سينما القارات

بريطانيا تحتفي بفرانسوا تريفو ملك الموجة الفرنسية الجديدة في مهرحان استعادي شامل
ترجمة: نجاح الجبيلي
أقام معهد الفيلم البريطاني مؤخرا مهرجان فرانسوا تريفو متضمنا عرض الأفلام الطويلة والقصيرة لتريفو مثل "فهرنهايت 451" ، "400 ضربة" ، "جول وجيم" ،"المترو الأخير" ، "قبلات مسروقة" وغيرها إضافة إلى الكثير من الحلقات النقاشية عن تريفو وصناعته السينمائية وبهذه المناسبة كتب الناقد السينمائي "جفري ماكناب" من صحيفة الأندبندنت :
"إذا كان ثمة مشهد يوجز أعمال المخرج الفرنسي فرانسوا تريفو الذي يحتفي به معهد الفيلم البريطاني فإنه المشهد الواقع في منتصف فيلمه المنتج عام 1976 بعنوان "تغيير صغير" حول الأطفال الناشئين في بلدة صغيرة في فرنسا , منهم رضيع يدعى غريغوري يترك وحيداً في شقة في الطابق العلوي, يلعب مع قطة صغيرة ترفض أن تدخل من النافذة ثم تحشر بها. يحاول غريغوري أن ينقذ القطة وتفلت يده ويسقط للأسفل إلى الموت المؤكد, لكنه لا يموت. "غريغوري صنع بم!" يخبر الطفل الصغير المشاهدين المراهقين بينما هو ينفض عن نفسه الغبار على الأرضية التي تبعد عدة طبقات للأسفل , تصاب أمه بإغماء , لا يثير غريغوري أي جلبة ولا تريفو أيضاً , ففي عالمه لا يسمح للضرر أن يصيب الأطفال , وكما وصفه أحد أصدقائه كان تريفور "روحاً طيبة" و"كنزاً من الرقة".
يستحق هذا الوصف أن يبقى في الذهن حين نأخذ في الاعتبار دخول تريفو لأول مرة في ثقافة الفيلم بمقالته في مجلة "كراسات السينما- كاييه دو سينما" بعنوان "اتجاه محدد في الفيلم الفرنسي" وكانت تحمل هجوماً شديداً على ماسماه ب"سينما الأب". حفر الناقد الشاب فيما أسماه "عرف النوعية" وشجب المخرجين المختصين بإعداد الروايات الأدبية إلى السينما التي فازت بالجوائز في المهرجانات والتي احتضنها النقاد الأجانب. وقد سخر كبار المخرجين وكتاب السيناريو الفرنسيون من غرور هذا الشاب ونبذوه وخمنوا أن النسيان سوف يلفه , وبالطبع حدث العكس.
أن ثائرة تريفو كانت بسبب خيبة أمله مما عده الأسلوب الجاف لصناعة الفيلم التي مثلها "جان أورنش" و"بيبر بوست" وهما من أشهر كتاب السيناريو في ذلك الوقت ومخرجون مثل "كلود أوتان لارا" و"إيف أليغريه". يقول المخرج مارسيل أوفلس عن مقالة تريفو:" هناك عدد كبير من المنتجين في ذلك الوقت تعاونوا مع الألمان خلال الحرب لذا فهناك أسباب متعددة لمحاولة القضاء على حصنهم في السينما الفرنسية" , وثمة عنصر آخر كان متعلقاً بالأجيال إذ كان تريفو ضمن جيل الشباب الشغوفين بالسينما- بما يسمى "الهيتشكوكيين- الهوكسيين" (نسبة إلى المخرجين هيتشكوك وهوكس-م) الذين فضلوا الأفلام من الصنف ب المصنوعة في هوليود على الأفلام الفرنسية المعدة عن روايات أدبية.
ويقال أن تريفو قد شاهد 4000 فيلم ما بين عامي 1940 و1955 فليس من الصعب فهم السبب في تحوله إلى السينما بمثل هذا الشغف. عاش المخرج تريفو طفولة بائسة. وكانت الأفلام طريقه إلى الهروب. وتكشف السيرة الذاتية لتريفو التي كتبها "أنطوان دي بوكو" و"سيرج توباينا" عن مدى شبهه بتشارلز دكنز وبالأخص ديفيد كوبرفيلد بطل روايته. إذ أنه لم يعرف أباه البايولوجي مثل كوبرفيلد. ربما لم يعمل تريفو في معمل الأصباغ كما عمل دكنز في شبابه إلا أنه شعر بحس مشابه بالظلم حول تربيته. ولم تعر أمه "جانين" انتباهاً له. أما جدته من أمه الذي كان قريباً منها فقد ماتت حين كان هو في العاشرة. وزوج أمه رونالد تريفو كان مهتماً بتسلق الجبال أكثر من اهتمامه بابنه الجديد.
كان تريفو في عطلات نهاية الاسبوع يترك وحيداً فيما يذهب أبواه إلى تسلق الجبال , كان تريفو الشاب يفضل "الدراجات والأفلام" في الخلوات الكبرى , زاده الثقافي يتكون من ثلاث روايات في الأسبوع وثلاث أفلام وظل ملتزماً بذلك بدقة قصوى خلال مراهقته , ومن كتابه المفضلين بلزاك ودوماس , بدأ هو وصديقه روبرت لاشيني بتأسيس جمعية الفيلم حين ما زالا مراهقين واستخدما أسلوب الحيلة ليحاولا أن يجعلا الجمعية ربحية. وزعموا أن جان كوكتو قد زارهما مرة وشاهد أحد العروض. وقد جاء الجمهور ودفع الكثير من أجل رؤيته إلا أنه لم يظهر لهم.
وقد وضع كاتبا سيرته وصفاً مروعاً لرونالد تريفو وهو يخبر الشرطة عن ابن زوجته. كان تريفو الشاب لصاً صغيراً تجمعت عليه ديون كثيرة. حاول رونالد أن ينتقم منه حتى لو تطلب الأمر إيداعه في السجن. وفي محاولة مضللة أدرج تريفو في خدمة الجيش لكنه ذهب إلى "أوول" بدلاً من مخاطرة إرساله إلى الهند الصينية مما أدى إلى سجنه. وحين كان في أوائل العشرين من عمره أصيب بالسفلس عدة مرات وصادق كاتب الأنفاق جان جينيه الذي عدت روايته "مذكرات لص" بيان لحياته الخاصة.
حاز تريفو على الشهرة بفيلمه "400 ضربة" – 1959 ويدور حول مراهق بائس هو "أنطوان دوينيل" (الذي أدى الدور جان بيير ليود). وفي ذلك الوقت طور "نظرية المؤلف" وهي مقترب مؤثر جداً في نقد الفيلم لكنها تعد نتاج نزواته الخاصة أكثر مما هي مؤسسة على قاعدة نظرية دقيقة. استعمل نظرية المؤلف للدفاع عن صناع الفيلم الذين أعجب بهم (من آبل غانس وحتى هيتشكوك) ولكي ينبذ أولئك الذين لم يعجبوه. كان تدريب تريفو على صنعة الفيلم قد رافق صنعته كصحفي وناقد. صادق المخرجين الذين أعجب بهم مثل رينوار وروسليني وقابلهم ولاحقهم وحاول العمل معهم، ولكي يمول فيلمه الأول رأى أن من المفيد له أن يتزوج مادلين مورغنشترن ابنة أحد أشهر الموزعين في باريس.
من الافضل مقارنة شخصية "دوينل" بطل فيلم "400 ضربة" مع الشخصية التي ظهرت مرة أخرى وأدى فيها الدور ليود أيضاً في أفلامه المتأخرة مثل "قبلات مسروقة" و " حب في المهرب". كانت شخصية المراهق الذي يشاهد على الشاشة لأول مرة يشبه المحارب: عدوانياً شرساً بينما الشخصية السينمائية البديلة لتريفو مختلفة حين كان شاباً: رجلاً متقلب الأهواء ورومانسياً.
من الواضح أن لتريفو شبهاً قوياً بلوشيان دي روبمريه البطل الطموح في رواية بلزاك العظيمة "الأوهام الضائعة" الذي صنع اسمه كصحفي في باريس لكنه خدع أولئك الذين كانوا قريبين منه وضحى بمثالياته. كما أنه من الواضح أيضاَ التناقض الشديد الكامن في هجوم تريفو على الأفلام المعدة عن الروايات الأدبية في مقالته المذكورة لأنه يكن حباً جماً للأدب والسينما. في أواخر الستينات حين اعتنق صديقه وزميله في الصنعة جان لوك غودار الماوية وبدأ يصنع أفلاماً برختية تمحص الذات استمر تريفو في اهتمامه بالأفلام الطويلة ويعد فيلمه "جيم وجول" – 1962 من أفضل أفلامه وهو معد عن رواية لهنري بيير روش وهو كاتب وفنان كبير في السن صادقه تريفور بعد ذلك.
هناك فيلم وثائقي بعنوان " اثنان في الموجة" أخرجه عمانوئيل لوران" ووضع السيناريو "دي بوكو" يحكي قصة الصداقة والتنافس بين تريفو وغودار وهما الشخصيتان الرئيسيتان في الموجة الفرنسية الجديدة. التقيا لأول مرة في أواخر الأربعينات حتي انقطعت العلاقة بينهما عام 1962 , تقدمت اعمالهما جنباً إلى جنب , يتذكر لوران قائلاً:" حين أخرج تريفو فيلم "جول وجيم" أجابه غودار بصنع فيلم "المرأة هي المرأة" وهي قصة من شخصيات ثلاثة". و حين صنع تريفو فيلم "الجلد الرقيق" صنع غودار فيلم "امرأة متزوجة". عن نفس الموضوع و ظلا يتحدثان ويحكيان الواحد للآخر من خلال أفلامهما .
حتى أن المخرجان استعانا بنفس الممثل وهو جان بيير ليود , أراد غودار أن يجد بديلاً لتريفو في أفلامه , قد نقول أن تريفو أنجب هذا الممثل كصبي لكن غودار حوله إلى مراهق إذ ارتقى ليود إلى الوعي السياسي .
الميزة الأخرى التي يشتركان بها المخرجان هن النساء , البداية هزلية في فيلم تريفو عام 1977 "الرجل الذي أحب امرأة" حين تلتفت المرأة التي تلبس الحداد في الجنازة إلى الشخصية الرئيسة إذ يمثل الفيلم نكتة المخرج عن مغامراته الرومانسية , وقائمة النساء اللاتي مثلن في أفلامه طويلة وتضم شخصيات مثل كاثرين دينوف ولسلي كارون وفاني آردان
إن الصداقة بين تريفو وغودار انهارت في فجر فيلم "النهار والليل" – 1973 وهو فيلم تريفو الذي فاز بجائزة الأوسكار حول صانع فيلم مهووس , وظن غودار أن تريفو كسدت بضاعته , وظن تريفو أن غودار دجال , ولم تكن هناك عودة إلى التقارب حتى مات تريفو أخيراً عام 1984 عن 52 عاماً.
كان تريفو شخصية متنافصة بافتراض أن معظم أفلامه متجذرة في حياته الخاصة فلا عجب أنها كانت متناقضة أيضاً , وفي الخمسينات أصبح ناقداً وعُدّ "الغصن اليانع" للصحافة السينمائية أو في الأقل هذا هو رأي المخرجين الكبار الذين كان يهاجمهم بعنف , ظل على رأس الموجة الجديدة و كان طموحاً إلى حد القسوة , وفي الوقت نفسه جرت الرقة والحنين خلال أعماله أيضاً , إنه الطفل البائس والمراهق الجامح الذي لم يفقد أبداً حس الشفقة أو تلك الغريزة المتجذرة دائماً تجاه الغرباء.
......................................
من اسرة ورشة سينما – خاص : العراق
و س 4-5 - 2011
المقال للأستفادة الشخصية وليس لأعادة النشر . جميع الحقوق محفوظة لورشة سينما . لايسمح بأعادة النشر الا بموافقة ادارة الموقع والكاتب صاحب المقال.اعادة النشر من دون موافقة يعد مخالفة قانونية لحقوق الملكية الفكرية والنشر
Cinema Workshop
ورشة سينما
