فيلم ""الصبي ذو البيجاما المخططة"" :العودة الى  الهولوكست

 

من افضل الافلام المناهضة لتاريخ الهولوكست بعد فيلم رومان بولانسكي ( عازف البيانو )

 

هادي ياسين

بعد ثلاث روايات متنوعة المواضيع ، لم تلفت الإنتباه الى كاتبها كثيراً ، انعطف  الروائي الإيرلندي جون بوين انعطافة مختلفة في مسار رواياته، عندما أصدر عام 2006  رواية حملت عنوان الصبي ذو البيجاما المخططة ، و هو عنوان قد يوحي أن الرواية ذات مضمون شعبي فولكلوري ، غير انها ليست كذلك .

 والواقع أن هذه الإنعاطفة لا تلامس الجانب الفني في المسار الروائي لدى جون بوين ، بل تلامس الموضوع الذي انعطف نحوه هذه المرة ، و هو موضوع الهولوكوست , فالكاتب الموهوب عرف كيف يدير اليه اعناق المروجين للأعمال الأدبية في السوق هذه المرة .

غير أن جون بوين أصبح في وسط  بقعة الضوء الباهر ـ مباشرة ـ  عام 2008 ، عندما أقدمت شركة MIRAMAX  الأمريكية للأفلام و شركة الأفلام التابعة لمحطة BBC  البريطانية على تحويل رواية الصبي ذو البيجاما المخططة  الى فيلم سينمائي طويل حمل عنوان الرواية ذاته , و بهذا صعد نجم  بوين  حالاً ، و احتل اسمه و روايته صدر الصحافة الأدبية و الفنية و وسائل الإعلام ، كجزء من حملة الترويج للموضوع الأثير و الحساس الذي تشتغل عليه امبراطورية الإعلام في الغرب , و بذلك ارتفعت مبيعات الرواية الى أكثر من خمسة ملايين نسخة ، و تمت ترجمتها الى العديد من اللغات في مختلف أنحاء العالم .

بطبيعة الحال فأن الرواية تحمل ادانة صريحة و معروفة للنازية ، ولكنها تحمل أيضاً  ادانة ضمنية للعنصرية و الحروب برمتها من خلال تلك الإدانة , و هو أمر ليس جديداً ، ولن يتغير ، ولكن الجديد في الرواية هو تناولها لموضوعة الهولوكوست من زاوية مختلفة و غير مطروقة من قبل , زاوية طريفة و انسانية ، دخل من خلالها جون بوين ليلفت الإنتباه اليه والى طريقة تناوله غير المعتادة  للموضوع المعتاد , الأمر الذي سهل على الفيلم طريقة الترويج للموضوع الذي ربما بات مملاً في سوق السينما , خصوصاً و أنه قد مرت سنوات و لم يأت فيلم يتناول موضوعة الهولوكوست  بمستوى فيلم عازف البيانو الذي خطف جائزة الأوسكار ، عام 2003  ، لـ  رومان بولانسكي  كأفضل مخرج  و لـ أدريان برودي  كأفضل ممثل ، أضافة الى جائزة أفضل سيناريو .

و كما هو معروف فأن معظم أفلام الهولوكوست  لا تحتاج ـ عادة ـ  الى ميزانيات ضخمة و لا ديكورات خاصة ، ذلك أن معظم مشاهد هذه الأفلام تدور في أماكن كانت مسرحاً للمعتقلات النازية التي هي عادة بنايات قديمة ، كما أن مرحلة النازية ليست بعيدة من الناحية الزمنية ، ما يعني أن البناء المعماري لمرحلتها  ما يزال قائماً و من السهولة استخدامه . و بساطة تكاليف الإنتاج هذه تنطبق بصورة جلية على فيلم الصبي ذو البيجاما المخططة . ذلك أن مشاهده تتوزع بين بيت ريفي ضخم قديم ، و بين زاوية واحدة عند طرف معسكر نازي ، أما الأزياء فتكاد لا تتغير على مدى مشاهد الفيلم التي استغرقت ساعة و ثلاثة و ثلاثين دقيقة .

المختلف في مضمون الرواية ، كما في الفيلم ، أن محورها صبيان في الثامنة من عمريهما ، أحدهما يهودي اسمه ( شموييل ) يعيش في معسكر الإعتقال النازي ، و الثاني ـ و اسمه ( برونو ) ـ هو ابن الضابط الآلماني النازي المسؤول عن هذا المعسكر ، يلتقيان عند أسلاكه الشائكة ، و يتصادقان حتى الموت .

انها مفارقة طريفة تحمل رسالة ادانة للحرب و للنزعات العنصرية و عمليات قتل الحياة تحت عناوين و ذرائع غير انسانية لا تلحق بالبشرية غير الدمار . ولكن هذه المفارقة تحمل رسالة أخرى أكثر وضوحاً عن الدرس الإنساني و الأخلاقي البليغ الذي على كل متجبر أن يفهمه ، و هو : أن من الممكن جداً أن يسقط المتجبر في ذات القبر الذي حفره للضحية . و هو الأمر الذي تنتهي اليه الرواية و ينتهي الفيلم .

تبدأ الأحداث في برلين ، عندما يعود الصبي برونو  أسا بوترفيلد من المدرسة مع أقرانه ، و هم يركضون في الشوارع ، و حال وصوله الى المنزل يلاحظ حركة غير اعتيادية هناك و يفهم من أهله أن أبيه قد ترقى الى منصب أعلى و أنهم سوف يغادرون و يقيمون خارج برلين . و يشرح له أبوه رالف ( ديفيد ثي ويلز) أن الجميع يجب أن يلبوا نداء الوطن عندما يستدعيهم الى واجب . و تؤيد الأم السا ( فيرا فارميغا ) ما ذهب اليه الأب ، غير أن الصبي بدا ممتعضاً لأنه سيُحرم من أصدقائه الذين يحبهم . ثم يشهد المنزل الكبير حفل وداع حضره جمع كبير من الأهل و الأصدقاء ، و في مقدمتهم والد الضابط  ريتشارد جونسون  ذو النزعة النازية  و والدته ناتالي ( شييلا هانكوك ) و التي هي غير راضية عن مهنة إبنها ، و ذلك في اشارة ضمنية الى أنه لم يكن جميع الشعب الآلماني متعاطفاً أو مؤيداً للنازية . ثم تنتقل العائلة الى بولندا ( الرواية تذكر ذلك ، لكن الفيلم لم يشر اليه ) . و هناك يتولى الضابط رالف الإشراف العام على معسكر أوشفيتز النازي لإعتقال اليهود ، وذلك هو المنصب الذي مُنح إياه بأمر مباشر من هتلر .

يقع المنزل الكبير الجديد في الريف ، و هو منقطع عن المدينة ، وليست هناك مدرسة ، أي ليس هناك أصدقاء للصبي الذي يفتقد أصدقاءه ، الأمر الذي أثار حنقه ، ولم يقتنع مطلقاً بوجود معلم يأتي خصيصاً لتعليمه هو و شقيقته جريتل ( أمبر بيتيه ) ، ثم يتبين أن المادة الأساسية التي يركز عليها المعلم  هي مادة التاريخ ، و من خلالها يركز على اليهود كأعداء خربوا الثقافة في آلمانيا ، حين أساءوا الى الأدب و الموسيقى فيها ، و تعاونوا مع الأعداء و شوهوا التاريخ الآلماني . و بالتالي فهم شياطين . فيما كانت جريتل متحمسة لطروحات المعلم  ، بدات توضح  الصورة بطريقة أكثر تبسيطاً لشقيقها ، بل أنها كشفت عن حماسها النازي ـ على غرار أبيها ـ  بتزيين جدران غرفتها بالصور النازية ، و في مقدمتها صورة هتلر.

 أما البيت الكبير يلاحظ  برونو أن الخادم بافل ( ديفيد هايمان ) ـ الذي يقضي وقته في تقشير البطاطا ـ يرتدي بيجاما تحت بنطاله و يسأل عن سر ذلك ولكنه لم يتلق اجابة ً عن سؤاله .

غير أن غياب الأصدقاء ، و عدم وجود مدرسة ، و عزلة البيت الذي تملؤه حركة الجنود ، يدفع بالصبي الى البحث عن حل ، فيكتشف وجود منفذ من خلال شباك يسع حجمه خلف المنزل . و منه يخرج للتجوال في المحيط  ، و هو الأمر غير المسموح به ، فيصل ـ صدفة ً ـ الى  سياج من الأسلاك الشائكة ، و هناك يلاحظ وجود صبي ـ في مثل سنه ـ جالساً خلف قوالب اسمنتية مطأطأ الرأس . و يثيره أنه يلبس ذات البيجاما المخططة التي يرتديها الخادم ، فيعرف منه أنه يهودي و أن اسمه شموييل ( جاك سكانلون ) و أن هذا المكان هو معتقل لليهود . و من هنا تبدأ صداقة بين الأثنين ، و راح ( برونو) يسرق الحلويات و الطعام من المنزل يومياً للصبي اليهودي الذي بات ينتظره في المكان ذاته .

غير أن تحولاً مفاجئاً في موقف الأم من وظيفة زوجها ، يقلب استقرار البيت رأساً على عقب ، ذلك أنها تشتم ـ ذات يوم ـ رائحة كريهة ، و ثمة دخان يتعالى من مكان ليس بعيداً عن المنزل ، و تعرف من مساعد زوجها ، الليوتنانت كوتلر ( روبرت فريند ) ، أن الرائحة مبعثها المحرقة . هنا تستشيط غضباً حين تدرك أن وظيفة زوجها هي الإشراف على معتقل لليهود ، و بالتالي فأنه هو الذي يصدر أوامر حرقهم . فتحتد في وجه زوجها ، ليبدأ الخلاف بينهما على مفهوم الوطنية و الحرب ، و في ذلك اشارة ثانية الى أن الآلمان لم يكونوا جميعهم مقتنعين بأفعال النازيين . و حين تتوفى والدة  رالف ـ غير الراضية عن وظيفة ابنها ـ تلاحظ الزوجة السا ـ أثناء مراسم الدفن ـ أن باقة الورد الموضوعة على القبرموقعة باسم هتلر فتحتد و تهم برفعها ، و تخبر رالف أن أمه لم تكن راضية عن هتلر ، غير أن زوجها يمسك يدها و يمنعها ، بحركة خفية ، لما في خطوة زوجته من تهديد على وظيفته ، و ربما على حياته . و ثمة اشارة ثالثة الى هذه النقطة ، فعلى المائدة التي أقامتها العائلة على شرف والد رالف الذي حضر لزيارة ابنه من دون زوجته المتعللة بالمرض ، يدور حديث بينه و بين كوتلر مساعد ابنه ، فيعرف منه أن والده كان استاذاً للأدب في الجامعة ، و حين يسأله عما  اذا كان ما يزال مستمراً في التدريس ، فيجيبه : في الحقيقة ، لا أعرف و وسط استغراب رالف و أبيه يجيب كوتلر أن والده غادر الى سويسرا منذ نحو أربع سنوات . و هذا يعني ـ بطبيعة الحال ـ موقفاً مناوئاً من النازية ، و هو ما أدي بالتالي الى طرد كوتلر ، لأنه لا يجوز ـ في مثل هذه الأنظمة ـ أن يبقى في وظيفته من كان أبوه أو أحد أقاربه مناوئاً للنظام . و لقد كان معروفاً أن معظم المثقفين و المبدعين الآلمان المناوئين للنازية كانت وجهتهم سويسرا .

غير أن الضربة الأساسية التي تصل من خلالها الرواية ـ و من ثم الفيلم ـ الى الدرس البليغ المراد ايصاله ، هي رغبة  برونو  في أن يرتدي بيجاما كالتي يرتديها  شموييل  و أن يدخل المعسكر ليتعرف على طبيعة الحياة فيه  و ليساعد شموييل  في البحث عن أبيه ، و الذي كان قد أخبره عن فقدانه . فيعده  شموييل باحضار بيجاما له ..  فهناك الكثير منها .

في ذلك الأثناء ، كان الإحتدام بين رالف و زوجته  السا قد بلغ حداً قرر من خلاله أن يرحّـل عائلته . و قد صادف يوم الرحيل هو اليوم ذاته الذي جلب شموييل  البيجاما فيه الى برونو الذي كان قد جلب معه ما يحفر به حفرة ليمر من خلالها تحت الأسلاك .

 و في المعسكر ـ حيث تبدأ السماء بالرعد و البرق و المطر ـ  يدفع الجنود النازيون جميع المعتقلين الى الداخل ، بما فيهم برونو  الصبي ذو البيجاما المخططة  ، و يُحشر الجميع في ممر ، و يؤمرون بخلع بيجاماتهم ، ليتعرّوا تماماً ، ثم يُحشرون في مكان غامض ـ في مشهد رهيب ـ و يـُقفل خلفهم الباب . إنها المحرقة .

و بعد البحث عن برونو  لغرض الرحيل .. و من ثم العثورعلى ثيابه عند الأسلاك ، حيث الحفرة التي عبر منها . يدرك  رالف ، المشرف على المحرقة ، حقيقة القبر الذي حفره لأخيه الإنسان .. ليقع هو فيه . 

الجدل الدائم بين النص الاصلي والعمل السينمائي

من الواضح أن الفكرة طريفة و مثيرة و جديدة في تناول موضوعة  الهولوكوست ، ولكنني أعتقد أن جون بوين  قد وظف قصة شعبية لصالح روايته ، و قد كان ذكياً . غير أن المشاهد للفيلم ، و ربما القارئ للرواية ، سيكتشف ثمة أخطاء فنية لا يمكن غض النظر عنها ، و ذلك بالتساؤل :

لماذا كان شموييل هو الصبي الوحيد الذي يتواجد عند الأسلاك الشائكة لمعسكر الإعتقال ؟ أما كان بالإمكان أيجاد بضعة صبيان سواه ، كي لا يثار هذا التساؤل و من ثم التشكيك بمصداقية الفيلم ؟

 لأنه من الممكن أن نعذر الروائي الذي لم يعر هذه النقطة أهمية ، ولكن بما أن الفيلم ينتمي الى فن بصري حركي فأن على المخرج  مارك هيرمان  أن يجيب على هذا التساؤل .

من المعروف أيضاً أن جميع المعتقلين ـ على الإطلاق ـ حليقوا الرؤوس ، لغرض تمييزهم ، ألم يلفت نظر جنود المعسكر النازي ، الحذرين دائماً ، أن تحت طاقية برونو  شعراً طويلاً مخفياً و قد بانت أطرافه ؟

اذا كانت احداث الرواية تدور في  بولندا  فكيف تم الحوار بين صبي بولندي شموييل  و آخر آلماني  برونو  ؟ هل تكفي اشارة الراوي الى تنويه  شموييل  بأن أمه من أصل آلماني ؟ . هذه نقطة تُسجل على الروائي . ولكن المخرج قد تجاوزها ، تلقائياً ، بجعل لغة الفيلم هي الإنجليزية .

غير أن المخرج لم يكن موفقاً في تصميم حجم الحفرة التي مرق من خلالها الصبي  برونو  تحت أسلاك ٍ معروف عنها أنها مكهربة  في مثل هذه المعسكرات ، بل أن هذه الكهرباء أكدها المخرج ذاته حين جعل الصبي برونو يرمي ـ بصورة عفوية ـ قطعة حديدية نحو الأسلاك فيحدث أزيز كهربائي نتيجة الإحتكاك .

لم يقدم لنا المخرج تفسيراً لعدم وجود حراسة حول المعسكر ، و تحديداً في الزاوية التي كان الصبي شموييل  يتواجد فيها , أين ذهب الحذر الشديد للجنود النازيين ، أولئك الذين عُرف عنهم مراقبة الطير حتى ؟ ألم تعودنا الأفلام الأمريكية على ذلك ؟ 

ولكن على الرغم من هذه الملاحظات فإن الفيلم يستحق المشاهدة حقاً ، إنه فيلم سردي تعاقبي الأحداث ، بالاضافة الي أنه متميز , كما ان  أفضل الممثلين فيه اتقان لاداء الشخصية ـ على الإطلاق ـ كان هو  جاك سكانلون  الذي لعب دور الصبي اليهودي  شموييل  . لقد كان عفوياً في تمثيله و بارعاً ، لم يصمد أمام أدائه جميع الممثلين ، بما فيهم الممثلة الأمريكية ـ أوكرانية الأصل ـ  فيرا فارميغا .

..........................................................................

من اسرة ورشة سينما – خاص : كندا

و س 20 -3-2011  

المقال للأستفادة الشخصية وليس لأعادة النشر . جميع الحقوق محفوظة لورشة سينما . لايسمح بأعادة النشر الا بموافقة ادارة الموقع والكاتب صاحب المقال.اعادة النشر من دون موافقة يعد مخالفة قانونية لحقوق الملكية الفكرية والنشر

 

 

 

Name:*
E-mail Address:*
Message:*
 
Please enter the code:

Note: Fields marked with * are required.