فيلم ( تحد ٍ ) للمخرج اد زوديك : بين مواجهتين

هادي ياسين

فيلم تحد فيلم تحد

مسار مختلف في تاريخ الهولوكوست وحملة يهودية مضادة على الفيلم


يندرج فيلم ( تحدٍ ) ضمن سلسلة أفلام الهولوكوست ، التي تؤكد على أن اليهود كانوا ضحايا تاريخيين للعنف النازي إبان الحرب العالمية الثانية , و اذا كان الكثير من أفلام هذه السلسلة قد اعتمد على سيناريوهات من نسج الخيال ، أو إعتماداً على حدث صغير أو ذكرى عابرة ، فأن هذا الفيلم ينطوي على امتياز كونه من الأفلام التي تستند الى قصص حقيقية , وقصة هذا الفيلم قد وقعت ، فعلاً ، نهاية العام 1941 في روسيا البيضاء ( بيلا روسيا ) ، عندما احتل الجيش الألماني أجزاء من الأراضي الروسية .

و هذه القصة كانت قد وُضعت في كتاب بقلم ( نيخما تيك ) , و تشير قائمة مبيعات الأفلام الى أنه تمت معالجة القصة سينمائياً ، في العام 1993 على يد المخرج ( آرون كومار ) ، و حمل فيلمه عنوان  الأخوة بييلسكي  ، شارك المخرج بكتابة السيناريو له الى جانب دايفيد هيرمان.

تدور القصة الحقيقية حول ما قام به ثلاثة أشقاء شبان من عائلة بييلسكي ، التي كانت قد انحدرت ـ منذ عهد القياصرة ـ الى السكن في قرية ستانكيفتش الصغيرة في  بيلاروسيا و امتلكت هناك مطحنة صغيرة ، كما تشير المعلومات عن هذه العائلة , و قد قدّر لهؤلاء الشبان أن لا يكونوا متواجدين في القرية عندما أقدمت القوات النازية ، بمساعدة وشاة محليين ، على إبادة سكانها اليهود ، و عندما يعود الأخوة الثلاثة ، يكتشفون حجم الكارثة التي لم ينجُ منها سوى شقيقهم الأصغر ، الصبي الذي نجح في الإختباء في مخبأ مغطىً بالقش .

الى هنا ، يبدو الفيلم عادياً و هو يقدم هؤلاء كضحايا فقط ، و هو ما أعتادت عليه أفلام الهولوكوست ، حتى تبدأ القصة الحقيقية بالإنعطافة الحادة غير المألوفة في تاريخ هذه الأفلام و غير المعروفة عن اليهود فيما قدموه من قصص و روايات ، عبر مختلف الوسائل ، حول قضيتهم ,  فمن هذه القصة الواقعية يبدأ مسار مختلف في تاريخ الهولوكوست ، حين يقرر الأخوة التمسك بارادة البقاء عن طريق المقاومة بمجرد لجوئهم الى الغابة ، هرباً من إبادة قادمة محتملة ، و هو المنحى الذي لم يكن وارداً في جميع أفلام الهولوكوست من قبل .

ولكن هذه المقاومة تنشطر الى منحيين : المنحي الأول هو المنحى السلمي الذي يعتقد به الأخ الأكبر توفيا (دانييل كريغ ) الذي يرى أن الحفاظ على حياة امرأة يهودية أجدى و أهم من قتل عشرة أعداء ، أما المنحى الثاني فهو المنحى القتالي الذي يصر زوس ( ليف شرايبر ) على المضي فيه ، حين يلتحق ـ فيما بعد ـ بالجيش الأحمر السوفييتي  لقتال الألمان , و بين تجاذب المنحيين خلال أكثر من عامين عبر الغابات و الفصول قاسية البرودة في روسيا البيضاء يتمكن الأخوة من انقاذ حياة أكثر من 1200 انسان يهودي .

بطبيعة الحال فإن هذا الفيلم الذي أخرجه إد زدويك  ينحاز الى قضية اليهود ، و لم تكن لديه مشكلة في تناول هذه القصة , لكن مشكلته بدأت مع عرضه , ففي الوقت الذي كان العالم يشاهد عبر شاشات التلفزيون ( عام 2008 ) مشاهد العنف الإسرائيلي الذي حصد آلاف الأبرياء في غزة بسبب حماقات قادتهم , تم عرض هذا الفيلم في صالات السينما , و مع عرضه ضِمْن هذا التوقيت فقد تعرض الى مواجهتين ، من قبل الطرفين المتناقضين : العرب و اليهود على حد سواء , فقد رأى العرب أن هؤلاء القساة الذين هدموا غزة و قتلوا سكانها ، أنما هم أحفاد أولئك الذين يدّعون أنهم كانوا ضحايا , و بالمقابل  فقد أحتد اليهود ضد الفيلم باعتباره قد قدمهم كـ قتلة  هذه المرة ، حين ركّز على نزعة المقاومة و التصدي لأعدائهم و قتلهم ، و بذلك يكون قد شوّه  الصورة التي كانوا قد قدموا بها أنفسهم ـ من قبلُ ـ كضحايا مسالمين عبر كل القصص و الروايات و المدونات و الأفلام و الكتب و المؤتمرات التي نشطوا فيها , و لعل هذا هو السبب الذي دفع صحيفة ( نييورك تايمز ) الى شن حملتها العنيفة ضد الفيلم , وربما كان سبباً أيضاً في تأخر نزول الفيلم الى الأسواق حتى وقت متأخر على تاريخ عرضه ، مترافقاً مع السبب الآخر المهم ، المتمثل بانتظار تقادم الوقت , حتى تهدأ حرارة و مرارة أحداث غزة .

ولكن اذا كان الإعتراض اليهودي تجاه الفيلم يشكل توجهاً غير مسبوق على أحد أفلام الهولوكوست التي تخدمهم ، فأن ذلك عكـَسَ وعيَ و فطنة و موضوعية اليهود في مناقشة و معالجة قضاياهم دون السماح ، مطلقاً ، لأي توجه عاطفي ساذج في هذا السياق ، لكن المشكلة في الجانب العربي المضاد تكمن في هذا التوجه العاطفي الذي ضيّع كل شئ , فلغة الردح و اللطم و الإنفعال و الشعارات الفارغة هي السائدة في التعاطي مع هذا النوع من الأفلام ، كما مع مجمل الطروحات الأخرى في الوسائل المقروءة و المسموعة و المرئية ، بل و حتى في المؤتمرات السياسية التي تسبغ على نفسها هالة تفضح زيفـَها ، في النهاية ، البياناتُ الختامية التي تـُكتب عادة قبل انعقادها ,و تُنسى توصياتها بمجرد أن ينفض المؤتمرون .

إذاً ، فمقتل هذا الفيلم كان في عَرضه بالتوقيت مع أحداث غزة , و قد شكل هذا التوقيت ورقة رابحة في يد المعترضين على أفلام الهولوكوست أصلاً , ولكن الفضل في ذلك يعود الى ما أحدثته الآلة العسكرية من قتل وحشي للأبرياء و دمار في غزة , و لولا ذلك لما كان لدى المعترضين ما يعترضون به سوى الأسطوانة المخدوشة القديمة ، و هي : أن الفيلم يدخل ضمن سياق ( الكذب اليهودي .. و المبالغة في تقديم أنفسهم كضحايا ) دون الدخول في محاججة مقنعة و تفنيد دامغ  هذا ما أعتادت عليه الصحافة العربية .

و واقع الحال فأن هذه الصحافة إنما تنطلق من مواقف مسبقة ، لا اعتراض عليها من حيث مطالبتها بحقوق الشعب الفلسطيني ، الضحية ، الذي هو ضحية جميع الأطراف : عدوه الرسمي إسرائيل  ، و قادته ، و المتاجرين بقضيته ، و الذين يمثلهم القومجية و الإعلاميون النوّاحون اللطامون , و هم الذين يتسيدون المشهد الإعلامي بشكل عام . ولكن هؤلاء المعترضين لا يتجادلون مع هذه الأفلام برَويّة ، و بالحقائق ، و ليست لديهم سوى لغة الإنفعال ، داعين دائماً إلى مقاطعتها وعدم مشاهدتها ، في حين أنهم هم الذين يرفعون شعار أعرف عدوك ، غافلين ، أو متغافلين ، عن أن معرفة  العدو  تتطلب الوقوف مباشرة على طروحاته و التمعن فيها و دراستها. ولكنهم ، أذ يدْعون الى عدم مشاهدتها فإنما يصنعون دعاية لهذه الأفلام من حيث يدركون أو لا يدركون ، على اعتبار أن  كل ممنوع مرغوب  .

 و المفارقة التي يمكن ملاحظتها هي أن الكثير من المواقع الألكترونية العربية التي تُعنى بالأفلام و تسويقها ، توصي بعدم مشاهدة فيلم (تحـدّ ٍ ) ، لأنه  فيلم عدو ، في حين أنها تقدم للمتصفح روابط لتحميله ، مرفقة بدعايات مجانية من مثل  فيلم حربي رائع . أنها صورة للتناقض لدى العرب الذين لا يفهمون قضيتهم و لا يعرفون كيف يدافعون عنها و بالتالي كيف يسوقونها .. فيما يلقون باللائمة على الآخرين .

على أية حال ، فأن هذا الفيلم ينطلق من واقعة حقيقية ، و سواء اعترض عليه اليهود المتشددون أم تساهل المعتدلون منهم بشأنه ، فأنه نقل حقيقة ما حصل ، فسجّل الأخوة بييلسكي  مأثرة خاصة بهم في تاريخهم اليهودي ، و تشير المعلومات الى أنهم و اليهود الذين التحقوا بهم قد تمكنوا بالفعل من قتل أكثر من 250 شخصاً من النازيين و الوشاة المحليين . و عليه ، فأن هذا الفيلم قد يكون مفتتحاً لسلسلة أفلام أو روايات تطرح حقائق مماثلة تتعاكس مع ما طرحته الآلة اليهودية على مدى الستين سنة الماضية من أنهم ضحايا فقط .

و لابد من الإشارة الى أن الفيلم لا يتناول كل الفترة التي استطاعت هذه الجموع أن تنجوَ فيها من الإبادة ، بل فترة الأشهر الأولى التي كونت خلالها تجمعاً ، تطوع بعض أفراده على تنظيم حياتهم اليومية ، من خلاله ، في الغابة و في ظل ظروف بالغة القسوة ، كان من أبرز أشكالها البرد القارس و قلة المؤونة ، فضلاً عن الهاجس المرعب الأكبر المتمثل بمطاردتهم ، سواء من قبل القوات المحلية أو القوات الآلمانية التي لجأت الى قصفهم حتى بالطائرات ، و هذا القصف هو الذي سيشكل دافعاً في مسيرة هروبهم الطويلة عبر الغابات و مستنقعاتها المكشوفة ، بعد مقاومة غير متكافئة يفقدون فيها عدداً من مقاتليهم . بل ان المسيرة نفسها تتعرض لهجوم أرضي ، و هنا يعود ( زوس ) الى قومه في مشهد يذكّر بأفلام الكاوبوي  ليسهم في انقاذ الموقف الذي يُحسم لصالحهم ، بعد أن ترك الجيش الأحمر السوفييتي الذي لمس منه أنه لا يقل احتقاراً لليهود من الجيش الألماني . و يمكن القول هنا أن الفيلم يطرح ، من الناحية الفكرية أو السياسية ، قضية العنف و اللا عنف ، التي اختلف فيها الشقيقان حد العراك بالأيدي ، بعد أن لجأ ( زوس ) الى استفزاز شقيقه ( توفيا ) عن طريق لكمات قاسية نمّت عن حقد غير مبرر ، الأمر الذي ولّد لدى الأخير  المؤمن باللاعنف رد فعل عنيف ، فكاد في لحظة غضب عارم أن ينهي حياة ( زوس ) لولا استجابته في اللحظة الأخيرة لنداء شقيقه الأصغر اسئيل ( جيمي بيل ) . و اذا أردنا أن نسقط هذه القضية على واقع اليهود اليوم ( و تحديداً في اسرائيل ) فأن( زوس ) يمثل اليهود المتشددين تجاه اعدائهم  الجدد العرب ، فيما يمثل ( توفيا ) المتعاطفين مع فكرة السلام .

من الناحية الفنية ، يبدو الفيلم متواضعاً ، فقد قدم أحداثه بصورة سردية ، و إنْ كانت تنطوي على قليل من التشويق ، و يكاد في بعض مشاهده أن يقترب من أفلام الحركة الأكشن و هو ما يتلائم مع طبيعة تمثيل ( دانييل كريغ ) الذي عُرف بهذا النوع من الأفلام ، من خلال شخصية ( جيمس بوند ) التي كان آخر من مثلها ، و قد أثبت ( كريغ ) في هذا الفيلم أنه ممثل  أكشن  فعلاً و ليس ممثلاً تعبيرياً.

و تفيد المعلومات أن القصة الحقيقية التي اعتمدها الفيلم ، تنتهي بلجوء الجموع المطارَدة الى مكان بعيد و أكثر أماناً في الغابات . و هناك تبني لها قرية و تؤسس فيها مدرسة و مركزا ً صحيا ً ، و تنظم حياتها و تقيم فيها لمدة سنتين حتى انسحاب الجيش الآلماني من الأراضي الروسية . و بعد أن يلتحق الشقيق الأصغر ( اسئيل ) بالجيش السوفييتي فأنه يُقتل بعد ستة أشهر من دون أن يرى طفله من زوجته التي تعرّف عليها في الغابة و تحابّا ، أما الشقيقان ( توفيا ) و ( زوس ) فيذهبان الى إسرائيل بعد قيامها في العام 1948 ، ولكنهما لا يستسيغان الحياة فيها ، فيغادران الى الولايات المتحدة الأمريكية للأقامة في نيويورك .

.................................

من اسرة ورشة سينما - خاص : كندا

و س 15-8-2010  

المقال للأستفادة الشخصية وليس لأعادة النشر . جميع الحقوق محفوظة لورشة سينما . لايسمح بأعادة النشر الا بموافقة ادارة الموقع والكاتب صاحب المقال.اعادة النشر من دون موافقة يعد مخالفة قانونية لحقوق الملكية الفكرية والنشر

 

 

 

Name:*
E-mail Address:*
Message:*
 
Please enter the code:

Note: Fields marked with * are required.