سينما القارات

 

فيلمان عن تجربة فرنسا في الجزائر يثيران جروح الماضي من جديد

الناقد السينمائي ستيفن إيرنالجن

ترجمة: نجاح الجبيلي

بمناسبة عرض فيلمين عن التجربة الفرنسية في الجزائر

إن تجربة الاستعمار الفرنسي في الجزائر الموسومة بالحرب والإرهاب والتعذيب هي جرح لن يلتئم أبداً فالغضب والذنب حول الجزائر يثير بعض القلق اليوم حول المهاجرين وضواحي المسلمين وقلق الفرنسيين حول الهوية الوطنية والإسلام الأصولي وحجاب النساء.

وشعرت فرنسا مؤخراً بالغضب والتأثر بسبب عرض فيلمين عن الجزائر ومواجهة فرنسا لماضيها الاستعماري, ولا يمكن أن يكون الفيلمان أكثر اختلافاً، فالأول وهو من إخراج رشيد بوشارب الفرنسي من أصول جزائرية هو تخييل تاريخي غاضب حول كفاح الجزائر من أجل الاستقلال والآخر هو للمخرج زافي بيفوا ويدور حول المعتقد والورع الدينيين .

لكن كلا الفيلمين يدوران في فترة العنف فالأول حين بدأ مقاتلو الاستقلال الجزائري أو جبهة التحرير الوطنية – وهم أرهابيون في نظر فرنسا- صراعاً دموياً خطيراً لإسقاط الحكم الفرنسي والفيلم الثاني حين يحكم الأصوليون الاسلاميون في الجزائر ويحاولون أن يستولوا على السلطة بالحرب الأهلية مما أدى بالسلطات الجزائرية نفسها إلى سحقهم.

الفيلم الأول يقدم الشهداء الجزائريين والآخر الشهداء الفرنسيين. كلاهما غير متوزان على نحو ملحوظ ويستعمل "الآخر" كدمية في دراما تاريخية. أحدهما يمجد الجريمة والإرهاب باسم حرية الجزائر وعدالتها بينما الآخر ،الذي يدور في منتصف التسعينات، يبدو مرتعباً من الدين المخلوط بالسياسة الجزائرية الذي يجدّ في تبرير الجريمة والإرهاب.

ومع ذلك فإن كلا الفيلمين قد جرى اختيارهما من قبل بلديهما، فرنسا والجزائر، كي يمثلاهما في ترشيحات جوائز الأكاديمية (الأوسكار) كأحسن فيلم أجنبي والتي تعلن في السابع والعشرين من شباط .

يقول بنجامين ستورا أحد المؤرخين البارزين في فرنسا عن الجزائر والاستعمار الفرنسي:"إنه جرح. الجزائر هي فرنسا إنها جزء من تاريخ القومية الفرنسية. تستمر الجزائر في إقلاق الناس وما تزال تقلق المجتمع الفرنسي".

إن فيلم "عن الآلهة والرجال" للسيد بيفوا هو دراما هادئة تأملية حول المعتقد لكنه في الافتتاح بيع أكثر من مليونين بطاقة هنا في غضون خمسة أسابيع ( وسوف يفتتح في نيويورك في 25 شباط). ويمثل فيه خيرة الممثلين في فرنسا بضمنهم ميشيل لونسادل ولامبر ولسون في قصة حقيقية عن تسعة رهبان من الترابست (رهبان كاثوليك سمّوا كذلك نسبة إلى دير "تراب" في فرنسا-م) الذين يعيشون وسط الفقراء الجزائرين في دير "تبحيرين" في الجزائر الذين قرروا أن يبقوا على الرغم من أنهم أحسوا بالخطر المتزايد وفي آذار عام 1996 تم خطف سبعة منهم خلال الحرب الأهلية الجزائرية وظلوا لمدة شهرين ثم وجدوا مقتولين ومقطعي الرؤوس في آيار من السنة نفسها.

 بقيت تفاصيل خطفهم وموتهم غير واضحة على الرغم من أن الجماعة الإسلامية المسلحة ادعت مسؤوليتها عن مقتلهم.

مسّ الفيلم شيئاً ما عميقاً في فرنسا وهي البلد الذي يعتنق بصورة كبيرة مذهب الرومانية الكاثوليكية والذي يفتخر بعلمانيته الدستورية لكنه مسكون أيضاً بفقدان الإيثار والإخلاص.

وقالت صحيفة اللوموند "إن رهبان تبحيرين يجسدون كل شيء لم يعد يجده العامة  من اليسار إلى اليمين في المجتمع – نبل الروح حس التضحية والحرية والإخلاص والبيئة اليومية والتأمل والتفكر بالموت". وقالت صحيفة لكسبريس أن الفيلم "يقدم رد فعل مهم على الإرهابيين كما للجنود بينما يظهر عذاب أولئك الذين يرفضون منطق الحرب". أما صحيفة "لو فيغارو" فقد قالت بحدة بأن الفيلم يعالج القلق المعاصر المتمثل بـ" المد الإسلامي وأوضاع المسيحيين في العالم الإسلامي بصورة عامة"

وبينما تكون الجريمة ملازمة للحكاية، والرهبان أنفسهم يتكلمون عن معنى التضحية التي يشعرون بها قادمة فإن الفيلم جميل لا يهتم بالسياسة على نحو غريب. إنه يبدو جاهلاً جداً بالمزرعة الكولونيالية التي يمثلها الرهبان بعد عدة سنوات من حصول الجزائر على استقلالها ومحاولات تحويل الناس التي تمثلها الرومان الكاثوليك. إنه الوضوح الغريب في بلد فقير مقسم حيث الجهاد في حالة نشوء كاستجابة سياسية للريفيين أنفسم الذين يعيش بينهم الرهبان بسعادة وعلى نحو متهور واضح.

أما فيلم "خارج القانون" فهو عمل أبسط وفيلم حركة مع الكثير من الضجيج والملل والدم. وجرى افتتاحه في تشرين الثاني في نيويورك وحين عرض لأول مرة في مهرجان كان السينمائي تمركزت شرطة مكافحة الشغب قريباً كي تتعامل مع المتظاهرين الغاضبين الفرنسيين و فشل الفيلم تجارياً في فرنسا.

أطلقت عليه صحيفة "لوباريسين" "الفيلم المزعج" لأنه وجه اتهاماً غاضباً وخشناً للحكم الاستعماري الفرنسي إذ يفتتح بمذبحة آيار عام 1945 بحق المدنيين الجزائريين المجردين من السلاح الذين رأوا نهاية الحرب العالمية الثانية كما رآها العديد من سكان أفريقيا والهند الصينية كونها علامة على نهاية الإمبراطورية الفرنسية.

أخيراً حصلت الجزائر على استقلالها عام 1962 بعد حرب هزت فرنسا وأسقطت الجمهورية الرابعة والتي سببت في الهجرة الجماعية إلى فرنسا من قبل حوالي مليون من المواطنين الفرنسيين في الجزائر وفي الأقل 100000 من المناصرين الجزائريين للحكم الفرنسي .

يقدم الفيلم ثلاثة ممثلين فرنسيين لطيفين من أصل أفريقي (غير جزائريين) يؤدون دور ثلاثة أخوة ناجين من مذبحة "سطيف" – التي توصف كونها فعلا بربريا دمويا بحق المدنيين العزّل الذين جرى صفّهم على حائط وأطلقت عليهم النار من وراء الرأس. يهاجر الأخوة الثلاثة إلى فرنسا إذ يناصروا الثورة الجزائرية ويجمعون المال ويهاجمون الشرطة الفرنسية وأعدائهم من الجزائريين المعتدلين.  

إن قصة قتال جبهة التحرير الجزائرية داخل فرنسا غير معروفة إلا قليلاً وقصة الأخوة الثلاثة تلفت الانتباه. لكن السيد بوشارب حاول أن يقارن نضال جبهة التحرير الجزائرية بالمقاومة الفرنسية ضد النازية مما أثار الجدل حول ذلك وأثار غضب النقاد الفرنسيين. 

ورفض السيد بوشارب الاحتجاجات كونها تدول على الجهل وقال أن الفيلم يدور حول "الظلم" وأخبر المراسلين في "كان" بأن "الفيلم هو لعلماء الاجتماع وبقية الخبراء كي يوضحوا سبب أن الناس في فرنسا يجدون أنه من الصعب إثارة الماضي" وكأن الماضي كان بالوضوح الذي لا يوجد في السياسة الحالية.

وبالنسبة للسيد ستورا المؤرخ فإن الفيلم يثير مختلف الجدالات حول السياسة والتضحية والمعتقد. لكنه يقول أن "الجزائر غائبة في كلا الفيلمين".

ويضيف أن الجزائر ليست فيتنام بالنسبة لفرنسا بل هي شيء  أكثر رسوخاً. فرنسا الآن تصبح متورطة قليلاً بهذا الجزء من تاريخها مع وجود الكثير من الأفلام الوثائقية في التلفزيون لكنها لا تستطيع أن ترى مأساتها متجسدة في الشاشة الكبيرة".

  عن صحيفة نيويورك تايمز: 

................................

وس 23-5-2011

 المقال للأستفادة الشخصية وليس لأعادة النشر . جميع الحقوق محفوظة لورشة سينما . لايسمح بأعادة النشر الا بموافقة ادارة الموقع والكاتب صاحب المقال.اعادة النشر من دون موافقة يعد مخالفة قانونية لحقوق الملكية الفكرية والنشر

 

 



Name:*
E-mail Address:*
Message:*
 
Please enter the code:

Note: Fields marked with * are required.