شاشات عربية

 

18 يوم

عزلة وشتائم وتشهير وتوثيق..العناصر المشتركة في الأفلام العشرة


رامي عبد الرازق

 


في عرضه العربي الأول بعد عدة مهرجانات دولية عرض ضمن فعاليات الدورة الخامسة لمهرجان ابو ظبي فيلم"18 يوم"الذي اصبح احد الظواهر السينمائية التي افرزتها ثورة 25 يناير سواء اتفقنا مع مستوى افلامه أو اختلفنا.

التجربة بلا شك تحوي الكثير من النوايا الحسنة فيما يخص توثيق الحدث والتعبير عنه بصريا او الأحتفاظ بالمواد الأرشيفية عن الوقائع والشخصيات والمشاعر داخل اطار روائي,لم يفلح في كثير من الأحيان في تجاوز قوة الواقع ذاته او تقديم قراءة ناضجة عنه,ربما بسبب ان اغلب التجارب جاءت من واقع انفعالية اللحظة وليس استيعابها.

الأيجابي في مشاهدة هذه"الوثيقة"-على حد تسمية يسري نصر الله الاب الروحي للمشروع-أنها اُنجزت خلال الفترة الاولى من الفوران قبل أن تتضح الصورة اكثر كما هو حادث الان, خصوصا فيما يتعلق بعنصرين اساسين هما الجيش والتيارات الأسلامية على مختلف اتجاهاتها فرؤية الدبابات والمدرعات على سبيل المثال في الفيلم لم تعد تثير نفس الاحساس الذي كانت تثيره وقت العروض الاولى,انظر كيف كان الامر في البداية وإلي ما وصل الأن!!

من الصعب الحديث عن الأفلام العشرة منفردة ولكن الملاحظة الأساسية هو وجود عناصر مشتركة تكاد تكون اساسية في اغلب الافلام سواء ذات المستوى الجيد او المتواضع أو المشوش رغم ان صناع الأفلام اعلنوا أن كل منهم كان يعمل بشكل منفرد ودون تأثر أو استشارة للأخرين.

العنصر الاول هو اللجوء لفكرة الموقع الواحد للتصوير"one locition" فاغلب الافلام مصورة داخل مكان واحد وغالبا مغلق والخروج بالكاميرا إلى الشارع قليل جدا بعضه استخدام للقطات ارشيفية والأخر على استحياء مثل افلام احتباس الذي يدور في مستشفى مجانين تخيلي وكحك الثورة في محل ترزي وان جالك الطوفان في قهوة بلدي والشباك في غرفة شاب منعزل وداخلي خارجي في شقة زوجين منقسمين بين تأييد الثورة وانكارها و19-19 داخل احد مقار امن الدولة.

ربما كانت هناك اسباب انتاجية وراء المسألة ولكن الارجح هو وجود رغبة مشتركة في التعبير عن حالة العزلة والفردية والحيرة والتخبط التي كانت تساور الجميع في هذه اللحظات وحيث تبدو الثورة خلفية والحدث الرئيسي هو انفعال الشخصيات سواء بالتعليق أو المراقبة أو المشاهدة وأخيرا المشاركة.

وقليل جدا من الأفلام الذي قرر أن يحطم جدارن هذه العزلة ويخرج إلى الشارع بشكل كامل مثل فيلم حظر تجول حول جد يفشل في الوصول إلى بيته مع حفيده بسبب حظر التجول خلال ايام الثورة.

العنصر الثاني هو جرأة اللغة وفجاجاتها في اغلب الأفلام وهي محاولة لأتخاذ المنهج الواقعي في الوصول بالمادة الفيلمية إلى اقصى درجات الواقع سواء في خشونة صورته أو فجاجة لغته خاصة في افلام19-19حيث تتكرر شتائم بذئية جدا على لسان ضابط امن الدولة وشاويش التعذيب للمعتقل عمرو واكد اثناء فترة الثورة.كذلك في تحرير2-2على لسان البلطجي المأجور وهي كلمات صادمة تعبر في عمقها عن الشعور بالتحرر من اي سلطة رقابية أو سياسية وهو الشعور الذي كان جزء من احساس الجميع وقت الثورة,فسب رموز النظام يوميا في التحرير انعكس من خلال استخدام الشتائم البذيئة في الأفلام واتصور ان صناع الأفلام الان لو أعادوا رؤيتها لاختلف احساسهم بكم الشتائم وفجاجاتها.

العنصر الثالث هو التركيز على احداث معينة كأنها هي فقط التي تلخص الثمانية عشر يوما اولها موقعة الجمل وثانيها مسألة العناصر المأجورة واليورو والكنتاكي ثم الراجل اللي واقف ورا عمر سليمان وخطابات1 فبراير و10واخيرا التخلي,بعض الأفلام بحكم افكارها تجاوزت ذلك مثل حظر تجول ولكن بدا تكرار تلك العناصر واقحامها في كثير من الأحيان على حبكة الأفلام اشبه بوضع عنصر نمطي مكرر يفقد بريقه كلما لمسته يد جديدة في نفس الموضع ومن نفس الزاوية,وهي مشكلة العمل من خلال انفعالية اللحظة حيث تبقى امور واحدة مكررة تلح على الذهن وتتوارى مشاهد او لقطات أخرى من داخل الحدث ربما لم يلتفت إليها احد من قبل.

العنصر الرابع هو الهجوم المكشوف على مبارك ورموز نظامه بالأسم والصفة والنعت وهو ايضا جزء من حالة الفوران التحريرية التي انعكست في الأفلام,وبدت اقرب للتشفي منها للتحليل,فمتي كان يسمح بسب رئيس الجمهورية سرا او علنا!وهو ما عبر عنه أحمد حلمي في فيلم كحك الثورة عندما تراجع عن التسجيل على احد خطب مبارك بينما قام بالتسجيل على القرآن على اعتبار أن ربنا يمكن أن يسامح ولكن الأخر لا.

ويتداخل هذا العنصر مع عنصر اللغة الفجة المكشوفة والتي اشك ان كلاهما يمكن أن يظهر في الأفلام القادمة لاي من صناع افلام 18 يوم خاصة فيما يتعلق برئيس النظام القادم على سبيل المثال,وهذا العنصر أحد العناصر السيكولوجية المهمة التي يجب دراستها في الفيلم,فهل تحررنا بما فيه الكفاية شعبا ونظاما للدرجة التي يمكن أن ننتقد فيها رؤس النظام وهم في المناصب وليسوا خارجها؟اتصور ان ما يحدث الان من ردود فعل تجاه المجلس العسكري من قبل الشارع يمكن أن يجيب على هذا السؤال!

العنصر الخامس هو الأسلوب البصري في تناول افكار الافلام العشر حيث اعتمد اغلب المخرجين على حركة كاميرا تسجيلية لا تهتم بالتكوين ولا حجم الكادر ولا زاويته بقدر ما تهتم بالرصد او بالتلصص على انفعالات شخصياتها او محاولة محاكاة عدم الاستقرار والحركة البصرية العنيفة لكليبات ومقاطع المحمول والكاميرات الشخصية التي ارشفت الكثير من المواقف ونلاحظ هذا في فيلم خلقة ربنا في مشاهد دخول بائعة الشاي في خضم المظاهرات وراء الشاب الثوري الهتيف,وفي افلام داخلي خارجي وشباك اللذان اعتمدا على رؤية وايقاع يحاكي التوثيقي ببطئه وتأمليته خصوصا في فيلم شباك الذي يتحدث حول شاب لا منتمي يراقب الثورة عبر نافذة غرفته بعد أن انقطعت عنه نوافذ الانترنت والمحمول اللذان يمثلان علاقته بالعالم واضعف ما في هذا الفيلم هو نهايته امام الدبابة.

ومسألة الدبابة تتكرر كثيرا في نهايات الأفلام خصوصا في شباك وحظر تجول حيث ينتهي شباك بالتعارف أمام الدبابة ما بين الشاب المنعزل والفتاة الثورية جارته التي يراقبها وينتهي حظر تجول بصورة الطفل الصغير على الدبابة بعد ان امضى الليلة مع جده في الشارع امامها.

هناك ملحوظة شكلية هي تكرار بعض الوجوه في ادوار مختلفة خاصة آسر ياسين الذي يظهر في بطولة فيلمين هما تحرير2-2في دور بلطجي وداخلي خارجي في دور الزوج الامنتمي كذلك الممثل الشاب محمد فراج في دور صديق الشهيد في فيلم تحرير 2-2 والحلاق في حلاق الثورة وهو ما يخلق بعض التشوش وعادة في مثل هذه الأفلام مثل باريس احبك ونيويورك احبك و11 سبتمبر لا نجد تكرار لعنصر مهم كالممثلين في فيلمين متتالين لمنع الخلط والبقاء على فردية كل تجربة وخصوصية شخوصها وانفعالاتهم.