سينما القارات

الفيلم الدنماركي "ليس كل شيء سيئ " للمخرج مايكل منتش فالس : دراما الاحلام المبعثرة والعذابات الجنسية

العجوز المتصابية والمراهق العجوز المتصابية والمراهق

مهرجان السينما الاوربية التاسع : الحياة التي لاتتسع للآخرين


طاهر علوان

كل عام ، في مثل هذا الصيف تحتضن صالات سينما مجمع فلاجيه في وسط العاصمة البلجيكية بلروكسل آخر انتاجات السينما الأوربية في مهرجان تحرص على رعايته سنويا مؤسسة الأتحاد الأوربي ومؤسسات اخرى منجوا هذا المهرجان الحيوي الحياة بعد ان تنقل منذ تأسيسه في اماكن عدة واختلف حتى موعد انعقاده حتى استقر منذ خمس سنوات في مكانه الحالي وموعده قبل انطلاق موسم العطلات وكأنه توقيت يشبه توقيت رأس السنة وانتها العام وبدء عام جديد حيث العطلات هي ذروة لبداية موسم جديد .

في هذا العام كما في العام الماضي حل سينمائيون شباب يقدمون افلامهم للمرة الأولى فضلا عن في سينمائيين وجود مخضرمين ..هنالك تجارب مهمة وجديرة بالتوقف عندها وهنالك مسارات جديدة يختطها السينمائيون القادمون من العديد من بلدان هذه القارة الا انهم بصفة عامة يتشاركون في مجموعة من المعطيات الأجتماعية والتجارب والمواقف  والخبرات ، هو سطح انساني تتفاعل عليه التجارب وتبرز الظواهر ويتأكد الغياب شبه التام لنظام النجومية في مقابل الأنتاج المتقشف وغير المعقد الا باستثناءات قليلة ، الموضوع هو سيد الموقف وهو الذي ينشغل به هؤلاء السيمائيون اكثر من اي شيء آخر ..سنبدأ بالتوقف تباعا عند اهم الأفلام التي عرضها المهرجان

الفيلم الدنماركي "ليس كل شيء سيئ " للمخرج مايكل منتش فالس : دراما الاحلام المبعثرة والعذابات الجنسية

هي دراما هذه الحياة المبعثرة التي مهما افترقت الشخصيات فأنها سوف تلتقي مجددا في مكان وزمان ما لأنها تعيش الشقاء نفسه والعناء نفسه ،شخصيات تطاردها اسئلة تتعلق بحياتها ومستقبلها ، هي تعيش جميعا في مجموعة (قواقع) مغلقة على نفسها لايربطها رابط في الظاهر ولكنها سرعان ماتلتقي مرارا وتتشظى حياتها وتتبعثر مجددا ..وفي الحقيقة ان الجدل الذي يخص الذات وهي تعيش عزلة نفسية واجتماعية يحيلنا الى صراخ صامت نكاد نسمعه مدويا عابرا للمسافات فكل الشخصيات تريد تأكيد ذاتها بشكل ما والأمساك بأي خيط يؤكد وجودها ..حياة في شكل دائرة كبيرة تضم اربعة دوائر لأربعة شخصيات تختصر صورة اجتماعية معبأة بالأزمات وكأن (الجنس) ولذة الجسد تتحول عندها الى بديل تؤكد فيه وجودها .

المراهق بائع اللذات ومنتجها

نبدأ من جوناس (الممثل سياستيان جاسن) هذا الشاب تبدأ نقطة التحول في حياته ساعة اشتعال الخلاف بين والديه وانفصالهما ليلتحق بأمه ويقف الى صفها ولكنه في الحقيقة لن يرافقها في حياتها المقبلة بل انه يعد الأفتراق عن والديه بمثابة بداية حياة جديدة له شخصيا حتى اننا لانراه ولا في مشهد واحد  طيلة الفيلم مع امه بعد مشهد افتراق والديه ومنذ لحظة افتراقه عن ذاك  وهو يهيم على وجهه يقدم نفسه نموذجا مهشما لذات بائسة فهو جاهز لأن يسأجر لتقديم خدمات جنسية رخيصة للرجال والنساء على السواء .من بين طرائده صاحب البار الذي يتسكع فيه ثم امرأة في خريف العمر يتقرب اليها فلما تصحبه الى منزلها للمتعة تفاجأ انه يطالبها بثمن من جراء خدماته وهكذا تمضي حياته مابين الخمر وبيع المتعة .

 دائرة الفراغ المخيف

وهذه العجوز انديراس (الممثلة هينريك بريب) تبدأ حياتها ساعة موت زوجها وانفصال ابنتها عنها لتعيش بشكل مستقل ، تجد نفسها وهي تعيش في فراغ مخيف وتحاول ان تملأه بممارسة لعبة (البنجو) احيانا ولكنها في الحقيقة تلاحق ظل رجل تريده ان يملأ فراغ حياتها وبعد تلك التجربة مع ذلك المراهق يلاحقها موظف نادي البنجو الذي يصحبها بسيارته وماان يبدأ بمغازلتها وهي ترفض حتى يغشى عليه وهو معها في داخل السيارة  ، يصاب بنوبة قلبية يموت على اثرها في مشهد عبثي يدفعها للضحك من المصادفات العجيبة التي يمكن للمرء ان يمر بها وتتأكد محنتها مجددا في انصراف ابنتها عنها تماما وعدم اجابتها على الرسائل الهاتفية التي تتركها لها لتلتقي في اخر المطاف وهي بانتظار ماسيؤول اليه حال رجل البنجو مع رجل آخر كان يعالج في نفس المستشفى لتتطور علاقتهما سريعا .

رجل الفرص المحطمة

ربما يكون هذا الرجل انجبورج (الممثل بولدي جورجنسين) مثالا مركبا للشخصية الأشكالية فهو بعد انفصاله عن زوجته وعيشه حياة مستقلة وانصراف ابنه جوناس عنه يكون اول مايبدر منه من بحث عن بديل لأمرأة اخرى ان يذهب الى الحديقة العامة وهناك يصادف فتاة شابة تجلس لوحدها وبما لاتتوقعه الفتاة ولا المشاهدين يخرج لها عضوه التناسلي بشكل بشع ومقزز ليستمني امامها ثم ليذهب في اليوم التالي الى الطبيب النفسي وهو يشكو له عزلته وعدم قدرته على الأرتباط بفتاة ويروي له مشاعره الجنسية في جلسات اعتراف متتابعة ولكنه خلال ذلك وفي حياته العملية يبدو متجهما عابسا لايعير اهتماما لأية فتاة من حوله حتى الفتاة التي تشاركه العمل اليومي في المكتب وتتحجج في نسخ بعض الأوراق لغرض ان تلفت نظره فأنه لايدري ماحقيقة مشاعره تجاهها بالضبط ولهذا لايبدر منه اي رد فعل ايجابي سوى التجهم والعمل المتواصل .وامتدادا لحركته المفاجئة مع فتاة الحديقة يقدم على  فعل اغرب واشد مازوخية وهو أقدامه على قطع عضوه التناسلي حيث ينتهي به المطاف ان يخضع لجراحة في المستشفى وحيث يلتقي تلك العجوز التي كانت بالأمس في مغامرة مع ابنه جوناس ومن دون ان يعلم بالطبع بقصتها معه فيقع ذلك التواصل الودي بينهما .

امرأة في مدار رجالي مقفر

هذه الفتاة آنا (الممثلة ميلي ليفيلد) هي اختصار لنوع آخر من الشقاء ، هي الدائرة الرابعة من بين الدوائر الثلاث الأخرى ، هي معلمة الأطفال وحيث حتى الأطفال في هذه الدنيا غير السعيدة يمارسون النميمة ويتداولونها ، ولهذا هم يتبادلون رسما يرسمونه لمعلمتهم آنا وهي بثدي واحد بعد استئصال الآخر بسبب السرطان وتصدم هي ان حتى هذا المجتمع الصغير والبريء البعيد عن الأهتمام بهذه الأمور هو الآخر يمكن ان يكون ندا لها ويكشف عن سرها وعقدتها ولهذا لاتتورع عن كشف صدرها امام تلامذتها ثم لتعيش محنتها مع ذلك النقص وهي الشابة اليافعة بأن تتأمل في المرآة صورتها الأفتراضية وهي بثديين ..

وبسبب ذلك ولتوقعها صدمة من سيرتبط بها فيما لو اكتشف انها بثدي واحد تعجز عن التواصل مع اي رجل وتجد في الأفلام الأباحية بديلا ، ومن المزري ان تكتشف هي افلاما اباحية تباع في الأسواق لأناس معاقين بعضهم مقطوع اليد او الساق وبعضهم مثلها بثدي واحد ولهذا تثور على وضعها المزري وعزلتها وتقرر ان تكون هي ممثلة في افلام البورنو وفي اول تجاربها تلتقي شريكها في العمل وان هو الا الفتى جوناس نفسه الذي يحوم في كل مكان ويقوم بكل عمل فاسد ورخيص لسد حاجته المادية والنفسية والجنسية معا وللمرة الأولى تكتشف آنا معنى  المعاشرة الجنسية ولذتها من خلال ذلك الشاب الوسيم .

العالم اصغر : الدوائر الأربع ستلتقي  

الأم والدة آنا تلتقي والد جوناس الذي كان اظهر عضوه لآنا في الحديقة وآنا تلتقي جوناس في ذلك الفيلم الأباحي وهو الذي كان قد خاض مغامرة مع امها ..الأم تدعو ذلك الرجل والد جوناس الذي تعرفت عليه في المستشفى لكي يمضيان ليلة رأس السنة لكنها تقرر ان تدعو ابنتها آنا ايضا لكي تحضر العشاء وتتعرف على صديق امها الجديد ووالد جوناس يلتقي ابنه بعد انقطاع ويدعوه الى حضور العشاء مع تلك السيدة التي تعرف عليها اخيرا ..تلتقي اضلاع المربع ، الشخصيات الأشكالية المعطوبة في زمن لايعلمونه ومصادفة لم يحسبوا يوما انها ستقع وسبب لم يدركوا من كان وراءه وكل منهم يحمل مرآة نفسه وخباياه واحباطه وعجزه ...يلتقون وجها لوجه في شبه صدمة عندما يرى واحدهم الآخر دون ان يفصح ان له تجربة سابقة معه ..

الشخصيات والسرد والحبكة الدرامية

على الرغم من اننا ازاء صورة اجتماعية مجردة لنماذج عابرة من هذه الحياة الا ان مايمكن التوقف عنده هو تلك الشخصيات التي تعكس ازماتها وقلقها وتمردها واحباطها ، شخصيات تداري عيوبها القاتلة وعذاباتها في افعال يومية تعتقد انها ملك لها وانها بعيدة تماما عن انظار الآخرين ، هكذا ترسم خطوط السيناريو تلك الحياة الصامتة المشتتة للشخصيات.

بموازاة ذلك يتعمق السرد الفيلمي من خلال الأنتقال الذكي بين تلك الخبرات التي لاتحمل في حقيقتها مفاجآت كبيرة ولا تحولات درامية استثنائية مفاجئة لكنه عرضحال اجتماعي قاس لشخصيات تصنع تلك الدراما التي اسمها الحياة .

من اغرب مايمكن هو ان تنحصر تلك الشخصيات وتجد نفسها وهي محشورة في المباشرة التامة لمحاكاة الجسد وتاليا لفكرة الجنس الذي كل شخصية ترسم له شكلا ما مع انه ليس شكلا محددا واضحا بل انه ضبابي تماما ، هو تعبير مجرد عن فكرة الحاجة الفطرية للبشر ؛(انا اريد) هذه الحاجة هي التي تشكل محور اشتغال الدراما الفيلمية من دون ان تحمل حبكات قوية تتعلق بتحولات مؤثرة .

يمكن القول اننا امام مشكلات نفسية مركبة تعصف بكل شخصية من الشخصيات بمعنى اننا امام دراما نفسية –اجتماعية اكثر من اي شيء آخر وامام شخصيات تدرك جيدا ان هنالك نقصا ما وحاجة متفاقمة وصراخا ذاتيا ولكنها لاتعلم اين ستجد اجابات عن اسئلتها وتلبية لحاجاتها حتى نصل الى النقطة التي قررها صانع الفيلم ان تلتقي تلك الشخصيات المأزومة بعوالمها المختلفة لتكون عالما ربما سيكون واحدا وهو حل اهتدى اليه المخرج بشكل تبسيطي من دون ان يذهب بعيدا باتجاه اية بدائل واحتمالات اخرى : الأفضل لهذه الشخصيات بدل ان تنتحر كما هو معتاد في مجتمعات الغرب او تنتهي الى المصحات النفسية او ادمان الخمر والمخدرات هو ان تلتقي وربما تبدأ حياة جديدة ..ربما..

................

المخرج الشاب " مايكل منتش فالس" درس فن الفيلم وحصل على شهادة الماجستير من جامعة كوبنهاجن واخرج عدة افلام قصيرة نال بعضها جوائز في مهرجانات اقيميت في مكسيكو وهلسنكي وهذا الفيلم هو اول افلامه الروائية الطويلة من انتاج 2011

.............................................................

ورشة سينما – خاص : بروكسل

و س30-6-  2011  

المقال للأستفادة الشخصية وليس لأعادة النشر . جميع الحقوق محفوظة لورشة سينما . لايسمح بأعادة النشر الا بموافقة ادارة الموقع والكاتب صاحب المقال.اعادة النشر من دون موافقة يعد مخالفة قانونية لحقوق الملكية الفكرية والنشر

 

…………………………………………………………..

 نافذة تفاعلية


شارك برأيك ...علق على الموضوع

 





Name:*
E-mail Address:*
Message:*
 
Please enter the code:

Note: Fields marked with * are required.