سينما القارات

الكلمة حين تتحول الى صورة نابضة

المقروء والمرئي..... علاقة تخادم ام تأثر وتأثير

محمد جبّار الربيعي

ماالذي يستقر في الذهن والذاكرة الشخصية للفرد الصورة المتخيلة  المقروءة ام الصورة المرئية  ؟ يجرنا هذا التساؤل الى طبيعة المقروء الذي تمثله أعمال أدبية كثيرة ومتنوعة منها الرواية والقصة والقصة القصيرة اما المرئي فيتنوع ايضا بين السينما والدراما التلفزيونية , وسنسلط  الضوء هذه المرة على علاقة الرواية بالسينما ، فالمعروف ان الرواية والسينما فنان منفصلان عن بعضهما لكنهما في ذات الوقت يرتبطان إرتباطاً وثيقاً ببعض , فاحدهما كمّل الاخر واحدهما كان  له الفضل الكبير على الاخر فالرواية  كانت الدعامة الكبيرة لأعمال سينمائية كثيرة وضخمة فلو تتبعت اهم الافلام التي حازت على اهتمام  النقاد والمشاهدين لرأيت ان معظمها كان اصلها روائي فهي بمثابة عمل جاهز من حبكة وثيمة وصراع وحوار فلا يكون امام السينمائي سوى وضع السيناريو لها وتحويلها من كلمات مقروءة الى صورة نابضة بالحياة

وهنا يجب ان نسلِّم بقلة عدد قُرّاء الرواية بالقياس الى السينما فاذا كان عدد قُرّاء الرواية الف شخص فان عدد مشاهدي الفلم مئات الالوف بل اكثر لكثرة انتشار السينما بالنسبة للرواية مع ملاحظة ان السينما يشاهدها المتعلم وغير المتعلم بينما الرواية فتقرأها الصفوة المثقفة فقط   ثم انه وفي احسن الحالات يستطيع القارئ قراءة الرواية مرة واحدة او مرتين ان اعجب بها فالقراءة تحتاج الى الوقت والجهد , وهذا لا يملكه الكثيرون اما السينما فأوصلت الرواية الى المُشاهد بسهولة فالمشاهدة اسهل من القراءة , السينما حولت الاشخاص الموصوفين في الرواية ربما بصفحة او اكثر الى اشخاص من لحم ودم مجسدين لحظة الظهور على الشاشة وكذلك المكان ووصفه ومع ان الكثيرين يستمتعون بهذا الوصف وبهذه التفاصيل الدقيقة في الرواية  لكن وتماشياً مع لغة العصر تكون رؤية الشيء اسهل من تخيله , ثم ان إنتشار الفيلم السينمائي اكبر بكثير من إنتشار الرواية. أكاد اجزم ان الكثيرين يعرفون الرواية وقصتها واجواءها من خلال ما جسدته السينما في افلامها وربما بعد ان شاهدوا الفيلم  قرروا قراءة الرواية لشدة اعجابهم به , طبعا لا اتحدث عن فئة المثقفين المتابعين للحركة الثقافية بل عن عامة الناس الذي يتذوقون تلك الاعمال وهذا الجمهور بالتاكيد تجذبه السينما اكثر فبدلا من قراءة الحوار يأتيه متناسقا يلقيه ممثل محترف يعطي لكل كلمة حقها ويجسد الحركة المناسبة للحدث فهذه مهمته , كي يبقى السؤال هل ينجح الفيلم في إيصال ما كان يريده الروائي ان يصل بروايته ؟ , وبمعنى اخر هل ينجح الفيلم في نقل الرواية بحذافيرها؟ .

هنا تدخل إعتبارات كثيرة منها رؤية المخرج وكاتب السيناريو وفريق العمل ومدى استيعابهم للرواية فحتى الممثل عليه ان يستوعب الرواية استيعاباً كبيراً لكي يكون ملماً بالشخصية التي سيجسدها  فعليه ان يستقي الشخصية وبناءها من المنبع الذي هو الرواية الاصلية ثم من الاعتبارات الاخرى مدة عرض الفيلم والمدة الزمنية التي يغطيها وحجم المجتمع الروائي الذي لايستوعبه الفيلم في اغلب الاحيان فيضطر كاتب السيناريو الى حذف بعض الشخصيات والاحداث لزيادة  التركيز على الموضوع الرئيسي ولتجنب التشتيت الذي قد يحصل للمتفرج في حالة تداخل الاحداث وتعددها فكما اسلفنا ان لكل فن مقوماته ودعائمه وخصوصياته فليس كل ما يصلح في الرواية يصلح للسينما , اما اذا كانت الرواية ذات عوالم سحرية ومفتوحة الخيال كروايات ماركيز مثلا فهي مشكلة حقيقية للمخرج لان تجسيدها يكون في غاية الصعوبة وذلك  لطبيعتها المتشعبة بالخيال الاسطوري لذلك لم تنجح تجربة  المخرج مايك نويل في نقل رواية الحب في زمن الكوليرا الى فيلم  لصعوبة نقل تلك العوالم الماركيزية الخاصة التي استطاعت ايصال صورة ذهنية  مليئة بالالوان والاصوات والروائح وبطريقة ساحرة عجزت الصورة السينمائية للفيلم من مجاراتها فقد  نقل المخرج الحبكة والحكاية ولم يفلح في نقل روح الرواية النابضة , علما ان المنتج ستايندروف امضى ثلاث سنوات في محاولاته لإقناع ماركيز بالموافقة على تحويل هذه الرواية الى السينما , لكن ماركيز ورواياته حالة خاصة لا يمكن سحبها على الاعمال الاخرى فقد نجحت اعمال كثيرة تم تحويلها الى السينما بل ان بعض الافلام عبرت عن روايتها بكل تفانٍ وإتقان كما حصل مع رواية العطر لمؤلفها باتريك زوسكند  التي عزف عن إخراجها اهم المخرجين حتى جاء توم تايكوير فابدع في نقلها للسينما بشكل إرتقى بها الى درجة انك كنت تشم الروائح وانت تتابع الصور المحضة .

 ونعود للرواية ومدى نقلها بحذافيرها وهنا اذكر انه في لقاء تلفزيوني جمع  الروائي عبد الرحمن مجيد الربيعي كاتب رواية القمر والاسوار وبين المخرج محمد شكري جميل مخرج فيلم الاسوار عن الرواية انفة الذكر وكان الحديث عن مدى الامانة في نقل الرواية فقال الربيعي للمخرج( الفيلم جميل وممتع ووصل الى الناس بشكل مقنع لكن اين روايتي فيه؟   .. انا شاهدت الفيلم فوجدته بعيداً جداً عن الرواية , انت لم تركز سوى على جزء بسيط من الرواية وحذفت شخصيات كثيرة واحداث اكثر  فاجابه المخرج انها كانت رؤيتي كمخرج وهذا ما املته عليّ السينما !

من هنا قد ندرك ان هناك اختلافاً بين رؤية الكاتب ورؤية المخرج وهما  ليستا متناقضتين على اية حال لكنه اختلاف تمليه طبيعة  الفنون والاختلاف الجميل بينهما فلا يمكن ان تذوب إحداهما في الاخرى فهذا يسلبهما خصوصيتهما كفنون انسانية راقية لها استقلاليتها وحضورها  ، واذا راقبنا الافلام المهمة في السينما العالمية والعربية لوجدنا ان اهمها كانت مقتبسة من  روايات وعناوين الافلام كثيرة يقف في مقدمتها فيلم زوربا اليوناني إخراج مايكل كاكويانيس عن رائعة كازنزاكي بنفس الاسم و زوربا هذه الشخصية الفريدة التي جسدها انتوني كوين بكل حذافيرها بحيث غطت شخصية الممثل على بطل الرواية فانت حين تُذكر امامك تلك الشخصية لاتتخيل وصف كازنزاكي لها بل تقفز الى ذهنك صورة انتوني كوين بدون إستئذان وهذا ما تمتاز به السينما فهي حولت زوربا من شخصية روائية الى شخصية حقيقية الامر الذي دعا بعض دور النشر الى وضع صورة انتوني كوين على غلاف الرواية لذوبان الفرق بينهما , فقد تحول  زوربا الى انتوني كوين بلا منازع علماً ان موسيقى الفيلم التي ابدعها ميكيس ثيودوراكيس اصبحت بعد ذلك فولوكلوراً للشعب اليوناني وأحد معالم الموسيقى اليونانية وكذلك رقصته الشهيرة  .

  النموذج الاخر هو  رواية ذهب مع الريح لمارغريت ميتشل التي حولها المخرج فكتور فلمنغ الى فيلم بنفس الاسم والذي حصد 8 جوائز اوسكار ويعتبر من اهم الافلام في تاريخ السينما فقد اختاره معهد الفيلم الامريكي في المرتبة الرابعة من قائمة الافلام الامريكية المائة الاهم في القرن التاسع عشر كما صُنفت موسيقى ماكس شتاينر للفيلم على أنها ثاني أعظم موسيقى تصويرية في التاريخ وهذا ينبهنا الى قضية مهمة وهي ان الموسيقار يذوب في الرواية ويستشف ايقاعها والاحاسيس التي تزخر بها ويحولها الى موسيقى راقية تحصد الجوائز وحب واهتمام  الناس وهذه ميزة جديدة تضاف الى مميزات الافلام المنقولة من الرواية , ويعد ستيفن سبلبرغ من مخرجي الروايات المهمين فقد اخرج افلاما كثيرة اصلها روايات  اهمها اللون القرمزي و إمبراطورية الشمس , اما رواية احدهم طار فوق عش الوقواق للكاتب الانكليزي اليكس هيلي فقد  تحولت الى فيلم بنفس الاسم ومثل فيه دور البطولة جاك نيكلسن وحصل على جائزة الاوسكار عنه والامثلة كثيرة  رواية  الحرب والسلم لتولستوي وكل شيء هادئ في الحي الغربي لأرك ريمارك ورواية جمعية الشعراء الموتى التي حولها  المخرج بيتر واير الى السينما ورواية بيت الارواح  للكاتبة التشيلية ايزابيل الليندي التي حولت الى فيلم بنفس الاسم  ادت فيه دور البطولة الممثلة الكبيرة ميريل ستريب ورواية مرتفعات وذرنج  للكاتبة اميل برونتي التي حولها المخرج كيرتس بيرنارت الى فيلم بنفس الاسم  اما اعمال دستوفسكي  فزخرت بها الافلام وبسنخ متعددة وبنفس الاسم كالاخوة كرامازوف والجريمة والعقاب وكذلك فكتورهيجو صاحب الروايات الكثيرة التي اشهرها رواية البؤساء الي تحولت ايضا الى اكثر من فيلم .

 هذه لمحة سريعة للافلام الاجنبية اما عندما نتحدث عن الاعمال المصرية التي تحولت الى افلام فلعل رواية  زينب  للكاتب المصري محمد حسين هيكل هي أولى الروايات التي اعتمدت عليها السينما العربية , حيث قدمها المخرج  محمد كريم في شريط يحمل العنوان نفسه , وبالتاكيد يقفز الى ذهننا الروائي الكبير نجيب محفوظ  بسلسلة اعمال منها قصر الشوق , السكرية , بين القصرين  التي اخرجها حسن الامام واللص والكلاب اخراج كمال الشيخ , السمان والخريف اخراج حسام الدين مصطفى , ثرثرة فوق النيل اخراج حسين كمال , خان الخليلي , زقاق المدق اخراج حسن الامام وهذه الرواية حولتها السينما المكسيكية الى فيلم تحت عنوان زقاق المعجزات اخراج خورخي فونس مثلت فيه دور البطولة الممثلة سلمى حايك , السراب اخراج  انور الشناوي , بداية ونهاية اخراج صلاح ابو سيف وهذه الرواية  اقتبستها السينما المكسيكية ايضا وقام باخراجها المخرج المكسيكي ارتوروا ريبستين ,ومن الافلام الاخيرة عمارة يعقوبيان للروائي علاء الاسواني التي حولها المخرج مروان حامد  للسينما بنفس الاسم والقائمة تطول لان هناك مئات الافلام ان لم تكن الالاف من افلام الاجنبية والمصرية التي من اُصول  روائية .

اما في السينما العراقية فكان لها ايضا حصة من الافلام المقتبسة من الروايات اهمها فيلم الظامئون الذي اعتمد رواية تحمل العنوان نفسه للكاتب العراقي عبد الرازق المطلبي ومن اخراج محمد شكري جميل وهو يعد من اهم الافلام العراقية على الاطلاق وفيلم المنعطف الذي أخرجه الفنان جعفر علي معتمداً رواية خمسة أصوات للروائي غائب طعمة فرمان وفيلم  العاشق  الذي أعتمد رواية مكابدات عبدالله العاشق للروائي العراقي عبدالخالق الركابي وفيلم النهر لرواية بنفس العنوان لمحمد شاكر السبع اما بالنسبة للسينما في الكويت فقد اخرج  الكويتي خالد الصديق  فيلمه عرس الزين الذي أعتمد على  رواية بالعنوان نفسه للكاتب السوداني الطيب الصالح كذلك كان للجزائر حضور للرواية التي تحولت الى سينما في فيلم وقائع  سنوات الجمر الذي اخرجه محمد  لخضر حامينا و الذي فاز بجائزة السعفة الذهبية في مهرجان كان وهي الجائزة الوحيدة للعرب في مهرجان كان ، ويبدو ان تشابه فن كتابة الرواية وفن كتابة السيناريو السينمائي دفع  الكثير من الروائيين الى الاتجاه  لكتابة السيناريوهات المخصصة للسينما مثل شولوخوف، غوركي، تيخونوف، الكسي تولستوي، وليم فولكنر، جون شتاينبك، دوس باسوس، سالنجر، سارويان، جاك بريفير ، ماركيز..وغيرهم ومنهم من ترك كتابة الرواية واتجه كليا الى السيناريو السينمائي مثل باتريك زوسكند صاحب رواية العطر اما من الكتاب العرب فمنهم  نجيب محفوظ ,الذي كتب  خلال رحلته ما يقارب من 18 سيناريو سينمائي ، وعبد الحي اديب واحسان عبد القدوس وعبد الحميدالسحار وغيرهم , تحدثنا عن فضل الرواية على السينما وفضل الاخيرة في نشر تلك الرواية لكن ما يدهش هو فضل الكتابة للسينما على الكاتب الروائي ذاته  وتاثيرها المباشر على عمل الكاتب وادواته وهنا استعين بكلمات ماركيز الذي يعترف بذلك وهو الذي عمل لسنوات ككاتب سيناريو، إذ يقول:( أعتقد دائما أن السينما بإمكانياتها البصرية الهائلة، أداة التعبير المثلى، ولعل كل مؤلفاتي السابقة عدا مائة عام من العزلة متحدرة من هذا اليقين ، فهي مطبوعة بتطرف الاندفاع نحو تصوير المشاهد والأشخاص، والصلة المليمترية بين وقت الحوار والفعل، وهاجس التشديد على وجهات نظري وأفكاري , ولم يجعلني عملي في السينما أدرك ما يمكن أن يقوم به الكاتب فحسب، بل ما يجب ألا يقوم به كذلك , وبدا لي أن سيطرة الصورة على عناصر روائية أخرى، ليست ميزة وحسب، وإنما هي تحديد لها، وقد بهرني هذا الاكتشاف، وأدركت أن الإمكانية الروائية غير محدودة , من هنا أقوى على القول إن تجربتي في السينما ضخمت إمكانياتي الروائية دون ريب) ,وهذه شهادة مهمة من روائي كبير تمثل وسام شرف على صدر السينما .

.................................................................................

من اسرة ورشة سينما – خاص : العراق

و س 30 -8-2010  

المقال للأستفادة الشخصية وليس لأعادة النشر . جميع الحقوق محفوظة لورشة سينما . لايسمح بأعادة النشر الا بموافقة ادارة الموقع والكاتب صاحب المقال.اعادة النشر من دون موافقة يعد مخالفة قانونية لحقوق الملكية الفكرية والنشر

 

 

 

 

Name:*
E-mail Address:*
Message:*
 
Please enter the code:

Note: Fields marked with * are required.