سينما وثائقية

التحرير 2011
الطيب والمراوغ والدكتاتور
رامي عبد الرازق
ضمن فعاليات مسابقة الأفلام الوثائقية الطويلة بالدورة الخامسة لمهرجان أبو ظبي والمقام في الفترة من(13-22أكتوبر)اقيم العرض العربي الأول للفيلم الوثائقي التحرير2011الطيب والشرس والسياسي.
يقول آلان رينيه"ان الفيلم الوثائقي هو الذي يستطيع أن يمنحنا تقريرا عن حضارتنا"ومن هنا يمكن أن نلمح تجليات هذا التعريف في فيلم التحرير فهو يحاول بالفعل من خلال اجزاءه الثلاث ان يمنحنا تقريرا عن احد أهم نقاط الحضارة المصرية الحديثة من خلال شكل البورترية المصور والذي اختصره العنوان في الصفات الثلاث.
الطيب:
وهو انضج اجزاء الفيلم ربما لخبرة تامر عزت الطويلة في مجال الفيلم الوثائقي حيث انجز من قبل فيلمين هما"كل شئ حيبقى تمام"و"مكان اسمه الوطن"وبالتالي قدرته على البناء وسلاسة السرد واستخلاص دراما الحياة من المواقف الحياتية تبدو اكثر وضوحا,ودون اللجوء إلى أي تعليق صوتي من الخارج يروي أو يكمل المعلومة,ويكتفي تامر ببعض اللوحات المكتوبة التي تقسم الجزء الخاص به إلى فصول,وبالتالي تجعل البناء اكثر سلاسة واسهل في التلقي,وعناوين الجزء نفسه مأخوذة من لافتات التحرير وبنفس ترتيبها على مستوى الاحداث,فلدنيا الشعب يريد اسقاط النظام ثم اسقاط الرئيس ثم ارحل يعني امشي,كذلك التزام المنطق الزمني التصاعدي بداية من 25 يناير وحتى ما بعد التنحي دون اللجوء لتكسير الزمن,رغم أن كل المرويات مستعادة من خلال ذاكرتين اساسيتين,الأولى ذاكرة الأشخاص"الطيبين"الذين شاركوا في الثورة سواء الشباب بمختلف تياراتهم المستقلة والأسلامية أو الأفراد الذين شاركوا بحكم مهنتهم مثل الطبيبة الميدانية أو المصور الفوتغرافي,والذاكرة الثانية هي ذاكرة الكاميرا نفسها او الذاكرة البصرية الجمعية التي تشكلت خلال ايام الثورة وما بعدها والتي تراكمت عبر التصوير بالموبيل والكاميرات الشخصية.
استطاع تامر أن يدمج بين ذاكرة الحكي وذاكرة الصورة,لا ان تصبح أحدها غطاء للثانية كعادة التقارير الأخبارية ولكن ان تكمل كل منهم الأخرى,وبالتالي تصبح الرؤية اكثر شمولية خصوصا في اختياره لشخصية المصور الشاب,واستغلاله لفكرة البروجكتور الذي يكبر الصور الأرشيفية وبالتالي يضخم من اللحظة زمنيا,ويمنح المصور فرصة استعادة الشعور لحظة الألتقاط والتعليق الحي عليه وليس مجرد التعليق الصوتي.
من لمحات الدراما في هذا الجزء هو القدرة على بعث الضحكات من مواقف الكوميديا السوداء التي تفجرت في يومي10و11فبراير وذلك في المشاهد التي صورت حالات الانهيار العصبي والنفسي للثوار عقب خطاب يوم10 ثم حالات الفرحة الهستيرية يوم 11.
الشرس
حاولت آيتين في هذا الجزء ان تضع نفسها بشكل شخصي جدا اثناء رسم بورتريهات الضباط الذين يتحدثون عن موقفهم ومواقفهم من واثناء الثورة,حيث قرأت التعليق الصوتي المكتوب بصيغة المتكلم وظهر صوتها خلال اللقاءات,وهو اسلوب حميمي في التعامل مع المادة التسجيلية,وقامت بالأستعانة برسامة لتأكيد فكرة البورترية برسم وجوه الضباط ورسم المواقف التي يتحدثون عنها,سواء تلك التي لديها ارشيف بصري عنها مثل أحداث الثورة أو التي لا تملك اي ارشيف عنها مثل حكايات ضابط امن الدولة المستقيل.
مشكلة هذا الجزء أنه افرد مساحة كبيرة لحديث الضباط من طرف واحد فقط هو طرفهم,دون تدخل من المخرجة سواء بالرد عليهم او استخدام المونتاج لدحض الكثير من ارائهم عبر الأرشيف المصور للثورة وما قبلها,ومن هنا بدا هذا الجزء في بدايته اقرب لمحاولة منح هؤلاء الأشخاص بما يمثلونه من"عداء للشعب"فرصة للفضفضة أو البوح والشكوى,خصوصا في لقاءات ضابط الامن المركزي الذي يجلس في "سلويت= ظلام مبهم"
ربما كانت آيتين تريد ان تجعل من بعض اللقاءات محط سخرية من الجمهور نفسه الذي يدرك عدم مصداقية ومراوغة الشخصيات التي تتحدث,لأنه اصبح يعلم الحقيقة,ولكن هذا مجرد تخمين لم تدعمه آيتين لسبب بسيط,وهو أنها في النهاية بدأت تقوم بالرد على الشخصيات اثناء اللقاءات وراحت تعلق بصريا على رواياتهم المراوغة من خلال الأرشيف المصور لقمع المتظاهرين.
وقد بالغت آيتين في الأستغراق الشخصي خصوصا في الجزء الخاص بفضفضة ضابط امن الدولة المستقيل حيث تحدثت في التعليق الصوتي عن"طريق السفر"وكأننا سوف نذهب إلى مكان أخر غير القاهرة لنتعرف على ما حدث بين الشرطة والشعب فإذ بنا أمام ضابط مستقيل يبدو أنه يعمل في شرم الشيخ ولهذا سافرت له.
السياسي:
كان الاحرى بهذا الجزء ان يسمى الدكتاتور لأنه لا يتحدث عن اي سياسي من اي نوع بل يتحدث عن مبارك كنموذج للدكتاتور أو كيف تحول إلى دكتاتور,من خلال قالب ساخر يعتمد على الانيميشن والتعليقات الاذعة التي تمنح مساحة تحرر من الوثائقي البحت وتجعل شخصية المخرج تظهر من خلال التعليقات سواء الكلامية أو المنتقاة من ارشيف الثورة.
قام عمرو ببناء فيلمه زمنيا بشكل كلاسيكي حيث العودة لنقطة البداية وتتبع مسار رحلة مبارك منذ تولي وحتى تخلى,وهذا البناء توازى مع عملية تترتيب العشر بنود التي تحول اي حاكم لدكتاتور ويعتبر هذا البناء المتوازي هو اقوى ما في فيلم عمرو.
مشكلة هذا الجزء أولا افراد مساحة واسعة للدكتور البرادعي في حديثه عن مبارك وعصره مع الأصرار على كتابة التعريف به على أنه مرشح محتمل للرئاسة حيث بدا البرادعي هنا اقرب لمن يتشفى أو يُسوق لسياسته منه لرجل يحلل بنزاهة وموضوعية,وهو خطأ إخراجي لا يخص البرادعي ولكن توصيفه على الشاشة,ثانيا وجود شخصيات مثل سامي عبد العزيز عميد كلية الأعلام وأحد اعضاء لجنة السياسات بالحزب الوطني للحديث عن مبارك الدكتاتور وهو شخصية لها مواقف جدلية وبالتالي لم ندرك المغزى من وراء ذلك! فهل عملا بمبدأ وشهد شاهد من اهلها ام على اعتبار أن موقفه تحول بعد الثورة!وفي مثل هذه الشهادات يجب أن تراعي طبيعة الشخص ويجب ألا تترك شهادته دون تعليق بصري او صوتي من المخرج.
اضعف ما في هذا الجزء هو نهايته حيث صعد السرد إلى لحظة التنحي بقوة وانتهى من البنود العشر لتحول مبارك إلى دكتاتور ولكنه عاد وهبط في انتكاسة ما بعد الذورة"انتى كلايمكس" عندما افرد لخطاب مبارك الأخير مساحة واسعة وعلق عليها بارشيف مصور من الثورة وردود افعال الناس عنه وعن صوره واقواله,ثم أن مانشيت الأهرام الذي انهى عليه الفيلم لم يكن موفقا في كشف فكرة تحول الصحافة القومية من مناصرة الرئيس إلى ركوب الموجة ولم يكن له علاقة محددة بذورة الفيلم وكان الأحرى أن يأتي خلال بند الأعلام وليس في النهاية.
إخراج : تامر عزت – آيتين أمين- عمرو سلامة
إنتاج : محمد حفظي
مدة الفيلم : 96 ق
Cinema Workshop
ورشة سينما