سينما المهرجانات

وقفة مع أفلام الشباب في مهرجان الخليج السينمائي الرابع


قدم المخرج خالد المحمود لوحة إنسانية مؤثرة واستحق بجدارة الفوز بالجائزة


طموح ملحوظ ،مخيلة فقيرة

احمد ثامر جهاد

قدمت فعاليات مهرجان الخليج السينمائي الرابع فرصة طيبة لجمهور المشاهدين للاطلاع على نتاجات السينمائيين الخليجين الشباب عبر عرض مجموعة متنوعة من أفلامهم ضمن أقسام مسابقات المهرجان للأفلام الوثائقية والقصيرة وأفلام الطلبة.

بشكل عام يمكن القول ان ما تعانية الافلام الخليجية سواء على صعيد الموضوع او البناء أو الأسلوب او المعالجة لا يختلف كثيرا عما تعانيه غالبية افلام الشباب في البلدان العربية الأخرى.لكن ما يحسب لبعض اؤلئك المخرجين الشباب انهم حاولوا الاقتراب بصدق من هموم مجتمعاتهم عبر طرح وجهات نظر مختلفة في قضايا راهنة عدة أو في استثمار الموروث الشعبي فنيا،وان لم تكن محاولاتهم تلك موفقة دائما.

وكان البعض قد راى في ظاهرة عودة المخرجين إلى توظيف حكايات ذات مغزى لها جذورها في ذاكرة المجتمع وموروثه الشعبي نوعا من المناورة المموهة لغياب الموضوعات المبتكرة ومراوغة سهلة لتمرير الأفكار السطحية المطروحة في تلك الأفلام. وكأن على المخرجين لكي يصبحوا فنانين حقيقيين ذوي قضايا جدية ان يتنصلوا عما يجري في محيطهم الاجتماعي والسياسي وبيئتهم المحلية من اجل استعارة هموم الآخرين ليكونوا جديرين بالمحاولة.

بالطبع هناك إخفاقات بينة وسوء فهم لبنية الفيلم الوثائقي او الروائي القصير،لكن في المقابل ثمة جدية ملحوظة في اجتراح نقد حقيقي للمظاهر السلبية في المجتمع وللطابع الاستهلاكي للحياة ،كما يمكن تلمس رغبة جلية في البحث في الهوية الوطنية،وتخطي حالة الفقر الثقافي.ولن يكتب النجاح لمحاولات كهذه من دون تناول فني جرئ واسلوب مبتكر وخيال سينمائي مؤثر.

 

  • محاولات سينمائية شابة

قدم فيلم (شعوب وقبائل) للمخرجة الإماراتية ميسون العلي(الحاصل على الجائزة الثالثة في مسابقة افلام الطلبة) رسالة إنسانية تدعو إلى التسامح والتعايش بين الأديان والاثنيات المختلفة.وفي إشارة دالة استعارت المخرجة لعنوان فيلمها مقطعا من جملة قرآنية بليغة.

على نحو ملائم اكتفى الفيلم بلغة الصورة التي كشفت من علوها لحظات خشوع جموع المصلين المتحدرين من ديانات عدة:إسلامية ومسيحية وبوذية،والذين يتعايشون بسلام في دولة الإمارات.جوامع وكنائس ومعابد،أصوات بشرية تلحن بنغمات متباينة،منقطعة للعبادة،وجوه حية ارتسمت عليها تعابير هادئة في حضرة الطقس الديني.

الى أي حد نختلف،ولماذا علينا ان نتشابه؟ هل يشكل وجودنا الموزع في جغرافيا بشرية واسعة وثقافات مختلفة نوعا من القطيعة الوجدانية فيما بيننا بالنظر لعلة الوجود الواحد.

لم ترد المخرجة ميسون العلي في فيلمها الوثائقي الخوض في تشعبات موضوع حساس يعد منبعا للاختلاف والصراع،فاكتفت سينمائيا بإشعال فتيل الفكرة. وراهنت في إيصال رسالتها على التأثير الحسي للصورة السينمائية وهي تتجول في سماء المآذن والأجراس وفضاء التراتيل الروحية.فيما ترك السؤال الشقي رهن محاولة الانتقال إلى الفكرة المناقضة التي لن يكون للتسامح من معنى سوى بإدراكها الناجز..إذا كانت حيواتنا متواشجة إلى هذا الحد،فهذا الشر الكبير من أين يأتي؟

في موضوع آخر وبأسلوب معالجة مختلف تمكنت المخرجة الإماراتية فاطمة إبراهيم من الإمساك بموضوعة الضياع الذي يعيشه الشباب اليوم وصرعاتهم المقلدة لكل ما هو غربي وذلك في فيلمها القصير(جحر الارنب) الذي استعارت له عنوانا طريفا يحيل لقصة(اليس في بلاد العجائب) خاصة مع استعارتها لمشهد استهلالي يظهر حالة السقوط في الجحر الذي يلمح الى بداية رحلة حلمية. كان الموضوع متناغما الى حد كبير مع أسلوب تناوله الفني الذي اعتمد على التقطيع المونتاجي السريع للمشاهد عبر قص ولصق متواصل اضفى شيئا من المغايرة على بناء الفيلم الذي ابتعد الى حد ما عن نمطية الافلام الوثائقية التي غالبا ما تتحول بفعل حوار الشخصيات المتحدثة الى منبر للنصح والارشاد لا يختلف كثيرا عن اسلوب التقارير التلفزيونية المباشرة.

تجسدت جمالية هذا الفيلم في محاولته مزج العناصر الفيلمية المختلفة وتوظيفها لصالح الفكرة مثل استخدام مقاطع فيديو الأغنيات الأجنبية التي يهيم بها الشباب في مواضع معينة تتسم بالتعليق الساخر والتهكم القصدي مما يدور في مجتمعاتنا التي لم تحسم بعد الاجابة على سؤال الهوية.

أما المخرج الكويتي خالد الكلباني فقد حبس فيلمه الروائي القصير(ملائكة الصحراء) في إطار موعظة أخلاقية ثقيلة تتحدث عن أب يترك ابنته تواجه المجهول في قلب الصحراء بعد عجزها عن مواصلة الرحلة معه،معتقدا انه سينجو بنفسه،لكنه يواجه لاحقا المصير المأساوي ذاته. كغيره من الأفلام التي تبنى بعجالة وقع (ملائكة الصحراء) ضحية الأسلوب المباشر والتكلف الدرامي الذي لم تستطع حتى الملائكة تقديم شئ ما لإنقاذه من متاهة الصحراء.

كما لم ترتق المعالجة السينمائية في فيلم (اللون المفقود) للمخرجة الإماراتية راوية عبد الله إلى مستوى رمزية الموضوع المطروح،لدرجة انها ضحت بخيال الطفلة التي يفترض انها تبحث عن اللون المفقود في حياتها عبر انشغالها بتأمل عوالم رسوماتها المعبرة،ضاعت الفكرة الجميلة للفيلم وحلت مكانها نهاية دخيلة. يبدو ان البعض من صناع الأفلام القصيرة يتناسون ان إشارة بليغة واحدة تكفي لإيفاء الموضوع حقه من دون الوقوع في فبركة مشاهد سجالية مملة أو اللجوء إلى حشو الفيلم بنصح مباشر على الشاشة او الاكتفاء بالوقوف عند سطح الفكرة دون الخوض في مغزاها مثلما حدث في الفيلم الوثائقي(السيارة سيارة) للمخرج الإماراتي مروان الحمادي الذي حاول بما يشبه الريبورتاج التلفزيوني تناول ظاهرة هوس الشباب باقتناء السيارات الفارهة كأحد سمات المجتمع الاستهلاكي.

فيلم سبيل لخالد المحمود

في المقابل استطاع المخرج الإماراتي خالد المحمود ان يقدم لوحة إنسانية مؤثرة في فيلمه الروائي القصير(سبيل)والذي استحق عنه بجدارة الفوز بالجائزة الأولى لأفضل فيلم قصير ضمن المسابقة الخليجية،فضلا عن حصوله على جائزة أفضل سيناريو ذهبت للكاتب محمد حسن احمد.

(سبيل) فيلم مدروس بعناية،مقتصد في لغته،مبدع في بنائه البصري وجماليات تصويره التي شغلت مساحة التأثير الأوسع في بناء المشاهد من دون اللجوء إلى استخدام الحوار.انه فيلم بُني بالصورة لا بالكلمة. القصة تتحدث عن شابين يعيشان مع جدتهما المريضة ويكافحان قسوة الحياة اليومية عبر بيع محصولهما من الفواكه والخضار على الطريق الخارجي الوعر من اجل ادخار مبلغ من المال يكفي لشراء دواء للجدة. عمد المخرج إلى تكرار مشهد الخروج صباح كل يوم للعمل وانتظار بيع شئ من المحصول. لكن الحياة على ما يبدو تدخر لنا قدرا باهتا من مشقة كبيرة وزرق شحيح.

لا جدوى من فعل أي شئ لان الجدة تفارق الحياة في نهاية الفيلم،ويتولى الحفيدان وضعها على دراجتهما النارية والانطلاق بها إلى المجهول.ثمة سبيل أوحد أمامنا ،لا مفر من ان نسلكه في نهاية الأمر.

لاشك ان هناك معوقات عدة تواجه صناع الأفلام القصيرة(لوثائقية أو الروائية) إلا ان أبرز الأسباب التي تحول دون بلوغ تلك الأفلام مرحلة الابتكار الفني والجودة الأسلوبية ناتج عن أزمة فقر في الخيال السينمائي،المجال الحيوي للتجديد في الأسلوب واللغة،وتلك لعمري مشكلة معقدة وكبيرة تعاني منها مجتمعاتنا العربية قاطبة تحت وقع (اغتصاب الخيال) بتعبير تيري ايغلتون الذي تمارسه القوى الاجتماعية المهيمنة.

بالتأكيد ثمة أفلام أخرى متفاوتة في مستواها وموضوعها عرضها المهرجان ضمن فعالياته وتستحق وقفة أخرى لقراءتها.

 

 



Name:*
E-mail Address:*
Message:*
 
Please enter the code:

Note: Fields marked with * are required.