سينما القارات
كوسموسقراءة في تجربة المخرج التركي ريها ارديم
فيلم كوزموس:فضاء اجتماعي قاحل و انسان يبحث عن ذاته
تنويع على المعالجة الغرائبية مع سرد متشعب واحداث مطولة
طاهر علوان
هل ثم انسان عابر للأزمنة ؟ انسان ينتمي او لاينتمي للمكان والناس ؟ هو ذلك الأنسان الذي يجسد نزوعا اغترابيا فهو غير قادر على الأنتماء كليا لكنه غير قادر على الأنفصال عن الواقع بشكل تام ، وعلى هذا تتأسس علاقة اشكالية غير محددة تعتمد على مايريد الأنسان ومايريد الآخر وبين هذه الأرادات المتفقة / المفترقة / المتحدة / المتضادة يبرز ذلك الكائن الباحث عن نوع من التوافق بين الأرادات وبين النزعات التي تريد ان تكون هي البديل .
ومما لاشك فيه ان فكرة كهذه راودت الأنسان في حقب وازمنة شتى دون ان تتوفر اجابة واحدة محددة تنهي هذا الجدل المرتبط بعدد من المعطيات المجسدة المرئية والمحسوسة في مقابل تلك الماورائية التي تتداخل فيها نزعات الأنسان .
مختصر القصة
كوزموس انسان اشكالي ، فهو القادم من زمهرير الحياة ، من الحياة المجدبة الثلجية البعيدة واول ماسيصادفه عبر ذلك النهر الجاري في وسط المدينة هو جسد ذلك الطفل الطافي على صفحة النهر الذي يشطر المدينة ودون ان تقوى الأم على انتشاله فيرمي بنفسه في الماء وينتشل الطفل وينقذ حياته ليتواصل مع المرأة – الأم في حوار بدائي قائم على اصوات تشبه اصوات الحيوانات في الغابات او صرخات الصيادين واطلاقهم اصواتا تنبه الآخرين لوجودهم ..هذا هو كوزموس منذ المشهد الأول كل همه ان يعود الى قريته التي ينشغل رجالها في لعب الدومينو وتبادل الأحاديث بينما تكون صلته بهم هي فقد ان يتطلع لوجوههم من دون ان يشاركهم تلك الأحاديث الا قليلا وخلال ذلك هو يتنقل بين ارجاء المدينة الصغيرة التي لاتعرف الهدوء ابدا ، فعبور الطائرات والقصف المدفعي متواصل وكأننا في جبهة حرب بعيدة وحمل التوابيت لايتوقف ايضا ، مدينة محاصرة بالموت بل ان كل شيء فيها هو شبه ميت ، ماعدا دورية الدرك التي تدور في شوارعها اما هو فمشغول بمساعدة الكل ، المرأة التي تحتاج الى الدواء وتمتنع الصيدلية عن بيعها يتولى هو مسؤولية ذلك ويملأ خزانة كاملة بالأدوية التي يحفظها لها ، ثم هو يقوم بتلك الأعمال التي يعالج فيها الأطباء الروحانيين المرضى اذ يمتص موضع الألم ويبصق على الأرض ويكرر الأمر مرات عدة حتى تشفى المرأة الشابة وتتمكن من السير من غير عكاز ثم انه يقوم بحمل رجل مصاب بمصاعب في التنفس وسعال مزمن ، يقوم بحمله الى خارج المقهى الى الفضاء الثلجي وهناك يحركه مرات عدة حتى يغمى عليه وحتى يظن رواد المقهى انه كان يعتدي عليه ولكن الرجل سرعان مايشفى من السعال ..كوزموز بلا وطن ولا ارض ، يعيش في بيت خرب يصنع لنفسه فيه الشاي فأذا ماحضرت صديقته واطلقت تلك الأصوات البدائية والصراخ يبدأ بتلوين يديها وقدميها وكذلك يديه وقدميه ويحتفي بهما المكان وتطير الأوراق ويطيران كليهما ويسران على الجدران .
غرائبية تبحث عن شكلها الواقعي
يعزف الفيلم على وتر الغرائبية والفانطازيا من خلال شخصية كوزموز وكل ماعداه فهو واقعي تماما ، هو تنويع مواز في اسلوب المخرج ايرديم ، فأذا كان في فيلم (شمس حياتي المشرقة) اقرب الى السرد الواقعي وتتبع الشخصيات الواقعية فأنه هنا ينتقل الى فضاء اوسع ، فضاء لايقطع صلة الشخصية بالواقع ولكنه يحلق بها بعيدا بأتجاه مساحة ما من اللاواقع ، ويستند المخرج في قصة الفيلم – وهو كاتب السيناريو ايضا – الى كثير من الحكايات الشعبية المتداولة والمعروفة بخصوص اولئك الأشخاص اصحاب الكرامات ، اولئك البسطاء الطيبين الذين كل همهم اسعاد الآخرين وليس مهما بالنسبة لهم كيف يعيشون هم انفسهم ، وهذه هي حال كوزموس فهو يتحدث عن (الله) جل جلاله من منظوره هو ،في نوع من التواصل الروحي والعشق الصوفي وحتى وهو في داخل المسجد في احد المشاهد فأننا لانشاهده وهو يصلي بل وهو متكور على نفسه فيما يمضي شارحا للناس تلك القوة غير المرئية التي يتواصل فيها الأنسان مع القوة الألهية .
هذه الغرائبية حتى وان اندمجت مع الواقع فقد قدمت شخصية هي خارج النمط الحياتي السائد ، شحصية تشهد موت الناس المفاجئ ، وحاجتهم الى المال مما يضطر كوزموس الى سرقة المال من الدكاكين وخاصة دكان بائع الجبنة – ولاندري لماذا هو يكرر السرقة من دكان او مصنع الجبنة – لكي يعطي مايسرقه الى الفقراء او المحتاجين ، المرأة التي تريد علاج ابنها ، الرجل الذي يريد ركوب القطار وليس عنده المال الكافي ، الشابة التي تحتاج الى الدواء ...
جغرافية المكان وجمالية
تقع الأحداث في فصل الشتاء حيث تضرب العواصف الثلجية تلك المدينة الصغيرة ولاتجد مساحات واسعة تتحرك فيها الشخصيات فكل ما حولها يضيق ولايعرف للشمس اشراقا طيلة الفيلم ، الأجواء الكابية والكابوسية تحيط بكل مكان والشخصيات تبحث لوجودها عن معنى فيما يكون كوزموس هو الصوت الصارخ الوحيد الذي يرى مالايراه الآخرون وينظرون اليه على انه مجرد كائن عابر في ذلك الفضاء الرمادي .يفصل النهر شبه المتجمد المدينة ويشطرها الى شطرين وبالرغم من ذلك فلا فرق بين شطر المدينة الأيمن او الأيسر فالحياة كما هي ، الأماكن الأليفة والعامة ليس فيها غير المقهى والبيت الخرب الذي يعيش فيه او يلجأ اليه كوزموس ، وكذلك بيت تلك المرأة العجوز التي يعاني صغيرها من المرض . الحياة القاتمة الساكنة تلقي بظلالها الحادة على كل شيء في تلك المدينة ، وبما في ذلك تشكيل المكان وتأثيره الى تلك المساحة الغرائبية التي يمثلها كوزموس ، مابين هذا وذاك هنالك مكان افتراضي ينشده كوزموس فكأنه يضيق ذرعا بهذا المكان المعتاد باحثا عن مكان بديل ، في المشهد الأول يقدم لنا مكانا مجهولا يمر عبر الثلوج وهاهو لايقوى على العيش في وسط الناس في ذلك المكان فيقفل عائدا من حيث جاء الى تلك البيئة المتجمدة المقفرة .
..............
تجربة ريها ارديم فيها عمق وغزارة تعبيرية وقدرة متميزة على قيادة الممثل وصنع الحدث ، في فيلم كوزموس كنا بحاجة الى مزيد من التكثيف بدل الأطالة والتشعب ، كنا بحاجة الى مزيد من الحرص على وحدة المشهد اكثر من الحوارات ، وهو خلاف معالجته في فيلم شمس حياتي المشرقة ، ففي ذلك الفيلم حقق يردم تفاعلا خلاقا بين العناصر الفيلمية بشكل متميز ، ووظف الحوار السينمائي بشكل متقن ومتميز .
...................
المخرج من مواليد تركيا 1960 ، درس في فرنسا وتخرج من قسم السينما في جامعة باريس الثامنة ، اخرج اول افلامه الروائية الطويلة سنة 1989
اخرج ستة افلام روائية قبل فيلميه هذين ..وحصل فيلمه كوزموس على جائزة مصطفى العقاد لأحسن اخراج في مهرجان دمشق السينمائي 2010
...........................................
من اسرة ورشة سينما – خاص : بروكسل
و س 3 -12-2010
المقال للأستفادة الشخصية وليس لأعادة النشر . جميع الحقوق محفوظة لورشة سينما . لايسمح بأعادة النشر الا بموافقة ادارة الموقع والكاتب صاحب المقال.اعادة النشر من دون موافقة يعد مخالفة قانونية لحقوق الملكية الفكرية والنشر
Cinema Workshop
ورشة سينما
