا ، حتى اختلطت كثير من المفاهيم تحت سجالات الحرية الشخصية وتحرر الجسد والتعبير بالجسد في الرقص ، لكن ماذا عن الأتجار بالجسد وبيعه والتعري من اجل المال ؟ هذا اذا سلمنا اننا ونحن نقرأ ادبيات وافكار ومواقف الجمعيات المدافعة عن حقوق المرأة ان هنالك اشكالية ما في هذا الباب في الأعلانات والأفلام الأباحية وغيرها ، اذ لايمكن ان نقرأ الأبداع دون قيم اخلاقية ودون ان نفهم وندرك نوع الثقافة الأجتماعية ، هذا وغيره يمكنك ان تدركه منذ الوهلة الأولى وانت تشاهد فيلم " تجوال" للمخرج الفرنسي ماثيو امالريك ، الذي جاء الى مهرجان الفيلم الأوربي حاملا فيلمه هذا ، ستدرك لدى مشاهدة الفيلم اننا ازاء نوع من محاولة الخلط بين الظواهر وحتى خلط الشكل الفني – السينمائي مع شكل فني سينمائي آخر ، وخلاصة هذا الخلط هو تسويق (كاباريه) في نسخته الأمريكية الى مسرح اوربي فرنسي ، كباريه المخرج " بوب فوس" يحضر بهذا الشكل اوذاك في هذا الفيلم ، لكنك لن تجد في فيلم بوب فوس شخصا متوترا قلقا مشتتا كما هو الممثل المخرج جواكيم ، انه شخصية فيليمة فرنسية بامتياز تعود الى جذورها بعد غياب في الضجيج الأمريكي ، ولعل تلك ميزة مهمة في هذا الفيلم ، اذ لم يقع أي تسطيح اواستغفال للمشاهد في مسخ الشخصية الفرنسية بكل ماتنطوي عليه من ابعاد اجتماعية ونفسية وجعلها جزءا من ال(شو) او العرض الأمريكي القادم من علب الليل ، اذ بقي (جواكيم ) ، الشخصية الرئيسية في حياته اليومية هو ذلك الفرنسي الذي يمكن ان تشاهده في عشرات الأفلام الفرنسية من ناحية نمط العيش والعلاقات والوضع العائلي- الأجتماعي والعلاقة مع الواقع اليومي ..
مختصر القصة
يتحدث الفيلم عن منتج فرنسي يعود من امريكا بصحبة اربعة راقصات لنوادي الليل في الولايات المتحدة ممن يتخصصن في التعري والأستعراض الفكاهي وتبرز مسألة اللغة والأختلاف بين الثقافات والأهتمامات فالفتيات الأربع اثنتان منهن مترهلتان لاتصلحن حتى لعروض التعري بسبب السمنة الفرطة الا لمن يهوون الأجسام المترهلة .
وهن كثيرات الثرثرة على الطريقة الأمريكية وكثيرات النكات في ايماءات جنسية وغير جنسية بينما الذي جلبهن (جواكيم) هو شخص مشتت وقلق ، ترك خلفه زواجا مفككا وولدين يحاول السيطرة عليهما فتارة يجلبهما الى مكان الأستعراضات وتمر بهم الأجساد العارية وشبه العارية للراقصات واخرى يرسلهما بالقطار عائدين الى باريس وفي الوقت نفسه يعاني من احد الطفلين الذي تقبض عليه الشرطة في الشارع وتستدعي الأب لغرض كفالته والأفراج عنه .هنالك ايضا شبكة المنتجين الآخرين الذين يعيش معهم في مناكفات وخلافات متعددة الأسباب واما حياته الشخصية فهي مشتتة ومضطربة ، وهو لايستجيب لفتاة تعمل في محطة البنزين تدعوه لتمضية عطلة نهاية الأسبوع معها ..لكنه سيشارك احدى الراقصات شبه البدينات ليلة وهي التي تهتم باصطياده او غيره لتمضية وقت معها كما فعلت مع شباب فرنسي لاتفهم لغته الفرنسية في ايقاعها السريع ولكنها تفهم انها ستصطاده وبالفعل تفعل ذلك وتسحبه الى (تواليت) الفندق لكي تقظي معه وطرا ولكنه يفشل في اشباعها .
مسيرة الراقصات من الباص الى القطار الى القارب ومابين باريس الى مدن فرنسية اخرى تلك هي الرحلة وخلالها تتكشف طباع الشخصيات فأحداهن وبالرغم من ان مهنتها هي الأستعراض والتعري الا انها تكرر مرارا انها تخجل من ان تقوم بذلك دائما ، الأخرى تميل الى الدعابة والسخرية والثالثة وهي العازفة الموسيقية كثيرة الأعتداد بالنفس .
اماكن عدة وشخصيات تبحث عن ذاتها
ربما تكون هي نسخة اخرى من كباريه بوب فوس لكنها كباريه امريكية برؤية فرنسية ، بالطبع تنقل المخرج مابين الشخصيات التي طالما حياها المخرج قائلا : (احيي اجسادكن) ، فأجسادهن ماهي الا الوسيلة او الأداة التي يستخدمنها في عملهن.
نجح في ملامسة طباعهن وتحولاتهن ولكنه قدم شخصية المنتج التي بدت في اضطرابها وكأنها موجودة في المكان الخطأ في بحثها عن ذاتها وسط فوضى وتشتت وعلى هذا كان هنالك تعبير عن سأم وكآبة ماانفك جواكيم وهو يعبر عنها بانفصاله عن المجموعة بين آونة واخرى وتنقله بسيارته دون ان ينقطع ولو في مشهد واحد عن التدخين ، لاسيما وان المجموعة تقطع الطريق عبر عدة مدن ومقاطعات فرنسية وتلقي رحالها هناك لأحياء حفلات في تلك المدن ، اما هو فعليه العودة الى ذاته ، الى مشكلاته الشخصية واهتماماته وماخلفه وراءه من التزامات ، وعلى هذا ايضا بدا العالمان مختلفان تماما فسيدات حفل التعري الأمريكيات عابثات لاهيات يستمتعن بأوقاتهن طولا وعرضا بينما جواكيم هنالك ماينغص متعته المجردة ويجعله متأملا متفكرا في شؤونه ، وهو لايعيش ذلك التألق المثالي بل هو سرعان مايعود الى الواقع وحتى انه يتعرض الى الضرب ويلقى به على الرصيف ، هو يعلم انه ليس بكثير من الشطارة يستطيع ان يتفوق على نفسه من كونه مجرد مرشد سياحي لتلك النسوة الى انسان فاعل ومجدد ومبتكر..
هو الباحث عن افق آخر يخرجه من الدوامة اليومية لكن الحل الأخراجي هنا يذهب بعيدا الى تلك الفانتازيا الراقصة ، الى الشكل الغنائي الموسقي المليء بالأثارة الذي لايكفي بكل زخمه لتغيير الواقع القائم ..
وحدها ميمي ( الممثلة ميراندا كولكاسور ) تحرك الأجواء من حول جواكيم وتسحبه الى عالمها لاسيما وانها تفكر وتتحرك بطريقة مختلفة عن زميلاتها في الفرقة ، فهي لاهية تبحث عن رجل تصطاده ، جربت نفسها مرة ولم تحقق من مغامرتها شيئا ذا قيمة ثم تحججت ان يصحبها جواكيم الى سوق قريب لكي تلتصق به ولاتتركه الا وهي تشاركه السرير في ليلة حمراء ..
واقعيا ان الخيط الرفيع في القصة انما يتحرك من منطلق ان جواكيم القادم من امريكا بعد نجاحات هناك الى وطنه الأم فرنسا ، كمن عاد الى ذاته ، والمكان بالنسبة له ومع تلك العودة لايوفر له تركيزا كافيا للأجابة عن تساؤت تتعلق به وبحياته الخاصة .
ولعل مايلفت النظر في اطار المعالجة الفيليمة هو التنقل بين اماكن عدة تعكس جوانب من البيئة الفرنسية وتقدم تلكم الراقصات وكأنهن سائحات عابرات ، دون ان يعني ظهورهن شبه العاري في علب الليل شيئا كثيرا فهن مجرد راقصات جئن لامن اجل (فتح ثقافي او فني) بل من اجل ان يكسبن المال ويستمتعن بوقتهن وعلى هذا برز السؤال عن هوية الفيلم فيما يتعلق بالعالمين المتوازيين : عالم السائحات الراقصات الأمريكيات والبيئة الجديدة التي يكتشفنها تباعا ...
جواكيم ( الممثل المخرج ) قدم نفسه في هذا الفيلم على انه المحور الذي تدور من حوله الأحداث حتى انه رسم للجمهور مسارا محددا فكلما انهى جواكيم حفلة في مدينة ، صرنا ننتظر منه ان يرينا اية مدينة اخرى سيقصد هو وفرقته وعلى أي مسرح ستتعرى فتياته ، هذه الرتابة التي لم تقطعها سوى عودة جواكيم الى حياته الشخصية والخاصة ومشاكله التي تركها تتراكم والا لكانت المسألة مشابهة لأي فيلم آخر يحكي او يقدم وقائع الحفلات التي تقدمها فرقة للعروض الراقصة الممزوجة بمشاهد شبع عارية من خلال عروض التعري الفكاهية ..
وفي كل الأحول يجيء الفيلم الى الصالات الأوربية بعد شهر واحد ونيف من تتويجه في مهرجان كان بجائزة احسن مخرج .وهو بعد نيله تلك الجائزة والريشة التي وضعت على رأس المخرج ، سيصبح من الصعب -عربيا – القول ان الفيلم لايعدو ان يكون فيلما استعراضيا عاديا بالرغم من اهمية النقطة التي اشرنا اليه في ادماج الشكل السينمائي وتقديم كاباريه بنسخة فرنسية وراقصات امريكيات ..ياترى هل هي ظاهرة فذة ان تتنقل راقصات التعري بين البلدان وعلب الليل وحيث الراقصات (متعددات الجنسيات) صرن يشكلن ظاهرة في المجتمعات الأوربية ونواديها الليلية وعلب الليل ..فهل ان رصد هذه الظاهرة لوحدها كاف ؟ لكن نجاح المخرج في زج نفسه في المعمعة مابين شخصية الممثل – المخرج وهو يتذبذب بينهما وسط الراقصات المترهلات وحياته المزرية ..كلها جعلت مهرجان كان الفرنسي ان يحتفي بالمخرج الفرنسي ماثيو امالريك ..فيصفق المصفقون ويطبل المطبلون الجاهزون ..
.......................
المخرج ماثيو امالريك
من مواليد فرنسا 1965 ،من اب فرنسي وام بولندية يهودية تنحدر من نفس قرية المخرج رومان بولانسكي ، بدأ حياته ممثلا ومثل في العديد من الأفلام الفرنسية وحصل على جائزة السيزار كأحسن ممثل اكثر من مرة ..اما على صعيد الأخراج فقد اخرج الأفلام الآتية : يأكل شوربته -1997 ، ملعب ومبلدون 2001 ، الأختيار العام 2003 ...وهذا هو فيلمه الرابع الذي يخرجه .
…………………………………….
ورشة سينما : خاص – بروكسل
و .س 5-7-2010
المقال للأستفادة الشخصية وليس لأعادة النشر . جميع الحقوق محفوظة لورشة سينما . لايسمح بأعادة النشر الا بموافقة ادارة الموقع والكاتب صاحب المقال.اعادة النشر من دون موافقة يعد مخالفة قانونية لحقوق الملكية الفكرية والنشر
Cinema Workshop
ورشة سينما