سينما القارات
فيلم "عمر قتلني " للمخرج رشدي زيم : قصة البستاني المغربي الذي هز ضمير فرنسا
طاهر علوان
لعلها رحلة عاصفة وتراجيديا قاسية تمتد بامتداد المجتمع والحياة وتتسع باتساعهما انها رحلة شخص عابر تتصدى له الأقدار فلايجد في الحياة على اتساعها ملاذا ..وهي في الحقيقة اشكالية انسانية ان تغادر الشخصية دائرة الحياة المسالمة لتجد نفسها وقد انقلبت نظرتها لكل شيء وبدأت تكتشف انها تعيش في عالم يمكن ان يغدر ويظلم ولايصغي لصرخة الضمير بل بماتحكم به عوامل اخرى قد لاتكون العدالة طرفا فاعلا في القصة .
من هنا وجدنا ان وطأة الحياة تتفاقم اكثر واكثر على جيل من المهاجرين الذين مجرد وجودهم في مجتمع لايتفاعل معهم وينبذهم احيانا ويمارس ضدهم مواقف عنصرية ظالمة ، كل ذلك كفيل لمفاقمة المأساة فكيف والحياة تضيق على الأنسان وتقوده الى قعر السجون في مجتمع له قناعاته وقوانينه .
هذا كله وغيره الكثير ينطبق على "عمر رداد " الأنسان المسالم وغير المتعلم القادم من الريف المغربي ولما يدخل المدرسة في حياته ولكنه يلتحق بوالده الذي يعمل بستانيا يعنى بحدائق البيوت في مدينة نيس الفرنسية .
ضحية العنصرية
عمر رداد شغلت قصته التراجيدية الرأي العام الفرنسي لسنوات خلت عندما اكتشفت الشرطة الفرنسية في العام 1991مقتل السيدة (جيزلين مارشال) التي كان عمر يشتغل عندها بين فترة واخرى في تنظيف ورعاية حديقتها المنزلية وقد كتبت قبل موتها وبدمها على الباب الموارب جملة (عمر قتلني) ويكون هذا الأعتراف كافيا لأن يلقى القبض على عمر ويبدأ التحقيق المأساوي معه وهو يسمع المحققين يقصفونه بالأسئلة بلغة فرنسية لايتقنها ولايفهم مايقولونه سوى انه مصاب بالصدمة لأنه ببساطة شديدة لم يقتل السيدة (جيزلين مارشال ) فلا يملك الا ان يردد "انا بريء"
لكن تمسكه ببراءته لن يعفيه من العنصرية المتراكمة فهو ليس اكثر من مهاجر مغربي بينما تلك سيدة فرنسية ولهذا لاتتعمق الشرطة في تحقيقاتها ولا السلطات القضائية وبشكل متسرع تفوح منه رائحة العنصرية ويصدر الحكم ضده بالسجن لثمان عشرة سنة وسط صدمة وذهول عمر الذي يصرخ :" اعلموا ان السيدة (غيزلين مارشال ) كانت هي امي في فرنسا ، لقد عاملتني بحنان ورعاية كبيرة وساعدتني ولها عندي مكانة كبيرة فهل يجرؤ انسان على قتل امه "’.لكن صرخة عمر لن تغنيه فقد ثبت للشرطة انه كان يرتاد صالات القمار وهو مايعترف به انه كان يلعب القمار بقصد اللهو لااكثر لكنه لم يكن يشعر بحاجة الى الأعتداء على احد وخاصة السيدة (غيزلين مارشال) ويكتشف عمر انه في اصل التهمة الموجهة له بالقتل انه ارتكب الجريمة بقصد الحصول على المال لمعاشرة نساء ساقطات وعندما يترجم له زميله في الزنزانة ذلك المسوغ للأتهام يفاجأ ويصرخ "قحاب ، ابدا انا لااعاشر القحاب ".
تمضي تراجيديا عمر وهو يتلقى تشجيع والده الكهل قائلا له :" يابني هذه فرنسا التي ساعدتنا وآوتنا وقضاؤها عادل ولا يظلم احدا بريئا ابدا كن واثقا من ذلك وتمسك بالصلاة ولاتخف ". ليعزز في نفسه الثقة المطلقة انه بريء وسيطلق سراحه من السجن ..لكن فرنسا ومن خلال قضائها وبوليسها لايفهمان هذه اللغة ولهذا يكون الحكم صارما وقاسيا ولا رحمة فيه .
قضية رأي عام
فرنسا بطولها وعرضها لاتفارق قصة عمر رداد وسائل اعلامها : ريبورتاجات صحافية واخبار ومناقشات على شاشات التلفزيون حتى تحولت قضية عمر الى قضية رأي عام انقسم فيها الرأي العام مابين مؤيد لقرار الحكم ومابين مشكك ومطالبا ببراءة عمر .
على هذه الخلفية يقرر "رشيد بوشارب" المخرج والمننتج الجزائري ذائع الصيت صاحب فيلم "الخارجون على القانون " يقرر ان يكتب السيناريو وينتج قصة هذا الفيلم للسينما بينما الضجة الفرنسية على فيلمه لما تهدأ بعد وهنالك تلك الحملة الشعواء التي اتهمته بتشويه سمعة فرنسا وتاريخها عندما تعمق في عرض جرائمها الأستعمارية في الجزائر ...رشيد بو شارب يترك باريس وفرنسا كلها بعد الحملة ضد فيلمه الأخير ويقيم في لوس انجليس ويقرر العودة للقاء المخرج الفرنسي من اصل مغربي (رشدي زيم) لغرض الأتفاق على اخراج فيلم عمر رداد ..وذلك مايكون ..
يعود رشدي زيم الى الكم الهائل مما كتب ونشر عن تراجيديا عمر رداد وهو ليس المقالات الصحافية والمقابلات التلفزيونية فقط بل كتب بأكملها تم تأليفها لعرض ابعاد القضية ومنها : "عمر قتلني: قصة جريمة" للمحامي/ جاك فيرجيس ، وكتاب: "عمر الرداد – تحقيق مضاد لإعادة النظر في محاكمة مزورة" للكاتبين "كريستوف دولوار" و"روجي مارك مورو".
ولعل المحامي جاك فيرجس (ادى الدور موريس بن عشو) هو اكثر من فضح الظلم الفاحش الذي لحق بعمر رداد فهو الذي صرخ امام الرأي العام قائلا :“منذ 100 عام تمت إدانة عسكري بسبب يهوديته أما اليوم فيدان البستاني عمر رداد لأنه مغاربي”.
كل هذه الحصيلة اصبح الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك على علم بها مما دفعه في سنة 1996 ألى اصدار عفو رئاسي بتخفيض الحكم بحق عمر رداد إلى 4 سنوات ليطلق سراحه في 4 أيلول/ سبتمبر 1998
القصة التراجيدية والفيلم
بعد خروجه من السجن يحمل عمر رداد في داخله جرحا لايندمل ضرب كرامته في الصميم فهو ادخل السجن وتحمل اوزار جريمة بشعة لم يرتكبها وظلم وتم التنكيل به واحتقاره واذلاله واذلال عائلته وانتشرت صوره في كل انحاء فرنسا على انه قاتل ومجرم ، هذا الجرح الغائر لم يفلح معه العفو ليخفف من وطأته ولهذا قرر ان يروي مأساته في كتاب حمل عنوان "لماذا انا " وصدر في العام 2002 وصدر عن دار النشر الفرنسية" سوي " وماان اطلع عليه المخرج رشدي زيم حتى طلب من عمر رداد عام 2007 الموافقة على شراء الحقوق لغرض تحويله الى فيلم وتم ذلك بالفعل . يقول زم "لما تعمقت في البحث حول تفاصيل القضية، التمست عناصر مهمة كان من شأنها المساهمة في تبرئة عمر رداد"، مضيفا أن إيمانه ببراءة عمر هو ما جعله يصر على إنجاز الفيلم، الذي حاول أن يكون موضوعيا، في تناوله.
تدور احداث الفيلم اغلبها في اجواء المرافعات في المحكمة وبين السجن في تتبع ماآل اليه حال عمر رداد حيث يبدأ الفيلم بمشهد المرافعة في الدفاع في المحكمة وفيما يطلب عمر من محاميه ان يترجم له مايريد قوله : انه لايحسن لا القراءة ولا الكتابة بالفرنسية وانه لم يدخل مدرسة قط وانه يعمل بستانيا كأبيه الذي جاء الى فرنسا منذ الستينيات وهو يعمل بستانيا ايضا ...
وتضج القاعة بالمناقشات ويندفع الأدعاء العام في صب جام الغضب واثبات اشكال من الأدانة في حق عمر رداد لأنزال اقصى عقوبة به .
الكاتب والتحري
الخط الموازي للأحداث هو قيام الكاتب دينس بوداليديس وقام بالدور بيير فوكرينارد بتقصي الحقائق لغرض اثبات براءة عمر ولهذا يسير الفيلم في تقديم الأحداث على هذين الخطين ، السجن والمحاكم والصحافة والكاتب الذي يريد اثبات براءة عمر : يذهب لزيارة عائلته ، يسافر الى تونس للقاء من يعرفه على اعتبار ان عمر المغربي هو من اصول تونسية ، يزور القبو الذي قتلت فيه الضحية ، يحاول بشتى الطرق تمثيل دور القتيلة والكتابة على الباب بالنيابة عنها "عمر قتلني" ويجد كل الأسباب العملية التي تجعل امر كتابتها تلك العبارة مستحيلا تماما ..وينتهي به المطاف بمساعدة صديقته الى التوصل الى الحقيقة كاملة ويشعر ان لافائدة من الحديث عما توصل اليه هنا وهناك في وسائل الأعلام والبديل الأفضل هو ان يؤلف كتابا يروي فيه القصة الكاملة لتلك المأساة ، ويفعل ذلك فعلا ويأتي الى عمر رداد بالكتاب الذي بالكاد يتهجى بضعة كلمات ويرمي بالكتاب جانبا .
بدا الخط الدرامي الذي مثله الكاتب ليس بالقوة والتماسك المنشودين وربما لو كانت هنالك معالجة تحاكي قصص افلام المخبرين وشرطة التحري القائمة على فك المغاليق والألغاز مع قدر من المغامرة والتشويق لمنحت ذلك الكاتب اهمية ودورا اكبر في الفيلم وهى ان المشاهد التي يظهر فيها ذلك الكاتب تبدو مشاهد عادية تماما يتعكز فيها المخرج بشكل شبه كامل على الحوار بينه وبين باقي الشخصيات يضاف الى ذلك حتى اللمحة البسيطة في طريقة تقديم الكاتب وهو يتنقل على موتورسايكل بسيط .
ربما هو شرط المصداقية والحفاظ على الأحداث والشخصيات كما هي في حقيقتها في الوقائع التي سردها عمر رداد هي التي كرست هذا الشكل من المعالجة .
شخصية عمر رداد على الشاشة
يؤدي شخصية عمر رداد الممثل المغربي الذي يعيش في فرنسا (سامي بوعجيلة) والذي سبق له ان قام بأدوار اخرى وبالرغم من ان الوقائع قد تفرض شكلا معينا من الأداء كما قلنا الا ان ذلك لايبرر الطريقة التي تم بها تقديم شخصية عمر ..فالأعتماد على الحوار كان ميزة الفيلم الأساسية ولم يتح ذلك ان يقاد الممثل الى الماعات تذكر بمعنى انه لم يتجلى في اداء مؤثر وبشكل اقوى ، وجهه المتجهم الحائر ظل طيلة الفيلم هو السائد تقريبا باسثناء بضعة مشاهد يمكن الأشارة اليها .
عمر رداد – سامي بوعجيلة لامس الدور من دون ان يمضي عميقا في تجذيره وفي اطلاق العنان لطاقته التعبيرية في الرفض وتأكيد الذات ، لكل ذلك كان الممثل حذرا بمافيه الكفاية تغلب عليه نمطية رتيبة في الأداء وكأننا لسنا امام فيلم شبه بوليسي قائم على الأثارة والمواقف الحادة بالأضافة الى الطريقة التي عولجت بها التفصيلات الجانبية المتعلقة بالشخصية :اسرته ، زوجته ، اقرباءه ، زيارة الكاتب لمنزله ولقاءه اسرته ،وجوده في المنزل في لقطات قليلة ، حواره مع والده ، هذه كلها قدمت ذلك النوع من الحذر في التعامل مع المواقف حتى اذا وصلنا الى نقطة مفصلية مهمة وهي خروج عمر من السجن بقرار رئاسي وجدنا ان ذلك التحول الحاد لم يكن مسبوقا بتهيئة كافية للوصول الى هذه النقلة النوعية فضلا عن اهمال الأستفادة من جزئيات بسيطة من مثل الكتاب الذي صدر عن عمر والقاه جانبا ولم يطلب من احد ان يقرأه ويترجمه له وكذلك الحال مع الكاتب الذي كان يشتغل بتأليف كتاب عن عمر والذي لم يعمل على اساس فكرة التحري ولم يكن هنالك تحريك كاف للأجواء من طرف ذلك الكاتب وتنقله على الموتورسايكل ..
كثيرون هم الذين وجدوا في الممثل سامي بو عجيلة انه تفوق في الأداء في هذا الفيلم بينما الحقيقة هي انه لم يفعل الكثير مما يلفت النظر هذا اذا استثنينا تلك اللقطات التي يشعر فيها بمرارة الأنكسار وهو يكاد يخنق نفسه بكاءا واحباطا وماعدا ذلك فقد كانت امامه مساحة عريضا لأستبطان تلك الشخصية ومااحاط بها من ضجة كبيرة .
ضحية العنصرية
ولعل الحذر في الجانب الآخر تمثل في عدم المساس المباشر بتقصير القضاء الفرنسي وهو الذي يتحمل كل تبعات تلك المأساة فبالرغم من تصريحات المحامي الشهير "جاك فيرجيس" والممثل موريس بن عيشو في دور المحامي التي كانت اقرب الى السجال العقيم مع سلطات قضائية صماء ضاقت ذرعا بمجرد وجود انسان هامشي على اراضيها وهو بستاني لايقرأ ولايكتب واستهانت بآدميته واغمضت عين العدالة عن ادراك انها فرنسا القانون والمؤسسات ليتحول جهازها القضائي الى شبيه مماثل له في بلد آخر من تلك البلدان التي تطلق عليها العديد من الأسماء اقلها ان قضاءها غير عادل ولا نزيه على الأقل في قصة عمر رداد ..هنالك من قال انها عودة رشيد بوشارب لتوجيه صفعة جدية للذات الفرنسية لكن المسألة تتعدى ذلك حتى من جهة التوقيت فبوشارب ظهر فيلمه الذي اخرجه وهذا الذي انتجه في حقبة فرنسا السركوزية التي تتعامل مع مواطنيها على اساس اصولهم واعراقهم (وهو الذي اصوله غير فرنسية !!!) وغير خاف الكره الشخصي الشديد الذي يكنه سركوزي وطاقمه للأجانب وخاصة منهم العرب والمسلمين والمغارببين ولهذا يأتي هذا الفيلم بما لايرضي المزاج العنصري للطاقم السياسي اليميني الفرنسي المتطرف ابتداءا من مارين لوبين وليس انتهاءا بوزير داخلية سركوزي وصديقه المقرب الأكثر كرها للعرب والمسلمين ومن هم من اصول مغاربية .
عمر رداد الذي عانى مما تعرض له من ظلم ظل حتى اليوم وهو يطالب ببراءته مطالبا بأعادة محاكمته ، عرفت قضيته تطورا جديدا ، بعد قرار المحكمة اللجوء إلى إجراء تحاليل جديدة للحمض النووي (دي ان أي )، مما يحيى الأمل مجددا لدى البستاني المغربي، الذي وإن كان حظي بعفو من دون تبرئته من جريمة قتل السيدة مارشال، فإنه ما يزال يطالب بمراجعة الحكم الصادر ضده ظلما في عام 1994
……………………..اضاءات
- المخرج رشدي زم" هو ممثل ومخرج ولد في فرنسا من أبوين مغربيين واستطاع خلال السنوات الماضية ان يحقق حضورا سينمائيا مهما اذ شارك في العديد من الأفلام الفرنسية ممثلا ومنها فيلمان بتوقيع اندريه تشيني وفيلم لباتريس شيرو وكذلك عمل مع المخرجين يسري نصر الله و مرزاق علواش وغيرهما ، بدأ الإخراج سنة 2006 بفيلم "نية سيئة"وهذا هو فيلمه الثاني
- عرض الفيلم في حفل افتتاح كبير بالمغرب وسط العاصمة المغربية الرباط، بحضور الأميرة "اللا مريم" شقيقة العاهل المغربي.وكان الفيلم حصل على دعم انتاجي من المركز السينمائي المغربي .
- سيبدأ عرض الفيلم في عموم الصالات المغربية والفرنسية والأوربية ابتداءا من هذا الشهر تموز يوليو .
- اختتم الفيلم مهرجان السينما الأوربية في بروكسل يوم 29 يونيو حزيران بحضور الممثل الذي ادى دور عمر رداد الممثل سامي بوعجيلة ووسط حضور جماهيري حاشد .
- اعلان الفيلم في يوتيوب
http://www.youtube.com/watch?v=x6tly32zdEo&feature=related
Cinema Workshop
ورشة سينما