سينما المهرجانات

مهرجان "الأفلام المستقلة"الحادي عشر : سينما جديدة ومواهب واعدة
ياقوت الديب - القاهرة
المتأمل لحال السينما المصرية في وضعها الراهن يجدها باتت في "مأزق" وليس مجرد "أزمة" وتنتهي أو سحابة صيف وتنقشع أو سقطة عابرة سرعان ماتمحي أو يطويها النسيان ... قبل ثورة 25 يناير كانت عبارة "أزمة السينما المصرية" وصفا حقيقيا لوضع هذه السينما ، علي اعتبار أن عناصر الأزمة يمكن تحديدها في بضع مشاكل تقليدية يمكن أن تصيب أية سينما في العالم في وقت ما ، تتلخص في: شحة الانتاج السينمائي ، ظاهرة القرصنة والسطو علي الأفلام واستنساخها ، أجور النجوم التي وصلت لأرقام لايمكن تصورها في بلد فقير ، أنسحاب أوأفلاس بعض شركات الانتاج السينمائي ، هروب النجوم لدراما التليفزيون طمعا في أجور خيالية ، هبوط المستوي الفكري للسيناريوهات المقدمة للسينما وسذاجات المعالجة ... الي غيرها من المشاكل التي تجمعت لتشكل أزمة.
لكن اليوم تعيش السينما المصرية "مأزقا" حقيقيا يستحيل الفكاك منه أو الخروج من نفقه المظلم ألا بقيام ثورة فيها تقطلع جذور الفساد والمفسدين ، وتطهر الوسط السينمائي من سيطرة الجهلاء والدخلاء عليه ، وتحرر السينما من قيود الرقابة والتسلط علي الفن ، وتؤكد علي ضرورة دعم الدولة دون شروط أو وصايا مسبقة ... السينما قبل 25 يناير شيء ، وبعده لابد أن تكون شيئا أخر يحترم فكرالناس ولا يستخف بعقولهم ، تعيش أحلامهم وتتعامل مع آلامهم ، ترتقي بالذوق العام ولاتنحدر به أسفل سافلين ، كما فعلت بتعمد ومع سبق الأصرار والترصد في الأيام الخوالي والسنين العجاف ، مما كرس فقدان الثقة في النفس وأشاعة اليأس وأصابت الناس بالأكتأب وبثت روح الانهزامية وكرست لفكرة استحالة التغيير أو الثورة ، الا فيما ندر من أفلام وعلي استحياء شديد.
هذا "المأزق" أثبت شباب السينما في مصر أنهم القادرون ووحدهم علي تخطيه وقهره أو التغلب عليه بأمكانات تقترب من الصفر Near –Zero Budget دون انتظار لدعم دولة ديكتاتورية النظام ، أو تنازل منتج أعماه الطمع وجمع الملايين ، أو تعطف نجم متخوم بكل ماتشتهي الأنفس ، أو العمل في استوديوهات عملاقة ممنوع الاقتراب منها أو التصوير فيها ، أو دار عرض لأفلامهم بناها أصحابها لعرض أفلامهم سيئة السمعة ... تغلب الشباب علي كل هذه المعوقات ومن قبل الثورة ، ونجحت أفلامهم ليس علي طريقة التمثيل المشرف لمصر ، بل علي مستوي انتزاع الجوائز وشهادات التقدير من هذا المهرجان أو ذاك ، سواء كانت أفلام روائية طويل أو تسجيلية أو روائية قصيرة ... وهم يستحقون.
أخر وأحدث الاحتفاليات السينمائية جاء من خلال "مهرجان الأفلام المستقلة" الحادي عشر الذي عقد مؤخرا بمعهد "جوتة" بوسط القاهرة ، والذي قدم ثلاثة برامج: "برنامج أفلام المسابقة" و "برنامج بانوراما" و "برنامج خاص" عرض خلالها 24 فيلما مصريا روائيا قصيرا و تسجيليا ، أما في البرنامج الخاص فقد تم عرض فيلمين ألمانيين من أفلام "مهرجان ليبتزج" للأفلام التسجيلية حول أحداث عام 1989 التي شهدتها ألمانيا. تباري في المسابقة عشرة أفلام علي ست جوائز: أفضل فيلم ، الأخراج ، السيناريو ، المونتاج ، التصوير ، الصوت ... والملاحظ خلو هذه الجوائز من جائزة للتمثيل علي الرغم من أن غالبية هذه الأفلام هي روائية قصيرة بممثلين محترفين أمثال: النجم أحمد بدير و النجمات نهي العمروسي وعايدة رياض و حنان سليمان وغيرهم.
كان فيلم الافتتاح "بيت شعر" من اخراج "ايمان كامل" التسجيلي (59 ق) يدور حول الفتاة البدوية السيناوية "سليمة" التي تمردت علي حياة البداوة وتحدت مجتمع القبلية لتحقيق رغبتها فيالتعليم والعمل والتحرر من قيود تلك البداوة التي فرضت قيودا حديدية علي المرأة واجحفت حقها في التعليم واختيار شريك حياتها لتتفرغ لأعمال الرعي وواجبات الزوجية وتربية الأولاد دون مراعاة لآدميتها أو تحقيق طموحاتها وتحديد مستقبلها وفق ارادتها ... لكنها تنتصر لأفكارها وتفرض علي مجتمعها قبول رغباتها وتحقيق آمالها في حياة أكثر تحضرا وعدلا. سينمائيا شاب السيناريو التفكك وغلب علي مشاهده ولقطاته التطويل والملل دون مبرر جمالي أو درامي ، واختلط الأمر بين كون التعليق لمخرجة الفيلم نفسها أو مونولوجا مسموعا للشخصية المحورية فيه ، الي جانب العلاقة المفقودة بين "بيت الشعر" ذلك البيت البدوي المصنوع من شعر الأبل والغنم والماعز الذي لم نراه وبين موضوع الفيلم ، فلم نري سوي بيوت حجرية كانت معادلا للعقول المتحجرة التي تسكنها وفكر المخرجة التي وقفت أمامها ، ولم تحسن التعامل مع جماليات المكان علي الرغم من ثرائه بصريا وفكريا.
ضمن أفلام المسابقة العشرة جاء فيلم "أسود ملون" الروائي القصير (13 ق) من سيناريو و اخراج وتصوير "أحمد سمرة" متميزا في موضوعه مدهشا في سينمائيته ، فقد قدم السمرة مشهدا واحدا في عدد محدود من اللقطات بالزمن الطبيعي لا الدرامي المختصر أو القافز ، وبشكل متدفق بعيدا عن الملل أو استرخاء المشاهدة. وعلي مستوي التمثيل فقد رأينا ابداعا من نوع خاص للنجمة "نهي العمروسي" مع الطفل الجميل المدهش "يوسف نضال". الفيلم في مجمله يستحق طاقمه منا الأشادة والتنويه بأن مخرجه سوف يلمع نجمه في السينما المصرية في ثوبها الجديد بعد ثورة 25 يناير ، شريطة أن يستمر بنفس منطق الفكر وعبقرية المعالجة. وبالفعل نال الفيلم جائزتين في هذا المهرجان الأهم جائزة أفضل فيلم.
علي نفس المستوي من الفكر والحرفية السينمائية جاء فيلم "كابينة تليفون" الروائي القصير (28 ق) من اخراج "مايكل بيوح" وبطولة النجمة "حنان سليمان" التي قدمت أحد أفضل أدوارها والتي لاننسي لها دور "نحمدو" في مسلسل "الناس في كفر عسكر" أمام النجم "توفيق عبد الحميد" والراحلة "نادية عزت" . الفيلم متكاملا في عناصره متوازنا في مشاهده محكما في بنائه الدرامي وصور بلغة سينمائية بعيدة عن الحذلقة والتقعر.
فيلم "عزيز" الروائي القصير (21 ق) ضمن أفلام المسابقة من اخراج "شريف وهبه" ، لاشك أن وجود النجمين: أحمد بدير و عايدة رياض كان وراء اقناعنا بموضوعه الأنساني حول الجحود والأنانية ، الي جانب استمتاعنا بجماليات سينمائية بسيطة التركيب مفعمة بالأحساس بجمال البيئة رغم قسوتها وفقرها.
علي نفس المستوي من الاجادة جاء فيلم "صوتها الجميل" الروائي القصير (23 ق) من اخراج جنيفر بيترسون" ، حيث السيناريو المحكم والأحداث المتصاعدة في كريشندو سينمائي أخاذ دون رتابة أو ملل وبآداء تمثيلي وصوت جميل حقا يحسب لبطلته " ابتهال الصريطي" والذي يعكس أحد صور اضطهاد المرأة وتجاهل حقوقها الانسانية في أن تكون كما تريد لا كما يريد زوجها المسيطر عليه الفكر الذكوري وفحولة الرغبة والذي ينظر الي المرأة كوسيلة تسلية لاشباع رغباته الجنسية ليلا ، وشغالة في منزل الزوجية نهارا ولاشيء بعد ذلك.
الي جانب الأفلام سالفة الذكر شهدت المسابقة أفلام: "ملل" روائي قصير من اخراج "سلمي غبريال" ، فيلم "نسخة شعبية" روائي قصير من اخراج "اسلام كمال" ، فيلم "دايرة" روائي قصير من اخراج "محمد تيمور" ، فيلم "بيللا" روائي قصير من اخراج "دينا عز الدين" ، فيلم "باقي من الزمن" من اخراج "محمد صيام" ... وقد تفاوتت مستويات هذه الأفلام بين سينما واعية وأخري تحتاج المزيد من الوعي. وبغض النظر عن الجوائز التي ذهبت لهذا الفيلم أو ذاك ، الا أن الأفلام التي عرضت بهذه المناسبة دون استثناء تشكل مجموعها سينما جديدة فرضت نفسها وبقوة في مصر علي يد مجموعة من الشباب السينمائي الواعد ، ومع الوقت واكتساب الخبرة واتساع دائرة الاهتمام بالثقافة ، و توفر مناخا حرا للأبداع المستقل بعيدا عن سيطرة ممن يحسبون بالخطأ علي السينما المصرية ... سوف نجد سينما مصرية خالصة تستحق الرؤية والنظر اليها باحترام ، فهل نحن فاعلون؟
Cinema Workshop
ورشة سينما
