سينما المهرجانات

ملصق المهرجان ملصق المهرجان

قراءة في أفلام الدورة الثانية والخمسين لمهرجان سالونيك الدولي

(4-13/11/2011)

سالونيك


رامي عبد الرازق


ربما ترك صناع الأفلام في اوربا وأمريكا لانفسهم فترة كافية لأستيعاب الأزمة المالية العالمية ثم شرعوا في إنتاج تجارب عنها تحاول أن تبدو وثيقة الصلة بما افرزته من تغيرات اجتماعية وسياسية ونفسية ولكن هذا لم يمنعهم من الوقوع في فخ الميلودراما الشيق الذي قليلا ما يتمكن صانع فيلم من تجاوزه إذا ما افرز تجربته تحت وطأة الأنفعال أو الميل للتباكي على الذات والمجتمع.

اغلب الأفلام التي عرضت خلال المسابقة الدولية للمهرجان هذا العام(15فيلم) لم تتمكن من القفز فوق فخ الميلودراما ولا ندري هل هو اتجاه عالمي افرزته المآسي التي شهدتها أمريكا وأوروبا خلال سنوات الأزمة أم أنه ميل غير مباشر من قبل لجنة اختيار الأفلام بالمهرجان نتيجة الازمة الطاحنة التي تمر بها اليونان والتي كلفت الأتحاد الأوربي التنازل عن 100مليار يورو من ديونها,على كل حال لا يبدو للازمة اثر كبير على تنظيم المهرجان فاليونانيون صارمون جدا فيما يخص الحفاظ على مستواهم الدولي أمام العالم دون اعذار,تماما كما يحافظون على تماسك بلدهم ومظهره الحضاري رغم أزمتهم الأقتصادية.

في الفيلم الكندي"البائع"إخراج سباستيان بيلوت نرصد بشكل مباشر تأثير الازمة على مهنة مارسيل بائع السيارات المخضرم في مقاطعة كيبيك مما يضطره إلى استعمال وسائل الضغط النفسية التي يجيدها لكي يقوم بتوريط احد العمال في شراء سيارة جديدة وعندما يكتشف العامل المتعطل أنه غير قادر على تسديد الثمن يحاول الأنتحار مما يسبب ازمة نفسية لمارسيل في الوقت الذي تموت فيه ابنته وحفيده في حادث طريق عندما ارسلهم لأحضار سيارة جديدة من المقاطعة توفيرا للنفقات,وقد عمد المخرج إلى اختيار فصل الشتاء لتدور فيه الأحداث حيث كل شئ بارد ومكسو بالثلج الذي تحتل مشاهد ازاحته الكثير من وقت السرد في محاولة لصناعة دلالة بصرية عن برودة الحال وصقيع الأفلاس.

اما في الفيلم الألماني"النار"للمخرجه برجيت برتيل تتخذ الميلودراما شكل بوليسي اجتماعي فجوديث الفتاة الجميلة التي تعمل طبيبة علاج طبيعي تتعرض للأغتصاب على يد أحد الأشخاص بعنف ذات ليلة وتفشل في اثبات انها اغتصبت نتيجة ميوعة القانون الذي يلوم الضحية,ولكنها عبر نار الاحساس بالأهانة والرغبة في الأنتقام لنفسها تتبع الرجل وتصل إلى منزله و تربي صداقة مع زوجته إلى أن تدفعه لمهاجمتها مرة أخرى وتثبت عليه القضية في شكل من المقاومة السلبية,وقد اجادت المخرجة في التعبير عن الشعور الداخلي بالنار لدى الشخصية من خلال مشاهد وضعها للثلج بين ساقيها في محاولة لأطفاء نار الغضب التي تستعر فيها.

ويأتي الفيلم اليوناني J.A.C.Eوهو اختصار جملة "مجرد فيل أخر مضطرب" ليبلور تلك النزعة الميلودرامية التي تسيطر على المسابقة فهو فيلم طويل يتجاوز الساعتين ينقسم إلى13 فصل ويحاول اتخاذ شكل الملحمة لكنه يفتقد لتلك الروح الدرامية المحكمة التي تصنع الملاحم حيث يحكي قصة فتى يتخذ من تلك الحروف المختصرة اسما له بعد أن ينضم إلى سيرك المدينة عقب فراره من الأصلاحية التي كان بها,وجاسي نموذج للابطل الميلودرامي الذي يتحرك عبر الاحداث من خلال قرارات الأخرين بينما كل قراراته وافعاله هي ردود افعال,فهو لا يختار القدوم للحياة كأبن للزنا من ام ألبانية وأب يوناني,وهو لا يريد أن يضغط على الزناد لقتل ابيه ولكن رئيس العصابة التي يتعاون معها ابيه يجبره على ذلك,وهو لا يريد ان يذهب لليونان ولكن العصابة تقوم ببيعه كجزء من تجارة الرقيق الأبيض في اوروبا,وبالصدفة اثناء هروبه من الأصلاحية يركب في عربة السيرك ويأويه مدرب الافيال ويعلمه كيفية التعامل معها,لكنه بالصدفة يتعرف على مصور شاذ يصطحبه إلى ناد للمتحولين جنسيا حيث يرتدي زي النساء ويعمل هناك إلى أن تلقيه الصدفة في حضن زوجة زعيم العصابة التي اختطفه وهو صغيرة ثم نكتشف انها اخت زعيم العصابة وانه يمارس معها زنا المحارم!

هذا الفيلم أمثولة للميلودراما الفاقعة التي تتطور بالصدف ولا يحكمها بناء سردي سوى الكشف عن المزيد من المفاجأت الفجة من خلال سياق ثرثار لا يعني بالتكثيف أو المواربة الفنية وإنما كل شئ يحكي بالحوار في مشاهد طويلة اقرب للمسرح الملحمي اليوناني في صورة ساذجة.

ويقودنا الحديث عن الأفيال إلى ملاحظة اساسية على افلام هذه الدورة وهي عدد الأفلام التي تلعب فيها الحيوانات دور مهما خاصة على مستوى الدلالة,فإلى جانب دلالة الفيل المضطرب في الفيلم اليوناني والذي يعتبر إحالة للشخصية الرئيسية هناك الحمل الوديع في الفيلم الأنجليزي"احمل الحمل"إخراج جون مكلدوف والذي يتخذ شكل الفيلم/الرحلة اي الفيلم الذي تدور احداثه اثناء رحلة معينة على الطريق حيث يحمل ادي حملا صغيرا في عربة ليز الذاهبة إلى زيارة ابنها المعوق في عيد ميلاده ويصبح الحمل محور العلاقة بين ادي وليز خلال الرحلة ليمثل عبثية الواقع الذي يعيشون فيه وسوداويته التي تفجر مواقف عبثية طريفة.

وفي الفيلم المكسيكي"الحمير"لأودين سالازار يتنوع ذلك التوظيف للحيوانات بداية من العلاقة الغير مباشرة التي يبثها الفيلم بين الطفل بطل الفيلم وبين الطبيعية عبر الحيوانات أو تلك الدلالة الساخرة التي يحاكي فيها السيناريو حركة الشخصيات وقراراتها وكأنها حركة وقرارات قطيع من الحمير التي تنقاد بضربة عصا او صيحة قاسية.

اما الفيلم الأسرائيلي"الطوفان"للمخرج جاي ناتيف فيحاول أن يجعل من الديدان والحشرات والدجاج معادل لعلاقة الأبن المعاق تومر بأسرته التي عاد إليها بعد أن اغلقت المصحة التي كان يعمل بها حيث يعجب تومر بآيات الطوفان التي تتحدث عن سفينة نوح في سفر التكوين التي يتمرن عليها اخيه من اجل تعميده في سن البلوغ-13 سنة- فيقوم بجمع الديدان والحشرات من الأرض أو يقتحم مزرعة دجاج ليحضر دجاجه كي يحملها معه في السفينة التي يتخليها تحمله بعيدا عن شرور البشر.

وفي قسم آفاق مفتوحة نجد الحيوانات تظهر في افلام مثل الأمريكي" في مكان ما الليلة" لمايكل ديجكومو الذي يصبح فيه كلب اجرب صغير معادل للبطل الذي يتحدث تليفونيا مع امرأة لا تعرفه ويصف لها نفسه على انه وسيم واصغر سنا ويصف لها كلبه بأنه وولف اصيل ثم يجبن عن الذهاب إليها خوفا من ان تكتشف حقيقة كذبته فيحكي لها عن كلبه وأن شكله ليس كما وصف كي تفهم هي أنه يقصد نفسه.

أما في قسم افلام من البلقان فنجد حصان يلعب دور مهم في علاقة اسرة محتجزة في منزلها بالمجتمع نتيجة ان عليها ثأر يهدد ابنائها الذكور مما يضطر الفتاة الوحيدة ان تخرج بالعربة ذات الحصان لبيع الخبز بدلا من أخيها المطلوب وذلك في الفيلم الألباني"غفران الدم" للمخرج جشوا مارستون ثم تضطر الفتاة في النهاية لبيع الحصان الذي يعتبر فرد من العيلة لدفع تكاليف محامي ابيها المتهم بالقتل.