المخرج الألماني فيرنر هيرتسوغ : كل أفلامي الوثائقية ترتدي قناع الروائي
ترجمة: نجاح الجبيلي
هيرزوج
عمل المخرج الألماني فيرنر هيرتسوغ Werner Herzog في صناعة الأفلام منذ أربعين سنة وعند هذه النقطة تفوقت الأسطورة على الرجل ، في رهان مع إيرول موريس ، ينقذ الممثل يواخين فونيكس من سيارة انقلبت به، ويستمر في مقابلة على الهواء مباشرة بعد أن أصيب بطلقة من بندقية هوائية ("لم تكن رصاصة ذات أهمية")- تلك هي بعض الحكايات الواقعية غير القابلة للتصديق التي اشتهر بها , ولكونه من طليعة صانعي الأفلام الألمان في السبعينيات بضمنهم فيم فندرز وراينر فرنر فاسبندر صنع هيرتسوغ اسمه أصلاً في الأفلام التي عالجت الثيمة الكبرى عن الإنسان مقابل الطبيعة بضمنها كلاسيكياته مثل: أغويرا؛ غضب الرب؛ فيتسغارالدو؛ لغز كاسبار هاوسر؛ وستروزك. وفي الفترة الأخيرة ضرب توازناً بين الأفلام الوثائقية بأسلوب الشخص الأول مثل "الرجل الأشيب" و "مقابلات عند نهاية العالم" و الأفلام الروائية باللغة الإنكليزية مثل " لا يقهر" و "فجر الإنقاذ".
وآخر أفلامه الذي يحمل إشارة إلى اسم فيلم الإثارة البوليسي المثير للجدل عام 1992 "الملازم السيء" لآبل فيرارا جذب الفضول الشديد منذ أول إعلان له بسب إسناد بطولته إلى الممثل نيكولاس كيج. كما أن مقدمته انتشرت كالفايروس أيضاً وهي تعرض العديد من الخطوط الجديرة بأن يستشهد بها وصوراً غريبة من داخل معجم الثقافة الشعبية.
وفيلم "الملازم السيئ: بورت أوف كول* نيوأورليانزBad Lieutenant: Port Of Call New Orleans " هو فيلم إثارة مثل فيه كيج دور مخبر شرير يصارع شياطينه ويبحث عن العدالة في جريمة بسبب الإدمان من قبل المهاجرين السنغاليين وقد تحدث هيرتسوغ مؤخراً إلى صحيفة "كلوب آي في" عن نيكولاس كيج ونيوأورليانز و"مدرسة الفيلم المختلف" Rogue Film School الجديدة الخاصة به.
عند التفكير بفيلمك "الملازم السيء" بالعلاقة مع أفلامك الأخرى يبدو أن اهتمامك بالمكان (الموقع) يمتلك صفة مشتركة واحدة. فإذا ما صور الفيلم في مكان غير نيوأورليانز مثل ديترويت ،كما في النسخة الأصلية، فهل يثير اهتمامك أكثر؟
حدث شيء غريب لأنه يتعلق بثلاث نواح، فكل الناس تجمعت في نيوأورليانز. تلقيت مكالمة من المنتج آفي ليرنر وكانت نوعاً من الاعتذار إذ قال:" فيرنر يجب أن نصور في لويزيانا ، نصور في أورليانز لأننا لا نملك مالاً كثيراً وسوف نحصل على حوافز ضريبية كثيرة فقلت له:" آفي، لا نستطيع أن نحصل أفضل منها". اعتقد أن هذه أفضل بكثير من أي مدينة أخرى لأن الإعصار حطمها وانهارت الكياسة وأول ما عادت هي الجريمة. ولكونه مجهولاً لي ولآفي ليرنر فقد كافح نيكولايس كيج من أجل نيوأورليانز أيضاً لأنه من الواضح أنها مكان مهم جداً بالنسبة له. وهو يحب سلاستها وموسيقاها لهذا فجأة ومن جميع الجهات اندفعنا إلى نيوأورليانز واعتقدنا أن الآخرين ضدها.
قبل صنع الفيلم هل ذهبت إلى نيوأورليانز بعد اعصار كاترينا؟
لا لم أذهب أبداً. بالطبع عرفت عن المدينة ورأيتها الصور وعرفت الكثير عنها لكني لم أكن هناك سابقاً.
وما أن ذهبت هناك كيف أردت أن تكون المدينة جزء من الفيلم؟
كان من الواضح بأنني لن أذهب من أجل كلائش البطاقات البريدية لهذا لن ترى في هذا الفيلم الحي الفرنسي أو نوادي الجاز في الرابعة فجراً أو شيء مثل دين الفودو أو الجاز أو أياً كان. كل الكلائش كانت خارج الفيلم. كان لديّ القليل جداً من الوقت من أجل مرحلة ما قبل الإنتاج.كان عليّ أن أعثر على 40 موقعاً في حدود ثلاثة أو أربعة أسابيع و أن أوزع 35 دوراً متكلماً وأضع معاً طاقماً في فترة قصيرة من الزمن لهذا اندفعت مع الناس الذين يعرفون المدينة جيداً وأشاروا إلى أماكن معينة وكان عليّ أن اختار بمنتهى السرعة.
في الماضي لم تكن تخطط لعمل أفلام صنف مثل هذا. هل كنت مرتاحاً في التعامل مع العناصر الإجرائية لفيلم "الملازم السيئ"؟ هل كانت فرصة لإعادة اكتشاف الإثارة البوليسية بطريقتك الخاصة؟
لا أعلم إن كان حقاً فيلم صنف. ظاهرياً يبدو كذلك لكني لدي تجربة قليلة في أفلام الإثارة البوليسية لأني نادراً ما أرى واحدة منها في حياتي.(يضحك). لهذا لا أستطيع حتى أن أناقش لكن بطبيعة الحال وبطريقة ما فهو ينتمي إلى صنف معين. هامشياً. اعتقد أنك تطلب مني الكثير جداً لأن معرفتي محدودة.
ليس لديّ منحني تعليمي عن ذلك. لم يكن ثمة وقت لمنحنيات التعليم. لكن لا يهم. أنت ترى انك تستطيع أن ترمي أي شيء عليّ وسوف أتغلب عليه (يضحك). إنها متعة كبيرة صناعة هذا الفيلم وكان هناك شعور بشيء مرح في الوقت نفسه. متى ما بدأنا بمشهد حتى عرفنا إلى حد ما بأننا توغلنا فيه إذ كان على وشك أن يصبح أمراً يبعث على المرح.
لهذا رأيته حقاً كونه كوميديا سوداء أكثر منها فيلم إثارة إجرائي؟
كان لديّ الشعور بينما كنت أصوره بأن الجمهور سوف يقدره أخيراً إذ أن في أفلامي أحياناً الكثير من الكوميديا السوداء..
وهل أنت سعيد بذلك؟
بالطبع. لا يمكن أن يكون الحال أفضل من ذلك.
تمثيل نيكولاس كيج متحرر وغير مقيد. أي نوع من المحادثات عقدتها معه كي يتولى تمثيل هذا الدور؟ كيف تصف علاقتك في العمل ما أن تكون في موقع التصوير؟
علاقتنا في العمل تأسست من خلال الهاتف الخلوي. وفي محادثة معه وكان في استراليا اتفقنا على العمل. من الواضح أنه كان يريد أن يمثل في الفيلم لكن بشرط أن أكون أنا موافقاً لهذا فهناك علاقة من الثقة المشتركة قبل أن يرى أحدنا الآخر. واعتبرناها إساءة أن ينظر الواحد إلى عمل الآخر ولم يكن يصادف لنا أنه يجب أن نعمل سوياً.(يضحك). لهذا كان الأمر نوعاً من الإساءة. فجأة بدا أننا يجب أن نفعل هذا. ثم بطبيعة الحال... ماذا كان سؤالك؟ نسيت قليلاً آسف.
ماذا قلت له عن كيفية أداء الشخصية؟
أنت ترى أنه مع الممثلين عادة لا أرغب أن أجري أي حديث عن الخلفية وردود الأفعال. اعتقد أنه في اليوم الأول والثاني من التصوير جاءني نيكولاس وهو رجل خجول وقال:"فرنر أنا أعلم أنك تكره ذلك النوع من أسئلة "ستوديو ممثلي لي ستراسبورغ" حول رد الفعل لكن ما الذي يجعله في منتهى السوء؟ هل هي المخدرات؟ هل هو إعصار كاترينا؟ هل هي جروحه؟ وقلت:" نعم. دعنا لا نناقش ذلك. لكن هناك أشياء مثل السعادة في الشر. دعنا ندخل مباشرة. متع نفسك قدر ما تستطيع. افعل أسوأ الأشياء، أحقر الأشياء وأوضعها لكن متع نفسك لأن الجمهور إلى حد ما سيشارك ، كما آمل، في مؤامرة سرية معك إذ أننا أحياناً نحب أن نكون شريرين ووضيعين". إنها متعة سرية وذلك يجعل الأمر في غاية المرح كما اعتقد.
الشر من أجل مصلحته؟
بالتأكيد. وثم كانت ثمة لحظات - وبعضها أشد روعة في أدائه- إذ فهمت أنه احتاج إلى أن يكون مثل الموسيقى وكان عليّ أن أعطيه المكان والزمان والإمكانية لأداء مشاهد وحشية. مثلاً حين أرعب امرأتين كبيرتي السن ببندقيته وكان ذلك فقط مكتوباً جزئياً. وانتهى الأمر بارتجال هائج.
الأمر المدهش الآخر حول مشهد معين حول ماكنة الحلاقة الكهربائية. من أين جاء ذلك؟
(ضحك). نعم. كانت تلك فكرته أيضاً. أحياناً كان يأتي بأمور - في أغلب الأحيان إنه عمل دقيق منضبط وأحياناً كانت هناك لحظات يتوجب عليه فيها أن يكشف شيئاً. أنت ترى ذلك هو جمال صناعة الفيلم. عليك أن تحس أين يحتاج الممثل إلى الكثير من الفضاء وسوف أقول له:" نيكولاس هذا المشهد مكتوب كذلك. نحن نعرف الحوار، نحن نعرف الحركة لكن هذا مشهد يتوجب عليك أن ترتجل فيه.
وهل تعتقد أن لديك الرخصة نفسها حينئذ كصانع فيلم؟ إذا ما ارتجل هل تفعل أنت هذه الأمور مع الكاميرا مع أنك لا تميل إلى عملها بطريقة أخرى؟
نعم. أنا ارتجلت حين صورت حيوانات الإغوانا. أنا الذي صورته ولم يكن في السيناريو وهذا مرة أخرى هو جمال صناعة الأفلام. تستطيع أن تكتشف. واعتقد أن أسوأ شيء يمكن أن يحدث في صناعة الأفلام هو العمل على "سكتشات تلخيص الحبكة the storyboard" وذلك يقتل كل الحدس والفنتازيا والإبداع.
أفلامك الوثائقية تمتلك صفة الاستطرادية والتحري التي تؤدي إلى الرؤى المدهشة. فهل تمتلك مقاربة مشابهة بالنسبة للأفلام الروائية؟ إلى أي مدى تريد التحضير مسبقاً وإلى أي درجة تدع العملية تأخذك إلى مكان آخر؟
يجب أن يكون في ذهنك أن كل أفلامي الوثائقية ترتدي قناع الروائي. لأني أطبق أسلوباً معيناً واكتشف هناك الكثير من الفنتازيا لا لخلق خداع لكن، العكس بالضبط، لخلق شكل أعمق من الحقيقة التي لا علاقة لها بالواقع.
من النادر أن تمنحك الوقائع أي حقيقة وذلك هو خطأ السينما الوثائقية لأنهم دائماً يطالبون بأن تكون الوقائع هي الحقيقة. في هذه الحالة يكون جوابي أن دليل هواتف منهاتن هو كتاب الكتب. لأنه يحتوي على 4 ملايين مدخل وكلها صحيحة في الواقع لكنها لا تنورنا. أنت ترى أنني أفعل الأشياء كي أخلق لحظات تنورك كونك من الجمهور والشيء نفسه يحدث مع الأفلام الروائية أيضاً.
الخط بين الصنفين ليس واضحاً كما يفترض الناس
نعم. بالتأكيد ولا أهتم إن كان هناك خط فاصل أم لا.
لهذا فإن التسجيل في "مدرسة الفيلم المختلف" يحتمل أن يكون مستمرا. ما الذي أوحى بالفكرة؟ وكيف كانت ردود الفعل حتى الآن؟
بودي الحديث عن مدرسة سينمائية مختلفة لفترة طويلة. قلت لمدة عشرين سنة في الأقل بأننا يجب أن يكون لدينا نوع مختلف، مدرسة فيلم من نوع حرب العصابات إذ لا تتعلم فيها أية أشياء محددة. من أجل ذلك عليك أن تسجل في مدرسة فيلم محلية. أنها أكثر منها موقف أو اتجاه وإذا ما قرأت ما كتبته عن "مدرسة الفيلم المختلف" في الانترنت يكون من الواضح أن هذا شيء مختلف و أكثر تركيزاً وسوف نتحدث عن أمور لن تعملها أبداً في مدرسة فيلم. موقف مختلف. كيف تلتقط خصلات وكيف تصوغ وثيقة وكيف تبقي على الأشياء التي هي غير متوقعة الحدوث.
لهذا فإنها نوع محدد من الروح وذلك هو السبب مثلاً أني أعطيت قائمة مقترحة للقراءة. وتحتوي هذه القائمة على قصيدة "فيرجيل" "جيورجيكس" التي لم يقرأها أي شخص لكنها كانت في غاية الأهمية بالنسبة لفيلمي في القطب الجنوبي " "مواجهات عند نهاية العالم" وتحتوي على شعر إيسلندي عمره ألف سنة. وذلك في المطاف الأخير سوف يجعلك صانعا لفيلم لا فقط ما تعرفه تقنياً عنه.
وهل كانت الاستجابة جيدة حتى الآن؟
جيدة جداً. نوع من الجنون. العديد من المسجلين. طوفان لأنهم كلهم أرسلوا أقراص دي في دي عليها أفلامهم القصيرة لهذا كان عليّ أن أشاهدها كلها. كل فيلم بصورة جدية. درست تطبيقاتهم وماذا كتبوا فيها ودققت اقراص الدي في دي وكان اثنان آخران يدققون بالتوازي لأني أرغب على الحصول على تقييم خارجي. أصبح الأمر مثيرا للاهتمام وثمة العديد من الأسئلة جاءت لي لأني أضفت يوماً أخر لهذه الحلقة الدراسية.
........................................
من اسرة ورشة سينما - خاص : العراق
و س 15 -8-2010
المقال للأستفادة الشخصية وليس لأعادة النشر . جميع الحقوق محفوظة لورشة سينما . لايسمح بأعادة النشر الا بموافقة ادارة الموقع والكاتب صاحب المقال.اعادة النشر من دون موافقة يعد مخالفة قانونية لحقوق الملكية الفكرية والنشر
شارك برأيك
Cinema Workshop
ورشة سينما
