سينما القارات

فيلم خطاب الملك فيلم خطاب الملك

 

فيلم"خطاب الملك " للمخرج توم هوبر دراما التاريخ وجماليات الشكل المسرحي

 

طاهر علوان

 

ترى من اين تبدأ المسافة مابين الشكل المسرحي و الشكل السينمائي واين تنتهي ؟ سؤال يمكن ان نطرحه لنجد انفسنا وجها لوجه امام الحضور الفعال للمسرح في السينما لاسيما لجهة اعداد واقتباس الأعمال المسرحية الى الشاشة ، وحيث اخذت السينما الكثير الكثير من الأعمال المسرحية لتعرضها على الشاشات ، ولعل اعمال الكاتب المسرحي الكبير وليم شكسبير كانت وستبقى دوما درسا بليغا في الصورة التي ظهرت عليها تلكم الأعمال على الشاشات ، ومازال المخرجون شرقا وغربا ينهلون من ذلك الخزين المسرحي الهائل الذي تمثله بتلكك الأعمال ، لكن مايجعل ذلك التواصل الدائمي قائما لجهة النظر في المسافة مابين الشكلين المسرحي والسينمائي هو عنصر التمثيل اولا والمكان المسرحي ثانيا فأذا ما خرجنا من كون التمثيل ركنا اساسيا في الدراما السينمائية فأن تحدي العنصر المكاني كان ومايزال وسيبقى احد اكبر تحديات اولئك المخرجين وكتاب السيناريو الذين يضطلعون بعملية اعداد النصوص المسرحية الى الشاشة ، فخشبة المسرح ستبقى تحكم تلك العلاقة بين الوسطين التعبيريين ولعلك سرعان ماستلحظ تلك العلاقة الأشكالية وانت تشاهد اي عمل مسرحي تم اعداده للشاشة .

شيء ما عن قصة الفيلم

هذا الفيلم يقدم درسا في التمثيل والعلاقة بين المسرح والسينما ، فهو في الأصل مأخوذ عن نص مسرحي والحقيقة ان هذا الأمر سرعان ماتلحظه قبل ان تقرأ اي شيء عن الفيلم ، اذ حالما خرجنا من مشاهدته كنت انا والمخرج العراقي قاسم حول والزميل الصافي والمسرحي ظافر جلود نتحدث عن الفيلم ووجدنا انفسنا ونحن نذهب مباشرة للحديث عن الشكل المسرحي الذي طبع الفيلم رغم الجهود المميزة التي بذلها كاتب السيناريو (ديفيد سيدلير )والمخرج هوبر .

تقع احداث الفيلم في بريطانيا في عصرها الأمبراطوري وقبيل ان تنطفئ شمسها التي لم تكن تغيب بسيطرتها على ثمان وخمسين مابين مقاطعة ودولة وامة ، الملك جورج الخامس يكلف ابنه (بيرتي ) لألقاء كلمة لمناسبة المعرض الأمبراطوري ، نحن في "ويمبيلدن" والناس تترقب عبر بث حي خطاب نجل الملك ، ويتقدم الأبن الشاب والناس تترقب ماسيلقيه على مسامعهم  ولكنه لايتمكن من النطق ، ويتلعثم وتتجمد وتموت الحروف على لسانه ، لنكتشف انه مصاب بعارض منذ الطفولة تسبب له في عاهة التأتأة والتلعثم في النطق وصعوبات في التواصل .

وبسبب تعلق زوجته اليزابيث بذلك الزوج وحلمها ان يتوج ملكا فأنها لاتدخر حيلة للخروج من هذا المشكل وتعثر اخيرا على عنون متخصص في التدريب على النطق والتخلص من التأتأة وليس ذلك المتخصص غير ليونيل الأسترالي ( الممثل جيفري راش ، وهو ممثل ترك مهنة التمثيل حيث لم يوفق فيها ، وتبدأ الرحلة سجالا بين بيرتي سليل العرش وبين ذلك المدرب ، الذي لايلقن بيرتي دروسا في كيفية النطق فحسب بل يعطيه دروسا في كيفية التعامل الأنساني وقراءة الحياة قراءة صحيحة والخروج من مأزق الأنا والغطرسة والنرجسية التي هي جزء من الذات الأنجليزية والتي تعود لعقدة التفوق والسيطرة على  الآخرين بغزو الشعوب واستعبادها في الأزمنة الكولونيالية الغابرة .

ويتم تنصيب شقيق بيرتي ملكا ولكن سرعان مايعتزل بسبب علاقته بفتاة مطلقة من اصل امريكي وهو مايخالف القوانين الأمبراطورية ، ويجد بيرتي نفسه وجها لوجه امام قدره في ان يصبح هو الملك . ويقع ذلك فعلا ويكون ذلك بداية لفصل جديد من الدراما لجهة الصراع المرير الذي يعيشه بيرتي مع ذاته  للصعوبات التي يواجهها في القاء الخطابات الملكية وبينما هي ركن اساس في العلاقة مع الرأي العام ولهذا يعود الى مدربه الأسترالي بعد خلاف بينهما لتبدأ فصول جديدة يتحول فيها بيرتي الى التسليم بنبوءة مدربه انه هو الملك الجدير بالملك ليتوج صعوده ، نفسيا في تجاوز عقدة النطق مع تصاعد الصراع مع المانيا الهتليرية وحيث يكون اهم خطاباته واولها التي يتمكن من القائها هو اعلان الحرب على المانيا بسبب امتناعها عن  الأنسحاب من بولونيا .

جماليات الشكل المسرحي/ السينمائي

لابد لي ان اعود الى النقطة التي انطلقت منها وهي العلاقة بين الوسطين التعبيريين ، من جهة جماليات الأداء المسرحي / السينمائي ، اذ قدم الفيلم تحفة في الأداء المسرحي المقولب بقالب السينما ، ولااشك ان الجمهور الأنجليزي الذي ملآ صالة العرض الكبيرة كان مستمتعا اشد الأستمتاع بتلك الطريقة الشكسبيرية التقليدية في التمثيل ولهذا لم يتورع ذلك الجمهور عن التعبير عن الأعجاب بالتمثيل عن التصفيق بين حين وآخر .
في الجانب الآخر كانت تلك المشاهد التي جمعت بين الملك جورج السادس ومدربه الأسترالي هي الأخرى فصلا من فصول الأتقان في التعبير ، اولا لجهة تعامل المدرب مع الملك او سليل الملكية ومناداتها ليس بكلمة التبجيل ياصاحب الجلالة بل بأسمه بيرتي فحسب وهوما ماكان يثير غضب بيرتي الا انه ومع اصرار المدرب صار يتفاعل مع الفكرة .وهنا كانت التدريبات التي كان يجريها بيرتي تقدم شكلا تعبيريا مضافا سواء في الصوت او حركة الجسد يضاف لذلك كون ذلك المدرب نفسه ممثلا سابقا لايتوانى عن اللعب مع اولاده بطريقة مسرحية .

جماليات الصورة

يستخدم المخرج حلولا تبدو موفقة الى حد كبير للتخلص من رتابة وتكرار التمثيل على الخشبة ومن ذلك اعتماد اماكن وزوايا ومستويات تصوير مختلفة اضافت للفيلم بعدا آخر ومن ذلك المشهد الذي يجمع المدرب مع بيرتي في وسط البرد والثلج والضباب في شبه متنزه وهو المكان الذي يقصي فيه بيرتي مدربه ويتهجم عليه لأنه تنبأ مسبقا بأن بيرتي نفسه هو الأصلح للملك فماكان من بيرتي الا الرد العنيف الشرس .

من الجانب الآخر هنالك مشهد مهم ومصنوع بعناية من اعلى البناية التي يسكنها المدرب واثناء دخول بيرتي وزوجته وبضعة مشاهد اخرى .

...........

لم يخل الفيلم من السخرية الظاهرة والمبطنة من التقاليد الأرستقراطية والملكية الجامدة عندما يتدرب بيرتي على القاء خطاب العرش والقاء الكلمات البذيئة او سخرية المدرب من بروفة الجلوس على العرش قائلا كم مؤخرة جلست على ذلك العرش وتعليقات كثيرة وطريفة بين الأثنين حفل بها هذا الفيلم المتميز والممتع بحق والذي بالرغم من سطوة الشكل المسرحي واعتماده كثير جدا على الحوار الا انه قدم اداءا متميزا لاسيما لبيرتي ومدربه وذلك الصراع النفسي المرير مع الذات للخروج من مأزق الصعوبة في النطق .

.................

ورشة سينما – خاص

و س 2-3-2011

المقال للأستفادة الشخصية وليس لأعادة النشر . جميع الحقوق محفوظة لورشة سينما . لايسمح بأعادة النشر الا بموافقة ادارة الموقع والكاتب صاحب المقال.اعادة النشر من دون موافقة يعد مخالفة قانونية لحقوق الملكية الفكرية والنشر

 

 

 

Name:*
E-mail Address:*
Message:*
 
Please enter the code:

Note: Fields marked with * are required.