سينما القارات

فيلم " اغورا " .. السينما تعيد الحياة الى الاموات
العنف الطائفي ارث مخزِ
محمد جبار الربيعي
للسينما دور كبير في التفاعل الحقيقي مع الاحداث التأريخية وإسقاطها على واقعنا, فيستطيع الكاتب اقتطاع جزء منه بما يخدم الفكرة التي يريد ان يوصلها الى الناس ويعيد الحياة الى اسلافنا "ولو وهميا" فنعيش معهم حقبتهم التاريخية وصراعاتهم وانجازاتهم التي وصلتنا عن طريق الكتب التي كتبها اُناس احتل التاريخ جُلَّ اهتمامهم فسطروها لنا باقلامهم ,ويجسدها السينمائي على الشاشة , فنشعر اننا دخلنا في عالمهم لنتابع مافعلوا , ومن الجميل ان يكون إختيار الكاتب لأحداث تُحاكي حاضرنا فيشير أشارات ذكية الى المشكلة المعاصرة التي حدثت او "يشم رائحتها"قبل أن تحدث فينبه اليها من خلال تسليطه الضوء على الماضي وهذا يعطي دوراً فاعلاً وعظيماً للسينما في التوعية بعرض تجارب الأسلاف "المُشرِّف منها والمُخزِ" للسير على نهج الإنجازات العظيمة و لمنع تكرار الأخطاء التي وقعوا بها ولكبح جماح الفتن وربما الكوارث التي قد تحصل . من هنا تأتي أهمية فيلم "أغورا"الذي يركز على حقبة تأريخية خطيرة وهي أواخر القرن الرابع وفي الاسكندرية تحديداً حيث تتأجج الفتن والصراعات الطائفية فيها بين الوثنيين و المسيحيين ثم بين المسيحين واليهود ثم ينحو الصراع الى صراع السلطة بين المسيحيين ذاتهم" فتحاول الكنيسة إستلام دفة الحكم بأستخدام الدين كوسيلة وسلاح للهجوم" وتنجح بذلك في النهاية , وربماهذه الحقبة التأريخية خير مثال على خطورة تلك الفتن ليس على البشر فقط بل على التراث الانساني والمعرفي فكان من ضحايا الأفكار المتطرفة و"محاولة الغاء الآخر" إحراق أشهر مكتبة عرفها التأريخ وهُدمت الصروح الأثرية و دُمرت التماثيل المعبرة عن تلك الحقبة الزمنية "وهذا يعيد الى ذاكرتنا تفجير تمثال بوذا في أفغانستان قبل الاطاحة بحكومة طالبان " كذلك التطهير العرقي للأقليات بالقتل والتهجير القسري حسب الاديان والمعتقدات بحيث يصبح مُعتنق الدين المُغاير عدواً ويستحق القتل بلا مبرر "فمبرر اعتناقه لدين آخر كافٍ لقتله " وربما تم إختيار تلك الحقبة التاأريخية لتشابه أحداث الحاضر معها حتى في التفاصيل الدقيقة.
المكتبة والمعبد
تتوزع المشاهد والأحداث في الفيلم بين المعبد الوثني وساحة أغورا , المعبد "فضلاً عن كونه مكان للعبادة" كان يضم المكتبة الضخمة الزاخرة بالكتب التي تهتم بكافة العلوم كذلك الحلقات الدراسية التي تُدرَّس فيها الفلسفة والعلوم المختلفة ,اما ساحة اغورا وهي "كلمة لاتينية تعني السوق " فهي ساحة للتبادل التجاري وتجمُّّع الناس للتسوق ولمعرفة آخر المستجدات الطارئة ونشر العلوم, فهي بمثابة منبر اعلامي متعارف عليه في المدينة بسبب انعدام وسائل الإتصال آن ذاك فيلجأ الناس الى إسخدام مكاناً عاماً وغالبا ما يكون سوقاً للألتقاء" تماما كدور سوق عكاظ في الحجاز و المربد في البصرة " لكن ساحة أغورا في نهايات القرن الرابع تحولت الى مكان للتبليغ الديني بدلاً من العلوم والأدب ثم فيما بعد الى مكان للمناظرات بين الأديان وتطورت تلك المناظرات الى مشادات و نزاعات بين الكهنة إنتشرت لتعم المدينة بأسرها بسبب إستخدام العنف في المجادلة فحصلت محاولة لأحراق أحد الكهنة الوثنيين والنيل والإستهزاء بمعتقداتهم من قبل رجال الدين المسيحيين وهذا بدوره أدى الى عنف مضاد فتحولت هذه الساحة من ساحة لخدمة البشرية وعلومها وثقافتها الى مكان للفتن والمهاترات والنزاعات الدينية وربما كان هذا سبب تسمية الفيلم بهذه الساحة لخطورة دورها " كمنبر إعلامي " والذي تضطلع به وسائل الاعلام والفضائيات هذه الايام وهي إشارة ذكية الى الدور الخطير للإعلام في حياتنا اليومية .
محور الأحداث في الفيلم شخصية "هيباتيا" أدت دورها الممثلة "راشيل وايز"الفيلسوفة والعالمة في الفلك والرياضيات وهي الشخصية الانثوية الوحيدة في الفيلم في مجتمع ذكوري يجيد إسخدام السيف قبل أي شيء"فحتى والدها العالم وآخر مسؤولي المكتبة والمهتم بعملها والمشجع الاول لها تسحبة موجة العنف فيجلد مُعتنقي المسيحية من عبيده و يشير الى الوثنيين بضرورة معاقبة المتطاولين على الآلهة فيتم الهجوم على المسيحيين وقتلهم في الساحة فيرد عليهم المسيحيين بعنف مضاعف , في هذه الاجواء المحتدمة كانت "هيباتيا" تمثل سلطة الضمير المثالية التي ترفض العنف الطائفي بشكل قاطع وتفصل بين الدين وبين العلم والعلاقات الانسانية فالجميع عندها اخوة مهما اعتنقوا من دين "والفلسفة دينها" كما تُصرِّح في إحدى المشاهد
دوران الكواكب
جُلَّ مايشغل بال "هيباتيا" في معظم مشاهد الفيلم هو جاذبية الارض وحركة الكواكب حول الشمس فهي تدرس النظريات القديمة وتضيف اليها من تجاربها وافكارها واستنتاجاتها حتى في احنك الضروف ففي مشهد الحصار للمعبد من قبل المسيحيين الذين يتوعدونهم بالموت خلف سور المعبد وفي موجة عارمة من الغضب تثير تساؤلات على طلبتها عن كيفية حركة الكواكب حول الشمس "وتتناسى الجموع الغفيرة خلف الاسوار التي تستعد لتقطيعهم" فيدلون بآرائهم وطروحاتهم , وتستمر في المشاهد التالية في طرح تلك التساؤلات حتى تستنتج الحركة البيضوية للكواكب حول الشمس " وهو ما اكتشفه العلماء بعدها ب12 قرناً, وفضلاً عن هذه الشخصية هناك ثلاث شخصيات فاعلة ايضا هي عبدها المتيم بها "دافوس" ادى دوره " ماكس مينغيلا الذي اعتقته عندما احست بحبه لها فحررته من عبوديته لها وكذلك من حبه لأنها لم تكن تريد امرا يشغلها عن اهتماماتها و"اورسيس" اداه اوسكار ايزاك وهو احد طلبتها الذي احبها ايضاً وصدته بطريقة غريبة "بأن اهدته منديلاً يحوي على دم حيضها! لترفع عنها الهالة الملائكية التي يتخيلها العاشق " ويصبح "اورسيس" والي المدينة فيما بعد وسينيسيوس "روبرت ايفانز" وهو احد طلبتها ايضا ويصبح رئيس الاساقفة وهم شكلوا ثلاثيا مؤثرا في احداث الفيلم واستولت شخصية "هيباتيا"على اهتمامهم فكانت المحرك لتصرفاتهم ومثلت هي بهذا الشمس والثلاثة يدورون في فلكها وهذا ما جعلها محوراحداث الفيلم بشكل كبير فهي كانت تبحث عن كيفية حركة الكواكب حول الشمس وعرفت في النهاية تلك الكيفية وفي ذات الوقت عرفت الاقرب اليها من هؤلاء الثلاثة , وهم ايضا يمثلون التفاوت في قربهم اليها وفي تدينهم ومدى تأثير ذلك التدين في علاقتهم معها واسباب اعتناقهم للدين ف"اورسيس" يعتنق الدين لأسباب سياسية ولأجل الحكم فلا يكون تدينه جوهريا وتكون المسافة بينه وبين "هيباتيا" متذبذبة فهو يقارن بين السلطة وبينها ويختار السلطة في النهاية اما " سينيسيوس" فهو متدين الى درجة تجعله متقبلاً لفكرة قتل استاذته "هيباتيا " لأنها وثنية ولوجود نص في الانجيل يقتطعه القديس "سيريل " يتحدث عن تحريم خروج المرأة للعمل والتدريس واتهامها بالسحر والشعوذة , اما "دافوس" فهو يتدرج في تحوله من الوثنية الى المسيحية حتى ينتمي الى احد المجاميع المتطرفة فيكون اقربهم الى "هيباتيا" ولا يتخلى عنها حتى النهاية .
كتب الفيلم "ماتيو جيل "وساعده في الكتابة مخرج الفيلم الإسباني" أليخاندرو آمينابار"الذي اشتهر باعمال كثيرة منها " الآخرونThe Others (2001), مار ادنتروMar adentro (2004), تيسيسTesis (1996) , وابري لوس اوكس (1997)Abre los ojos "وكانت لمساته في الفيلم واضحة وفعالة جداً خصوصاً مشهد محاصرة المعبد ومهاجمة المسيحيين له والعبث بالمكتبة "فهم يعتبرن كل الكتب وثنية حتى العلمية منها لمجرد وجودها في داخل المعبد" فيبدأ المشهد بنمل فوق السور ثم بعد فتح المعبد ودخول المسيحيين اليه للعبث في الآثار والمكتبة يتم تصويرهم من الاعلى بأرتفاعات متدرجة حسب حجم ما يفعلونه من انتهاكات لتتحول في نهاية المشهد الى ارتفاع شاهق ليصور حركتهم كنقاط سوداء تتحرك تماما كالنمل في لقطة مذهلة حولتهم من بشر الى حشرات "وكأن السماء تنظر اليهم بصورتهم هذه" كذلك قلب الصورة في نفس المشهد رأساً على عقب بطريقة فنية ومن خلال الانتقال بين آثار التدمير لترتفع الكاميرا ويفاجئ المُشاهد بأن الصورة مقلوبة ويبدو ان المخرج اعتنى كثيرا بهذا المشهد "لخطورته فكريا" وحاول إبداء رأيه بمايحصل فيه بطريقة فنية معبرة , اما الممثلون فكان أداء الممثلة "راشيل وايز" مميزاً كذلك "ماكس مينغيلا "و"اوسكار ايزاك" والممثلين الاخرين الذين قدموا أداء معبرا وجميلاً فيما عبرت الموسيقى التصويرية للموسيقار الإيراني" داريو ماريانللي"عن حس شرقي شفاف ومتناغم مع زمن الاحداث
لماذا ننبش التأريخ ؟ هل لكي نتعرف على تصرفات اسلافنا ونتخذ منهم مواقف فنحب بعضهم ونكره آخرين حسب تصرفاتهم ومواقفهم سواء كانت سلبية ام ايجابية او حسب توافقها مع افكارنا ومعتقداتنا؟ ام اننا نحاول من خلال بحثنا في ذلك التاريخ ان نتعلم من تجاربهم ونأخذ الدروس والعبر؟ ربما تكون الاجابة عن السؤال سهلة لكن هل نطبق تلك الاجابة في حياتنا فعلاً؟
Cinema Workshop
ورشة سينما