سينما القارات

لقطة من الفيلم لقطة من الفيلم

Unthinkable

 

فيلم "غير المتصور " للمخرج جريجور جوردان :حفلة تعذيب لزيادة جرعة الكراهية وتعزيز الأسلامفوبيا

 

طاهر علوان

كل شيء محتمل في كون قائم على فكرة الصراع ، وقائم على نظرية المؤامرة ولعبة المصالح ، وهكذا تم زج المسلمين بصفة عامة بكل ملايينهم في شكل مجموعة واحدة محاطة بالشك والريبة ومحاطة بعلامات الأستفهام حول النوايا والأهداف التي تحرك كل فرد منهم ، لكن المسألة تتسع الى مستوى التحدي الكوني وصراع الأرادات وتقاطعها ،لاسيما بعد حشو الأذهان وتهيئة الرأي العام الى الأدانة المسبقة ورد الفعل المسبق المتحيز ..ماكنة اعلامية عملاقة تسود الأرض وتعمل ليل نهار في حملة منظمة لغسيل الأدمغة واشاعة الذعر في العالم بأسره من كل ماهو عربي ومسلم .

بالطبع هنالك من يذهب بنا الى القول :" او...لكنها سينما ، لكنه فن مجرد ، فلماذا تسحبون الفيلم من افقه الفني والأبداعي الى مناقشة قضايا ساسية او اجتماعية ؟ والجواب هو لماذا عمد الفيلم نفسه وصانعوه الى الزج بأنفسهم في دوامة السياسة ولماذا تعاملوا مع الموضوعات المتعلقة بالأعراق البشرية انتقائيا ؟ وكذلك لابد من التسليم بحقيقة انه مهما كانت هنالك من محاولات للهرب والتملص من الأجابة عن سؤال : ماالذي اراد الفيلم قوله ، فأن النتيجة واحدة وهي ان لكل فيلم رسالة وفكرة وهدف وشيء ما اراد قوله للجمهور العريض ...

ولعل المسألة المهمة هنا تكمن عند الوصول في طريقة طرح الأفكار او فكرة الفيلم بالتحديد الى نقطة المباشرة وترديد ما تذيعه وسائل الأعلام الغربية صباح مساء عن الأشتباه في الشرق اوسطيين والعرب والمسلمين وقضايا انخراط بضعة نفر منهم في اعمال اجرامية ، لكن وسائل الأعلام سرعان ماتقول بوقاحة انه القي القبض على مسلم متطرف ..وفي ضوء هذا التوصيف يجب ان ينشر على الملآ بعد الآن الأنتماء الديني لكل مجرم او قاتل او خارج على القانون لكي يكون هنالك مبرر منطقي لذلك اللمز المتواصل في قناة المسلمين كلهم لافرق بين عالمهم وجاهلهم ..حتى صار في عرف الرأي العام قناعة ان المسلم لايمكن ان يظهر وهو فنان او مثقف او شاعر او طبيب ناجح او مهندس بارع او رياضي ..بل هم تلك الحثالة من الوسخين شعثي الشعر الذين يقتلون الناس بسادية مرضية دون ان يميزوا بين بريء ومجرم وماهم الا نتاج نهاية حقبة السبعينيات من القتلة الذين دعمهم البترودولار العربي والفتاوى الصادرة من بلد عربي يأتمر  بأمر دولة عظمى تحت فرية قتال السوفيت الكفرة وتحرير ارض افغانستان الطاهرة من الكفار وتوجيه الجهود والطاقات الى هناك وترك الصهاينة يسرحون ويمرحون وجعل عدو المسلم هو المسلم نفسه وايضا بتمويل عربي وفتاوى جاهزة معلبة (تيك اوي) عربية ..

 

ملخص القصة

تدور احداث الفيلم في الولايات المتحدة ، شاب امريكي الأصل خدم في جيوش بلاده الغازية في الخارج وكان جنديا ذكيا وماهرا وقريبا من قضايا الأسلحة يتحول الى الأسلام بعد زواجه من امرأة مسلمة فيصبح اسمه (يوسف عطا محمد ) – الممثل مايكل شين -  لاحظ العزف على اسم ارهابي القاعدة الأمريكي محمد عطا ، ويوجه يوسف رسالة للأمريكان يعلن فيها انه فد وضع ثلاثة قنابل موقوتة في ثلاثة اماكن مختلفة من الولايات المتحدة لكن تلك القنابل محشوة بما مقداره عدة ارطال من المواد النووية الكافية عند انفجارها لأبادة عدة ملايين من البشر .

ويختار يوسف المواجهة مع السلطات فيقف في احد الميادين الى تتمكن  اجهزة الأمن وعبر كاميرات المراقبة من التعرف عليه ويلقى القبض عليه ..وكالعادة في العديد من الأفلام الأمريكية ستظهر اجهزة الأمن الأمريكية : البنتاغون ، السي أي ايه ، اف بي آي وغيرها ، تظهر وهي مختلفة فيما بينها في من يمسك بملف هذا الأرهابي الخطير ومن سيحقق معه لاسيما وانه لم يبق غير ساعات على تفجير القنابل مالم تلبى مطاليبه .وفي النهاية تحضر شخصية رفيعة تحيل الأمر برمته الى محقق في السي آي ايه ، يكنى بالحرف ( (H- الممثل  صموئيل ال جاكسون       - ويختار المحققة هيلين (الممثلة كاري - ان موس ) مساعدة له وذلك بعد سجالات ومناكفات بين ضباط الجيش وباقي اجهزة الأمن ، وسرعان مايندفع السيد (اج) مرتديا صديرية العمل ، ويوسع المسؤول السابق عن تعذيب يوسف ضربا ... وكان المشهد الذي ظهر فيه يوسف اقرب الى صور سجناء ابو غريب ، اما (اج) فيعد اساليب التعذيب هذه ساذجة ، واول ما يقوم به هو جلب فأس وربط يد المتهم والبدء بتقطيع اصابع اليد تباعا صارخا فيه ان يعترف اين وضع القنابل ، ثم يستخدم (الدريل) – المثقب الكهربائي لعمل ثقوب في فم المتهم ثم يستخدم الصعق بالكهرباء ثم يستأصل قطعة من ذكر المتهم ..وهكذا يتنقل من بشاعة الى بشاعة ومن سادية الى اخرى ، ثم يطلب ان يؤتى بزوجة المتهم التي ترتدي الحجاب الأسلامي ويدور حديث عنها انها ذاهبة للسعودية او قادمة منها ومن باكستان ويرد اسم اليمن في الخلطة المعلومة وتحاول الزوجة اقناع زوجها بالأعتراف والأبلاغ عن امكان القنابل لكن (اج) لايروقه لاشكل تلك المسلمة ولا كلامها فيقرر ان يبدأ بقطع اصابع يديها كما فعل مع زوجها لكن تدخل مساعدته ورفضها ذلك  وضرورة الأستجواب الهادئ يؤدي الى صراخ بين (اج) ومساعدته وبحضور كبار الضباط وينتهي الصراخ بأن يجهز (اج) على الزوجة بضربة سكين خاطفة يقطع شرايين رقبتها فتهوي ميتة امام انظار الجميع ولتختفي قصتها نهائيا وكأن حشرة ما قد تم قتلها ولاتذكر اصلا في الفيلم ثم يؤتى بالطفلين وقد البسهما المخرج زيا اسلاميا مع مرور كلمة الجامع والمتطرفين مرات عدة في الحوار ، ويقرر (اج) بمساندة اعلى السلطات ان يفعل معهما مافعله مع ابوهما ويبدأ باعداد العدة لتعذيبهما امام الأب ووسط صراخه وانهياره والدماء التي تسيل من امكان عدة من جسده و كذلك رفض المساعدة تعذيب الأطفال لأنهما دون ذنب ، وتنتهي الدراما باعتراف يوسف بأماكن وجود القنابل ويجري ابطالها وفي لحظة محتدمة مابين كبار الضباط المشرفين على القضية ينتزع يوسف مسدس احدهم وينتحر .لكن اللقطة الأخيرة من الفيلم تظهر قنبلة اخرى مغطاة في مكان غير مرئي على وشك التفجير بينما يتبادل رجال الأمن التهاني بزوال الخطر وينتهي الفيلم .

 

الصورة النمطية وصراع الأرادات

مما لاشك فيه ان الفيلم يقدم صورة نمطية لمسلم متشدد لديه مطلبان لغرض ان يبلغ اين خبأ قنابله وهما :

عدم دعم او اسناد الأنظمة الشمولية والدكتاتورية في بلدان العالم الأسلامي.

انسحاب القوات الأمريكية من البلدان الأسلامية التي تتواجد فيها .

وكما كان رد فعل كبير الضباط الأمنيين بصدد هذه المطالب ساخرا فأنه اضاف للحكاية بعدا آخر ممثلا في تناقضات مابين ادانة مايسمى التطرف الأسلامي ومابين التسليم بسياسات الولايات المتحدة في العالم ، ولادور لهذا "الحثالة " في قرار من هذا النوع ويقصد بالحثالة هو هذا المتهم .يحمل الفيلم ايضا سجالا عن الحقوق المدنية فالمساعدة تصرخ : لكنه مواطن امريكي ...لكن لاشيء يتغير ...

وتمضي القصة متواترة ’آخذة الكثير مما قدمته وسائل الأعلام عن اولئك الذين انزلقوا الى الأعمال الأجرامية ، لكن بالموازاة يضع الفيلم مشاهديه في مأزق كما وضع اجهزة الأمن في المأزق نفسه وهو الأفتراض : ماذا لو تحول احد جنودنا البواسل فصار مسلما ثم تحول الى مسلم متشدد ثم الى ارهابي ثم الى شخص لديه الأستعداد والقدرة على استخدام اسلحة الدمار الشامل ؟؟؟.هذا هو غير (المتصور) وغير المتوقع الذي على ( امريكا العظيمة) التنبه له والتحوط منه بما اوتيت من حملات الشك واتهام الكل بجريرة الواحد ..والا لأتهمت امريكا بطولها وعرضها على مافعله بوش الأب والأبن بملايين الأبرياء ومافعلوه من قبل باليابانيين والفيتناميين والهنود الحمر ..و ..و ..

وبالطبع لايمر تبرير وجود المواد المشعة مرور الكرام بل يشار الى انها مهربة من بلدان اسلامية ولايكاد يسلم بلد مسلم من هذه الخلطة وخاصة في اثناء التحقيقيات .

وصراع الأرادات تثيره ردود افعال المساعدة   (هيلين ) تلك التي تؤمن بالمهنية في التحقيق وانتزاع الأعترافات واستخدام اساليب نفسية مع المتهمين ، وهي تمارس هذا الدور بتمكن في تحقيقها مع يوسف الذي بعد تعذيبه وترويعه يعترف انه لاتوجد اية قنابل وان ماقام به هو فقط لكي يلفت انظار السلطات ،وتصدقه تلك المحققة وكأنها حققت انجازا ولكن ماتلبث احدى القنابل ان تتفجر في احد الميادين وبذلك تسقط فرضيات المساعدة في احترام حق الأنسان وخاصة كونه مواطن امريكي ان تتبع معه الأساليب القانونية الصحيحة في التحقيق .

الفيلم عدا عن كونه فيلما بشعا وكريها وعدا عن كونه سلسلة من جلسات التعذيب ، وتقطيع الأطراف  وبقر الجسد بالمثقاب الكهربائي وكل اشكال السادية ليس فيه غير مشاهد هي اقرب الى الحوارات المسرحية المملة والسمجة وليس غير مناكفات الأجهزة السرية وتناقضات مواقفهم وصولا الى اطلاق يد المحقق (اج) في الترويع والتعذيب ، لكن السؤال هوماهي ميزة هذا الجلاد عن اي جلاد آخر ؟ لماذا الجلاد (اج) شخصيا هو احسن جلاد امريكي ؟ هل هي مهارة عظيمة ان تأتي بأي جلاد بمستطاعه تقطيع الأصابع وبتر العضو الذكري للسجين ؟

يبدو ان  ميزة (اج) انه جاء محملا بالكراهية اذ هو متزوج من امرأة بيضاء تعود اصولها الى البوسنة وحيث تزعم انها واسرتها تعرضت الى الأعتداء والأغتصاب ابان الصراع بين الصرب والمسلمين ولهذا فهي تبث في ذلك الزوج مزيدا من الحقد والكراهية والأندفاع في التعذيب انتقاما لها ولأبناء بلدها ...

الفيلم محزن ومأساوي في موضوعه وطريقة خطابه لأسباب عدة من اهمها جرعة الكراهية العالية التي يفيض بها والتي بأمكانها ان تسمم العقول وتثير الأحقاد وتزيد من وتيرة الشكوك والصراعات القائمة في عالمنا اليوم وتعزيز الأسلامفوبيا او الخوف المرضيمن الأسلام والمسلمين.

الممثل سامويل جاكسون لايضيف شيئا الى رصيده في هذا الفيلم على الأطلاق بل من المؤسف ان ينحدر ممثل من وزنه الى هذا المستوى من الضحالة في التمثيل بلأجساد وتقطيع الأطراف في اداء روتيني ممل ورتيب ...في المقابل فأن منطق الأدانة الذي يمكن ان يستند اليه الفيلم ونخرج منه هو ان الأدانة يجب ان تشمل كل المجرمين على وجه هذه الأرض بصرف النظر عن اديانهم واعراقهم ..اما ان احداث الحادي عشر من سبتمبر في نسختها البوشية قد وضعت المسلمين كلهم في (غيتو) كبير بسبب المواطنين الذين يسميهم الأعلام الأمريكي ب (السعوديين الوهابيين) المشاركين فيها او بسبب المواطن السعودي بن لادن فذلك لايمكن ان يكون سببا على الأطلاق لأدانة مليار ونصف المليار مسلم ...لكن المسلمين والعرب الخانعين وزعمائهم المشغولين بتكديس الثروات عليهم اداء رسالتهم في تلقي الصفعات والأهانات من جهة وضخ اموالهم لتلك الماكنة الأعلامية – السياسية التي تنتج افلاما كهذا الفيلم ووسائل اعلام تشتمهم وتحتقرهم وتحط من كرامتهم ومواقف سياسية واجراءات تذلهم وتهينهم وهم راضين مبتسمين يكافئون من يفعل بهم كل هذا بمزيد من الثراء والغنى والأنبطاح ...

............

المخرج هو الأسترالي جريجور جوردان وهو من مواليد 1966 ، اخرج حتى اليوم ستة افلام هي ، اليدان ، جنود بوفالو ، نيد كيلي ، هذه الأيام ، والمخبر وآخرها هو هذا الفيلم

.......................................................

 ورشة سينما – خاص : بروكسل

و س 13-3-2011  

المقال للأستفادة الشخصية وليس لأعادة النشر . جميع الحقوق محفوظة لورشة سينما . لايسمح بأعادة النشر الا بموافقة ادارة الموقع والكاتب صاحب المقال.اعادة النشر من دون موافقة يعد مخالفة قانونية لحقوق الملكية الفكرية والنشر

 

 

 

 

 

Name:*
E-mail Address:*
Message:*
 
Please enter the code:

Note: Fields marked with * are required.