رسالة الناشر 5

وجهة النظر وصرخة الضمير على الشاشات الصماء

11-6-2011

ليس هنالك في السينما ابلغ من "وجهة النظر" وماالذي يريد الفيلم قوله ؟  ربما سننصرف قدما في تفحص الشكل والدراما والبنى السردية والتعبير والمكان والسينوغرافيا ونقول ..يالها من منظومة سمعبصرية هائلة ....حتى ننأى بعيدا عن الفكر والوعي والمعنى بدعوى ان الفيلم ليس خطابا سياسيا ولا عرضحال اجتماعي ..لكن عندما تشتعل الأحداث من حولنا وتنزل الكاميرا من عليائها لتدخل جوف الحياة واعماقها وتنقل صورها واصواتها سنتحدث مرارا وكثرا عن وجهة نظر ما ، تقرأ الحياة بشكل ما ...هي عند الواقعيين التقليديين محافظة مطلقة على طهارة الصورة ونقاء الواقع وعدم تلويثه ولا تشويهه منذ فرضيات وتطبيقات اندريه بازان وكراكاور ,...هذا المنظران والسينمائيان معا قرءا الواقع على طريقتهما ومضت مسيرة الواقعيات جميعا والى اليوم في مذاهب شتى ..واما وباريس تخرج عن صمتها "الواقعي" وتتمرد على الكليشيهات التي سادت طويلا في انتفاضة تشبه الى حد ما انتفاضات عدة جرت سابقا وتجري الآن في اماكن عدة وبما فيها عالمنا العربي فقد افتتحت باريس ربيعها الثوري في مايو ايار 1969 وتواصلت في مثل ايامنا هذه من ذلك العام وماتلاه و كان الصوت هو صوت المجموع لا الفرد ، الشكل الجمعي للتعبير الذي تقصده / الثورة / الأنتفاضة تبلغ ذروته ساعة ماينسجم مع الأبداع والذاكرة الجمعية ولهذا عرفت السينما مواكبة بليغة من طرف سينمائين شكلوا تلك الذاكرة السينمائية الجماعية من مثل جان لوك جودار والان رينيه ولوي مال و جاك ريفيه و ايريك رومر وغيرهم .

المسألة الجمالية اذا شئنا تمتلك قوتها من قوة الموضوع وليس العكس ، والأنتهاكات المفترضة للشكل غي موجودة قد يخشى من علو عقيرة الخطاب السياسي والفكري وتنتقل الى الشاشة فنتحول الى منطقة بروباغاندا فاقعة  وذلك قلق مشروع ومنطقي لكننا سننئى عن (الفن) الى الأعلام والدعاية السياسية والأيديولوجية .وامتدادا للحديث  في الجدل القائم مابين ضفتي المعادلة : الشكل والمعنى او الخطاب وظاهره التعبيري ، هنالك الحقبة النازية مثلا والتي هي في حد ذاتها دراما هائلة ونقطة مفصلية في ذاكرة البشرية جمعاء وساعة تطأ قدماك مدينة "نورمبرغ" ستتأكد ان الهتلرية والنازية ماتزال تتنفس ولكن من خلال مباني هتلر الضخمة واين كان يلقي خطاباته واين كان يفتك بخصومه ، يحاكمهم ويحكم عليهم ، الساحات الشاسعة التي كانت تحتشد فيها الجموع من ان اجل ان تكحل عيونها بمرأى قائد الرايخ الرابع ..هذه الحقبة ظلت تتفاعل على اكثر من صعيد لدى جيل من مخرجي السينما الألمانية :فاسبندر ، فندرز ، هيرزوج ، فون تروتا وغيرهم ...ومهما قيل عن تلك التحولات العاصفة لاسيما ايديولوجية الأقصاء النازية التي تجلت في الحروب واشكال الأبادات الا ان السينما ظلت حتى بعد سقوط النازية بعقود وهي تقتفي اثر الحياة والشخصيات في شكل يحترم الواقع والواقعية ويحافظ عليها في شكلها التاريخي وفي الوقت نفسه تحلق وجهة النظر عاليا سواء في الأدانة او الرفض او اي شكل آخر من وجهات النظر...والحاصل ان الشاشات الصماء ستبقى فضاء فسيحا لصرخات الضمير الأنساني ، لأصوات الواقع والتي تتكثف في "وجهة النظر" ومالذي يريد الفيلم ان يقوله.



بوادر انتعاش سينمائي في اجواء الربيع العربي                      22-5-2011

مما لاشك فيه ان كل شيء محكوم  بالتغيير وكل شيء في هذا الكون متحول الا الخالق العظيم ...وياليت الكل يسلم يهذه الحقيقة البديهية وخاصة الحكام والطغاة و الذين يضخون مايسطيعون من اجل ابقاء انظمة متهالكة وهزيلة ومتخلفة هي خارج العصر شكلا ومضمونا ...وواحدة من التركة التي خلفها النظام العربي المتآكل المتخلف هي محاربة السينما والثقافة عموما في اطار تجهيل الشعب واستغباءه او كما قيل (استحماره) وعلى الأقل تجاهله والأستخفاف به لأن تلكم الحكومات  باختصار شديد هي  حكومات متخلفة وساذجة وشبه امية ولاتعرف غير التآمر والهرواة الغليظة والبطش والظلم وتكميم الأفواه من اجل العروش والكروش. لاشك ان كل من يحتقر الفكر الحر والثقافة والتطور والتنوير لاشك انه معطوب في كل تكوينه الفكري والعقلي ... وعلى هذا كان الأبداع بكل اشكاله اول الضحايا ...لكن دوام الحال من المحال ..فمع الربيع العربي الأجباري الذي هب في شكل تسونامي على تلك الأنظمة الرثة ومايزال بدأت تتطور بوادر اخرى تتعلق بدعم الأنتاج السينمائي وبدأت بعض المؤسسات والمهرجانات السينمائية ،الخليجية منها خاصة ، بدأت تولي موضوع دعم الأنتاج السينمائي العربي اهمية خاصة من خلال توفير المنح سواء لأنتاج الأفلام الوثائقية او القصيرة او الروائية ، فمهرجان دبي السينمائي مثلا صار يقدم منحة سخية جديدة اضافية وهي مخصصة للفيلم القصير بعد ان كان خصص اموالا لدعم انتاج الأفلام الروائية الطويلة ضمن مشروعهم الطموح (انجاز) وكذلك يفعل مهرجان ابو ظبي من خلال توسيع آفاق دعم الأفلام من مختلف الأنواع ومختلف مراحل الأنتاج : التطوير – الأنتاج – المراحل النهائية للأنتاج وذلك من خلال مشروع سند ، وسمعنا عن دعم مماثل من مؤسسة مانحة في قطر ..وكذلك تتحرك هيئة الأفلام الملكية الأردنية على مشاريع للدعم وفي المغرب هنالك صندوق لدعم السينما ايضا ..ونتطلع في العراق ان تخصص الحكومة صندوقا للدعم وهو ماسنسعى اليه وندعو له ..ولربما تكون هنالك مؤسسات داعمة اخرى ...هذه المؤشرات التي نسلط عليها الضوء مع اجواء الربيع العربي يفترض ان تدفع السينمائيين في العالم العربي من كل الأجيال الى الحركة الفعالة في تقديم مشاريع افلامهم الى واحدة او اكثر من مؤسسات الدعم العربية المتاحة والتي تنتظر المتقدمين ...

لكنني اتمنى على صناديق الدعم العربية كافة ان تخصص نسبة (كوتا) لشباب السينما ، لهؤلاء الشباب الواعدين الذين يريدون انجاز الفيلم الأول ، ودعم الجروبات الشبابية التي تحمل هما سينمائيا ولديها مشروع واحد جدير بالدعم في الأقل ، هؤلاء لاينبغي ان يوضعوا في سلة واحدة في برنامج الدعم فيتنافسون مع محترفين انجز بعضهم عشرة افلام وهو مالاحظته في نتائج الدعم الذي اعلنته واحدة من تلك المؤسسات الداعمة فجميع الفائزين بالمنح هم مخرجون مكرسون  هذا اضافة الى امر آخر وهي ملاحظة قيام احدى المؤسسات العربية المانحة  بأسناد رئاسة وقرارات لجنة المنح والتحكيم الدائمية  الى اجنبي ومع احترامنا  للخبرات الأجنبية الا ان العالم العربي يعج بالخبرات والطاقات السينمائية فلماذا التعكز على الأجانب في امر حساس ومهم وهو مشاريع الدعم التي تخص العالم العربي تحديدا ؟.لاشك ان لكل مؤسسة داعمة سياستها واعتباراتها الخاصة في تفضيل الغربيين على اصحاب الخبرة العرب وهم كثر ..لكن ربما يكون الأمر مقبولا الى حين وليس تكريس مشاريع مهمة واستراتيجية وبشكل دائمي لغربيين لمجرد انهم غربيون فنشعر بالراحة لأنهم يشتغلون تحت ايدينا موظفين ..لااعتقد ان هذا الأمر فيه جدوى على المدى البعيد ، ممكن ان يكون الأجنبي خبيرا او مستشارا ولكنني لااقتنع ان يكون هو الرئيس وهو صاحب القرار فيتدخل في كل صغيرة وكبيرة وهو الذي يرسم ويقرر ، هذه مبالغة غير مجدية وتدل على ضعف لامبرر له ..

في كل الأحوال ، ماذكرناه من مبادرات في دعم الأنتاج السينمائي العربي بصفة عامة هي بحق مبادرات تستحق التقدير والتحية وهي فرص متنوعة متاحة اليوم وغدا للسينمائيين العرب الجادين من المحيط الى الخليج ليتنافسوا ويتقدموا بمشاريعهم وحتى اذا فشلوا مرة فيجب الأصرار والأستمرار ..



مهرجان بغداد السينمائي الدولي  2011: انطلاقة جديدة ومشاركات اوسع

15-5-2011


بحلول منتصف شهر آيار مايو يكون مهرجان بغداد السينمائي الدولي قد فتح ابوابه للسينمائيين من كل انحاء العالم  للمشاركة فيه حيث ستكون هذه الدورة هي الأكبر والأوسع على الأطلاق بناءا على الأستعدادات المبكرة التي بدأت منذ شهر كانون الأول ديسمبر من العام الماضي . هذا  المهرجان يختصر قصة للتحدي والسعي لتأسيس ثقافة سينمائية جادة ورصينة وخلق تقاليد سينمائية فضلا عن تشجيع ودعم السينمائيين الشباب خاصة فضلا عن ايجاد ارضية للحوار بين مختلف اجيال السينمائيين والأطلاع على التجارب السينمائية الجديدة.

انطلقت فكرة المهرجان في العام 2004 عندما اسست انا وزميلي الدكتور عمار هادي اول جمعية سينمائية متخصصة في العراق بعد عام واحد فقط من اطلاق المشروع ونشره في وسائل الأعلام وفي اوساط السينمائيين  صار للجمعية حضور فعال وصار لها مقر مؤثث في قلب العاصمة بغداد وصارت خطى السينمائيين تدب باتجاهها ، كنا نحن انا والدكتور عمار ننفق على الجمعية حتى اطلقنا مشروع الدورة الأولى لمهرجان بغداد السينمائي الدولي ، وسرعان مالقي المشروع ترحيبا واسعا من اوساط السينمائيين بينما قوبل بالأستغراب والحذر من طرف الرسميين ولهذا كان من الصعب اقناع وزيرين متتاليين للثقافة بالفكرة آنذاك ومن المؤسف ان لاخبرة عندهما ولاعلاقة لهما بقطاع الثقافة بمشروع المهرجان وبالتالي كان من المستحيل اقناعهما بدعم المشروع وكذلك لم تجد  الفكرة استجابة من رئيس اكبر شبكة اعلام عراقية تابعة للحكومة آنذاك ولأن الساحة مكرسة للسياسيين فقط والكل مشغول بتقلبات السياسة وشؤونها ومصالحها وصفقاتها ولهذا فالسينما ومهرجانها لاتعد اسبقية ، وكان ان تقدم المركز الثقافي الفرنسي بدعم المشروع وانطلقت الدورة الأولى في مطلع شهر كانون الأول ديسمبر 2005بنجاح وبمشاركة عشرات الأفلام من كل انحاء العالم ، ووصلت افلام من الأمارات ومن مصر والمغرب وتونس وسوريا وعمان وفرنسا والمانيا وهولندا والدنمارك والسويد والنرويج وغيرها ، كان لنا زملاء واصدقاء يقيمون في انحاء العالم اعتبروا انفسهم متطوعين وممثلين للمهرجان في البلدان التي كانوا يقيمون فيها حيث عمل عيد الرزاق الربيعي ممثلا للمهرجان في مسقط  وعبد الهادي سعدون في اسبانيا و جمال امين في الدنمارك وفيصل عبد الحسن في المغرب واشرف بيومي في مصر واعلنت مسابقة افلام الأمارات بشخص السيد مسعود امر الله مديرها وقتذاك دعمها للمهرجان وكذلك فعل السيد علي ابو شادي مدير المركز القومي للسينما في مصر آنذاك واوعز كلاهما بأوسع مشاركة ممكنة وتدفقت الأفلام من مصر ومن الأمارات بالأضافة لتعاون الزميل  صلاح سرميني فيما يخص المشاركة الفرنسية وتم تكريم عدد من السينمائيين العراقيين والعرب واقيم قسم خاص للسينما في المغرب من خلال مجموعة من اعمال المخرج المغربي محمد عبد الرحمن التازي الذي كرمه المهرجان ايضا تقديرا لمسيرته الطويلة وحيث اقيم المهرجان في الصالة الكبرى لفندق المنصور وسط حضور يومي ملفت للنظر وجمهور لم ينقطع عن المهرجان واهتمام وترحيب اعلامي واسع النطاق والملفت للنظر مع ولادة تلك الدورة الأولى هو تدفق المتطوعين للعمل في المهرجان ، طالبات جامعيات وطالبات معاهد طموحات وواعيات سجل منهن اكثر من ثلاثين  متطوعة الى جانب زملائهن اداروا بروحية فريق العمل الواحد اعمال السكرتارية والأتصالات والعلاقات العامة ، اتفقوا جميعا على زي موحد وكانوا يتسابقون بشكل مدهش على اداء العمل وانجاح المهرجان ، وترسخت بعدها مسيرة الجمعية وبدأت بعد ذلك تدخل في دعم المشاريع السينمائية الوثائقية قليلة الميزانية لتقام الدورة الثانية في ديسمبر كانون الأول من العام 2007 وتحقق النجاح نفسه .

وبعد توقف اضطراري قصير ، هاقد عدنا بتصميم وتخطيط واصرار اكبر  لنحضر للدورة الثالثة وهي دورة مختلفة بسبب اضافة اقسام جديدة للعروض والمسابقات ودعم السينمائيين  فضلا عن ورش عمل ومعارض ونشاطات مصاحبة سيشهدها المهرجان .

ودعما للمهرجان سنخصص في ورشة سينما قسما خاصا يسلط الضوء على التحضيرات ويساعد السينمائيين في انحاء العالم العربي وخارجه على تسهيل مشاركتهم فيه.



رسالة الى صديق:

السينما تكذب بمعدل 24 كادر في الثانية

 

28-5-2011

لاشك ان مابدأناه ليس سهلا علينا ان  ننهيه وهكذا هي مسيرة الحياة ، ان نواصل ونستمر ، العثرات امامك وكثير من القلق والأرتباك وراءك وانت اعزل تماما الا من اقلامك واوراقك والكاميرا ، حتى عندما عصفت رياح الريبة  لذنا بركن من اركان الحياة وعدنا لنكتب ونكتب ونكتب ..وتلك كانت نصيحة قديمة لأمرأة عجوز اسمها مارغريت ، الفت كتابا لتعلم مهارات كتابة القصة وكنت يومها في مدينة "كوالالامبور"، وفي الفراغات مابين العمل في الجامعة كنت الوذ بكتبها واترجم صفحات منه ووجدتها تكرر لازمة اشبه بلازمة موسيقية : نصيحتي الأولى لك هي ان تكتب ونصيحتي الثانية هي ان تكتب ونصيحتي الثالثة هي ان تواصل الكتابة ...

هذه هي المدرسة الحقيقية لتعلم المهارات فمادامت الأقلام في ايدينا فلنكتب ..ولكن لم يعد  الكثيرون يتكلمون عن القلم والورقة وصاروا يتكلمون عن لوح الكتابة والكي بورد ..والتكنولوجيا طوقت الحروف والكلمات بسيل من الأصفار والآحاد ...صارت اشبه بمزحة ان رسائل الحب وبطاقات الغرام الوردية المعطرة قد تحولت واختزلت الى ارقام : اصفار وآحاد ...وحميمية الشاشة وصالة العرض المعتمة تحولت الى سطح لوحي وبمقدورك ان تشاهد تلك الأفلام وانت وسط اي ضجيج واية فوضى ..

لكن القصة مع زحف هذه التكنولوجيا العارم ، ان اصبح كل شيء متاح وفي المتناول ، فهل تعلم مثلا كم انفق رسامو والت ديزني من ساعات وايام وشهور من اعمارهم لكي يقدموا تلك القصص الكارتونية الممتعة ؟ باختصار : لقد افنوا اعمارهم وهم يرسمون ويرسمون بأيديهم دونما كلل ولا ملل بينما كل جهدهم الجبار واعدادهم الغفيرة بالأمكان اختصاره اليوم ببرامج سوفت وير متوفرة بأرخص الأسعار في السوق ...هل لاحظت الفرق ..

واود ان اخبرك شيئا آخر ، و استكمالا للقصة  فقد  تلقيت مؤخرا دعوة من احد الأصدقاء ومعها رسم صغير لوجه مبتسم كناية عن ان الدعوة فيها طرافة ، الدعوة هي لحضور عروض افلام صورت بكاميرا الموبايل ، ليس المقصود بالطبع صور الثورات العربية المختلسة بكاميرات الهواتف بل قصص وموضوعات مدتها دقيقة ودقيقتين لااكثر ..حتى الذي يمشي في الطريق وليس عنده مايعمل يخرج هاتفه المحمول ويصور موضوعا ، تلك كانت فكرة اولئك الشباب الضاحكين الذين اقاموا تلك الأمسية الجميلة  ..لقد لفت نظري عمل جميل لفتاة في الدراسة الثانوية ، فيلم عن يوميات اختها الكسولة ومقالبها اليومية ، هنالك تسلسل جميل وموضوع وصور مترابطة ..وانتصر الموبايل وسينما الموبايل ..فهل صدقت السينما واوفت بوعودها وقد قال الناقد المجهول : ان السينما تكذب بمقدار  24 كادر في الثانية  ..فأذا كانت تكذب عندما كانت في عصر السيلولويد والكاميرات العملاقة ومصابيح الأضاءة الضخمة وجهاز المونتاج (الموفيولا) الضخم ، فماهي فاعلة بالله عليك وهي في عصرها الرقمي ؟

شيئا فشيئا ويوما بعد يوم يغيب الشريط الفيلمي وتحل محله الأشرطة التلفزيونية الممغنطة وشرائح الذاكرة وغيرها ..

ومازلنا في المهب ايها الصديق وانت تحمل اوراقا واقلاما وكاميرا ..الكاميرا صارت هي سلحفاتك ..فهي تتسابق مع ارنب المستحدثات ..فأجيال الكاميرات تتدفق والسباق الصاروخي بين الشركات المنتجة لها لاتعرف له نهاية ..وانت وسط دوامة التغيير من حولك ..طريفة هي كلمة ذلك المتظاهر البسيط الذي حضر الى احدى الساحات العربية وسأله المذيع : لماذا انت هنا ؟ فأجاب : لقد مللنا ويجب ان نغير ..فما رأيك انت ؟

ياصديقي حتى الشعر الرقيق الذي كان يتبادله العشاق لاادري ماحل به ، الغزل الرقيق غاب ..حتى اني قرأت مايعرف بالشعر الأسمنتي ..تصور .. وانت تحمل اوراقا واقلاما والكون حولك تحفه غيوم ثقال من اصفار واحاد ..

والكاميرا التي يدور في جوفها شريط من فئة 16 ملم اصبحت جدة هرمة ولها احفاد رقميون لاتفهم بماذا يرطنون ..

هل ادركت القصة الآن ياصديقي ..؟ الماراثون طويل ويحتاج الى مطاولة حقيقية ...وبأمكانك الآن ان تكتب خواطرك وترمي الأوراق للريح واما الكاميرا صديقتك القديمة فللممتحف او صندوق الذكريات..اجل ..انها مفارقة تتعلق بمن يصدق ومن يكذب ..بالقلم والورقة وبالكاميرا وشريط السليلويد كانت السينما اكثر مصداقية ..واما وسط السيل العارم من الخدع البصرية والخدع بوساطة برامج المونتاج فأن السينما تكذب وتكذب وتكذب ..وهذا خطابي الى "اندريه بازان" وصاحبه " كراكاور" المنادون ببراءة الصورة ونقائها ونزاهتها عن الكذب ..وان يحافظ السينمائي على الواقع البكر من دون تزييف ولا تعديل ..فمابالك اليوم ..لاشك ان السينما تكذب ..والأعلام يكذب والصورة تكذب ..بسبب كم الزيف والتلوث القيمي الذي لحقها ..واما وهي في نقائها فأنها تعود سيرتها الأولى منزهة عن الكذب الا قليلا ..والى مراسلات مقبلة لك محبتي الدائمة......



السينما المستقلة في العراق : انجازات قادمة         11-5-2011

لعل الحديث عن السينما المستقلة بصفة عامة يستحق منا دائما وقفات ووقفات ، فهي السينما التي تناسب تماما اوضاع السينمائيين في العالم العربي لجهة غياب الدعم الحقيقي والمنتظم وخاصة غياب صناديق دعم السينما وبالتالي غياب الأنتاج الكبير واتكاء السينمائيين على فرص تأتي ولا تأتي ...والعلامة الأخرى المهمة التي صارت ملازمة للسينما المستقلة في العالم العربي هي مسألة الميزانية او انعدام الميزانية او مايطلق عليه : افلام بلا ميزانية ، واذا كانت الظروف المادية التي تتعلق بالدعم تشكل هاجس هذه السينما وبما يدفعها الى التحدي والمضي في هذا المسار ، فأن السينما المستقلة في العراق تواجه تحد مصيري وهي الظروف المترتبة على المصاعب الأمنية ومصاعب نزول الكاميرا الى الشارع ، ومع ذلك يواصل السينمائيون العراقيون بصبر وعناد واصرار المضي في مشاريعهم السينمائية وينزلون بكاميراتهم الى الشارع غير مبالين بكل ماجرى ويجري ، ويستطيع المتابع ان يتلمس سينما عراقية مستقلة مازالت تتشكل وتتقدم الى اهدافها واعتقد جازما ان ثمان سنوات منذ سقوط النظام السابق ليست كافية لتأصيل التجربة السينمائية في اي مكان ولهذا فأن المستقبل المنظور سيحمل المزيد والمزيد من انجازات هذه السينما المستقلة الواعدة ...

ولأعطي امثلة حية على هذا الأندفاع والثقة بسينما عراقية مستقلة واعدة وذلك من خلال تجربة مخرجين عراقيين مهمين كانا قد خرجا توا من مهرجان الخليج السينمائي بجائزتين مهمتين ، الأول هو المخرج قتيبة الجنابي الذي نال فيلمه (الخروج من بغداد) الجائزة الأولى في مسابقة الفيلم الروائي واما الثاني فهو المخرج عامر علوان الذي نال فيلمه وداعا بابل الجائزة الثالثة في مسابقة الفيلم الوثائقي ، كلا المخرجين يستعدان الآن لأنجاز مشروع فيلم جديد لكل منهما ،كلاهما يواصلان المسار الذي اختطاه في مجال السينما المستقلة محدودة الميزانية ، قتيبة يحضر الآن لفيلم روائي طويل مأخوذ عن قصة قصيرة من الأدب العراقي بعنوان النافذة ، واما عامر علوان فيحضر لمشروع آخر ذا بعد تاريخي وانساني ...ربما يكون هنالك سينمائيون عراقيون مستقلون آخرون يواصلون المسار نفسه ويحضرون لأفلام روائية او وثائقية او قصيرة ، وهذا امر مؤكد فعجلة الحياة كما عجلة الأبداع لا  ولن تتوقف مهما كانت الصعاب ، ولهذا فأنني اراهن بثقة على التجارب السينمائية العراقية المستقلة وانا على يقين ان هذا المسار سيتعزز بمزيد من المنجز السينمائي وسيتجاوز السينمائيون العراقيون كل الملاحظات التي سجلت على بعض افلامهم وخاصة ضرورة تجاوز الكليشيهات والتراجيديا والكآبة واستدرار العواطف وتكرار الصور الوثائقية التي تتعلق بما جرى في العراق في المدة الماضية .

مواصلة السينمائيين المستلقين في العراق السير على طريق السينما المستقلة وتحديهم جميع الظروف والصعاب التي بعضها لايطاق وتواصل انجازهم رغما عن ذلك يستحق منا وقفة تقدير هم جديرون بها .



الخرافة والفيلم الهندي : "كاترين بيغلو" تخرج فيلما عن المطلوب رقم واحد

5-5-2011

تعود الى الواجهة مجددا الحملات الأعلامية الدعائية الضخمة والصخب والضجيج والبروباغاندا وتمتلئ شاشات  العالم بأسره قصصا واخبارا وتعليقات عن اسطورة المطلوب رقم واحد في تنظيم القاعدة وهذه المرة تسخر وسائل الأعلام لقصة اغتياله وتعود الى الواجهة صورة العربي المسلم الأرهابي ومايعرف ببجاحة ووقاحة ليل نهار ب(الأرهاب والتطرف الأسلامي) ويقوم الأعلام العربي الرسمي بدوره بكل اخلاص ونزاهة بنقل القصة بحذافيرها من مصادرها .. والخرافة الجديدة مرتبطة بخرافات سابقة حيث بمجرد ان ينطق اي انسان بكلمة (الحقيقة) ويطلب الحقيقة حتى تنقلب الخرافات والأساطير رأسا على عقب ويتضح حجم غسيل الدماغ الذي يتعرض له مليارات البشر يوميا ومنذ احداث سبتمبر ..بمجرد ان تكتب في محرك البحث كلمةThe truth في قصة الحادي عشر حتى تجد علماء امريكان ومفكرين كبار يتحدثون لك بالتفصيل عن الحقيقة ...بينما يصرخ جورج بوش والليكوديين الذين يسيطرون على القرار والبروباغاندا بشكل دائم مهما اختلفت الأدارات ، انهم هم الحقيقة والحقيقة المطلقة في العالم لايمتلكها غيرهم وكل من يهمس بكلمة خلاف ذلك مشككا في الروايات فعليه ماعليه ...وكانت الأمبراطورية بكل جبروتها وجيوشها الجرارة واقمار التجسس ومئات الوف المخبرين لايرون (القصر الضخم للمطلوب رقم واحد) في ضواحي اسلام آباد  العاصمة الباكستانية  كما لم يستطيعوا حل خرافة (الكهرباء) في العراق طيلة عشر سنوات وهي مستعصية عليهم وبكل عبقريتهم ومراكز ابحاثهم وتطورهم التكنلولوجي الخارق  ..وعلى مر اكثر من عشر سنوات ايضا والمطلوب رقم واحد قابع هناك ويجري اللقاءات الصحافية ويرسل الخطابات الصوتية الى احدى القنوات الفضائية الخليجية الثرية التي كانت هي الأخرى مخصلة امينة في بثها تلك الخطابات وبدرجة نقاء صوتي عجيب وكأن التسجيل الصوتي كان يتم في استوديو عالي التجهيز ...وليس من طرف شخص مطارد في الكهوف والمغارات كما كان يظهر في نفس تلك الفضائيات وهو يتنقل من جحر الى آخر ليحدث الأنقلاب الدرامي في "الفيلم الهندي" الجديد وهو ان المطلوب رقم واحد كان يعيش في قصر ..والكل لايدري ..وكله "فيلم هندي " يبدو احيانا ردئ الأخراج والسيناريو ، والأستعارة هنا تذهب للفيلم الهندي بسبب "كم اللامعقول واللامنطق والفبركة والكذب التي يزخر بها " مثال على ذلك : قال لي ابني الصغير انه شاهد فيلما هنديا وقرر ان لايشاهد اي فيلم هندي بعد الآن ...ولما سألته : لماذا ...؟ ، قال لأن مطاردة بين طائرة هوليكوبتر وسيارة تنتهي بأن السيارة تقفز من منحدر ثم الى تلة عالية واذا بها تطير في الهواء وتدخل في جسم طائرة الهوليكوبتر المحلقة في الهواء  وتحطمها ، ثم يخرج سائق السيارة ، البطل ، سالما ، ليعود الى حبيبته ويقبلها تلك القبلة الطويلة لنهاية الفيلم ...قال لي الغلام: ان هذا غير معقول...بالطبع تكون النهاية في "الفيلم الهندي" الجديد هي القاء جثة المجرم في البحر ...وعودا الى التسجيل الصوتي عالي النقاء الذي كانت تبثه فضائية خليجية مخلصة لدورها ، كان طيب الذكر الرئيس الكوبي كاسترو صرح مرارا انه يعلم جيدا ان التسجيلات الصوتية للمطلوب رقم واحد التي تبثها احدى الفضائيات الخليجية هي تسجيلات مفبركة بجهاز صوتي وتكنولوجيا صارت اليوم في المتناول بفضل التطور التكنولوجي ..وبالطبع سيقال انها نظرية المؤامرة فيما اذا حرك الأنسان سمعه وبصره وشيء من عقله ولو بالحد الأدنى وشكك في المهزلة وشعر بالأشمئزاز مثلي من جراء جلب قتلة وسفاحين وابناء شوارع ومن بيئات جاهلية متخلفة وصحراوية متحجرة لكي يصبحوا صورة نمطية لكل شرقي وشرق اوسطي وعربي ومسلم ويلاحق الجميع العار وعمليات الأذلال والتمييز العنصري من جراء ذلك ..ولا تتوقف القصة عند هذا الحد فللأمبراطورية خدمها المطيعين في حقل السينما من فصيلة الخمس نجوم من مخرجي هوليوود الذين يواصلون فصول "الفيلم الهندي" وهذه المرة سينمائيا في انتاج ضخم تقوده المخرجة " كاترين بيغلو" صاحبة فيلم خزانة الألم ، ذلك الفيلم المتواضع الذي نال عدة جوائز اوسكار يقول الخبر الذي تم نشره في وسط المعمعة والضجيج الأعلامي الهستيري : ما أن أعلن الرئيس الأميركي باراك أوباما أنه تم  القضاء على زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن، حتى بدأت استوديوهات هوليوود الإعداد لفيلم جديد حول مقتل المطلوب رقم واحد في العالم، والأشهر في التاريخ.

وذكرت مجلة "فرايتي" وموقع "هوليوود ريبورتر" أن المخرجة كاثرين بيغيلو والمنتج مارك بوال الذين قدما فيلم "خزانة الألم" حول الحرب في العراق الفائز بـ6 جوائز أوسكار في العام 2009، يستعدان لبدء تصوير الفيلم عن بن لادن هذا الصيف.

ومن المرجح أن يحمل الفيلم اسم "اقتل بن لادن" Kill Bin Laden.....الى آخر الخبر ..

الحاصل ...انني ارى : ان العالم كله محشور اعلاميا ...سينمائيا ...فكريا ...ثقافيا ...في غيتو يضيق ويضيق ويشتد فيه الأستقطاب الديني / العنصري وتتصاعد فيه اصوات التطرف والأنتقام والأحتقار وصراع الثقافات والأديان والأيديولوجيات المتطرفة تغذيه الخرافات الأعلامية التي صارت تتمثل في غسيل دماغ جماعي لامثيل له بسبب الأنقياد الأعمى لأكثر الأكاذيب افتضاحا ...ذلك ان الأنسان صار يفقد يوما بعد يوم ارادته وقدرته على التفكير المستقل ، صار الأنقياد الجمعي صفة ملازمة ترسخها الأنظمة والحكومات المحلية التي صار قسم كبير منها يقوم هو الآخر بمايجب عليه من تأجيج للأحقاد والكراهية والصراعات داخل البلد الواحد كما هو حاصل في العديد من البلدان العربية .

والحاصل ايضا ، ان القصة وهذا الفيلم الهندي المتواصله فصوله لايعرف كيف ستؤول وماذا بعد العودة القوية والصاخبة لمايعرف في الأعلام الغربي والعربي بالتطرف الأسلامي ؟ ماالذي ينتظر الجميع ؟ بالطبع اذا تحدثنا عن العالم العربي فالكل ، حكاما ومحكومين هم بلا حول ولاقوة ولا رأي ولا موقف بهذا الصدد ، الكل يجهل جهلا تاما ومطلقا  ماهو الآتي من الخطط و"الأفلام" والخرافات والأساطير ..اوامر الأمبراطورية تقول : وماعلى الكل الا السمع والطاعة ..والرضا والتسليم بكل الخرافات والأكاذيب والتضليل والسكوت والرضا بمشاهدة الأفلام الهندية الجديدة..واما عربيا واسلاميا ، فكما نرى ان التخلف في كل شيء هو سيد الموقف والتخلف هو المرتع الخصب لكي تنتشر الخرافات والأكاذيب برعاية السلطات التي تريد ان تبقى ولايهمها شيء آخر غير البقاء السلطة مهما كانت التبعات والنتائج..

 

 



آفاق  السينما المستقلة في العراق :الواقع والمستقبل                   1-5-2011

مما لاشك فيه ان من الأمور التي نهتم بها في "ورشة سينما " واهتم بها شخصيا وادعمها بقوة هي الجهود والنجاحات الفردية والمبادرات السينمائي التي تستحق التقدير ولاشك  ان جمهور قراء ومتابعي الورشة قد تنبهوا مسبقا ومع انطلاق الورشة الى تركيزنا على مثل تلك المبادرات وتسليط الضوء عليها في اي مكان كانت من العالم العربي من منطلق الهموم المشتركة التي يحملها السينمائيون في العالم العربي من المحيط الى الخليج ...وكنت منذ مطلع العام 2004 وابان وجودي وعملي في العراق قد بشرت بولادة السينما العراقية المستقلة ، وكتبت اكثر من مقال في هذا الأتجاه ورؤيتي لهذا الموضوع انطلقت وماتزال من الثقة بالقدرات العراقية التي كلما ضيقت عليها الأقدار ومصاعب الحياة كلما زادتها صبرا واصرارا على الأستمرار والأبداع اضافة الى عامل مهم وهو العامل البشري الغني والمتنوع  فالعراق هو من بين بلدان عربية قليلة وفرت الفرصة المجانية لدارسة السينما في المعاهد والجامعات منذ ستينيات القرن الماضي ولهذا لعب هذا العامل البشري دورا مهما في رفد السينما العراقية المستقلة بأسباب التجدد ...وفي المقابل ورث السينمائيون العراقيون واقعا مرتبكا ، فالعراق لم يعرف صناعة سينمائية متطورة لكن السينمائيين العراقيين عرفوا  لهم مؤسسة للسينما تابعة للدولة عدت في يوم من الأيام نموذجا متطورا وفريدا في العالم العربي ، مبنى ضخم من عدة طبقات انشأته شركات يابانية وكورية وجهزته بأحدث المعدات والأجهزة السينمائية فضلا عن الصالات الحديثة والمتطورة وذلك مع مطلع الثمانينات من القرن الماضي وشهد ذلك المبنى انتاجا سينمائيا ومهرجانات وندوات كما شهد عروض نادي السينما العراقي لكن المؤكد اننا لانتحدث عن صورة مشرقة بالكامل فما ان رأى ذلك المبنى النور حتى استحوذ عليه اعلام الحرب التابع للدولة وصارت السينما جزءا من البروباغاندا الحربية للنظام ابان حربه مع ايران ..فلما اسقط النظام جاء الأحتلال الأمريكي وكانت مؤسسة السينما ومبناها الفخم والحديث من اول اهداف الحرق والتدمير حتى بقي المبنى اثرا بعد عين ثم امتد الخراب الى جميع المسارح ودور السينما التي طالها اما التخريب او الأغلاق ...وفي ظل قتامة الصورة هذه نشأت السينما العراقية المستقلة وخرجت الأفلام العراقية من رماد الحرب والأحتلال مع فارق واحد ان صار بمستطاع السينمائي العراقي ان يقول في فيلمه مايريد من دون خوف ، فقد مات الرقيب السياسي والأمني ..وبسبب كثرة الفضائيات في مقابل تعطل عجلة السينما ذهبت مئات الطاقات العراقية من خريجي اقسام السينما الى ممارسة شيء من تخصصها في العمل التلفزيوني الفضائي وعلى هذا يمكن تمثيل السينما المستقلة في العراق انها تختصر في كاميرا وسينمائي ينزل بنفسه ، بصدره العاري وبكاميرته بشجاعة تحسب له الى شارع مليء بالفخاخ وتسمع فيه اصوات الأنفجارات والأغتيالات..وبما دفع السينمائي العراقي المستقل الى نقل الواقع كما هو ...وهو امر معتاد حتى صارت الصفة الملازمة للكثير من الأنتاج السينمائي العراقي المستقل  تكرار واحيانا اجترار ماهو معروف ومألوف مما هو معروض على الفضائيات من مشاهد فاجعة وتراجيديا وخراب وبكائيات ..ولااعتراض على ذلك في مرحلة ما من الأنتاج المستقل لكن ان يتحول ذلك الى (لازمة) تتكرر وتتكرر وتستدر عطف المشاهد وتعاطفه الى امد غير محدود وبمعالجات رتيبة وشخصيات مكررة فأن ذلك ماسيصيب هذه الجهود المستقلة بمقتل لأن الحذر والخطر في هذا الباب هو ترسيخ السينمائيين العراقيين المستقلين بقصد او من دون قصد للصورة النمطية للأنسان العراقي والحياة العراقية حتى يغدو من الصعب محوها من الذاكرة ، من هنا سأتحدث عن ظاهرة السينما العراقية المستقلة بمزيد من الصراحة منطلقا من الحرص على استمرار التجربة وانضاجها وتطويرها ...وهنا لابد لي ان اقول :ان المشاهد العربي والأجنبي على السواء بدأ يتململ ويقول للسينمائي العراقي كفى بكائيات وتراجيديا وصور نمطية مكررة ، وكفى تعليق شماعة الخراب على النظام السابق وشتمه بكرة وعشيا فهذه فهمت تماما والناس حفظتها عن ظهر قلب ، المطلوب هو الأنتقال الى ماهو اعمق واكثر ابداعا وجمالية ، اكتشاف اوجه اخرى للحياة والأنسان ، تقديم معالجات رصينة وغير متعجلة وغير مفبركة حتى انني سمعت عن مخرج يخرج فيلما ممن باطن فيلم آخر ثم يذهب للحصول على الدعم المالي ، هذه صورة اخرى ، السينما المستقلة لاتحضن ابدا من كل هدفه امران هما :  (الثراء) و(الشهرة) فقط ،السينما المستقلة ولكونها مستقلة فلن تتعكز على دعم حكومي ولن يفت في عضدها اهمال الحكومات المتعاقبة فذلك محفز قوي لها لأن اهمال وتجاهل السينما والسينمائيين هو عرف ونهج عربي وعراقي ثابت ،  السينما المستقلة تتجاوز ذلك باتجاه الهدف وهو انجاز اعمال ناضجة تخلد في الذهن وتقدم ابداعا حقيقيا لاتمثيليات تلفزيونية في شكل افلام روائية ، الذي ينقص السينما المستقلة في العراق ان تكون التراجيديا والفواجع خلفية للأحداث ، ليس مطلوبا تزويق الواقع العراقي الخرب ولا تجميله ولا منح براءة ذمة لأي سياسي سابق او لاحق لكن ليس مطلوبا من السينما المستقلة ان تتحول الى بوق واجترار سياسي سواء ضد نظام سياسي سابق او لاحق ، المطلوب من السينما المستقلة في العراق اعادة قراءة وانتاج الواقع وتقديم صورة انسان حي وفاعل ومنتج ، السينما المستقلة مطالبة بمنح المرأة العراقية ماتستحق ، فهي غائبة ومغيبة بشكل شبه كامل في هذه التجارب ، غائبة او مغيبة كسينمائية مع ان خريجات اقسام السينما لسن اقل عددا من الشباب السينمائيين ، وهي غائبة او مغيبة في افلام السينمائيين المستقلين او ان حضورها مشوش وقلق ولايتاح لها التعبير عن نفسها كأنسانة حية ومثقفة واعية وناضجة في بلد منح اول شهادة دكتوراة لأمرأة في سنة 1920 ، في بلد فيه المرأة هي  الرقم الأصعب في استمرار الحياة رغم الحروب والخراب فهي التي حفظت الأسرة وحافظت على الكيان المجتمعي بما استطاعت من صبر وعمل مضني ...

لابد لي ان اقول في الختام انني متفائل بالسينما العراقية المستقلة وبتكاثر اعداد السينمائيين الشباب وغير الشباب الذين صاروا يتصدرون المهرجانات العربية ويحصدون الجوائز لكن مامطلوب منهم ان يعبروا بمزيد من التركيز والأهمية والنضج عن فكرة ومشروع السينما المستقلة وان يبدأ السينمائيون العراقيون المستقلون وابتداءا من الآن الأشتغال  على تجارب طليعية واعية وثائرة على جميع الكليشيهات من خلال افلام عابرة للتراجيديا والأحزان والخراب ..نحن نريد من السينمائيين المستقلين العراقيين تجارب عميقة تغوص في عمق الحياة واعماق الأنسان والحياة العراقية لتخرج لنا بتجارب جديدة  مستقلة ناضجة ومتجددة وجديرة بالأهمية والتأثير ..فالفرصة متاحة والآفاق مفتوحة وايجابية وستفرض هذه السينما نفسها على الواقع الأجتماعي والثقافي وعندها سنفخر ان لافضل لأحد في ماوصلت اليه السينما العراقية المستقلة الا السينمائيون العراقيون المستقلون انفسهم ...

الكاميرونيون الأفاتاريون" ...ماذا يريدون؟

24-4-2011  


مما لاشك فيه ان الحديث عن التكنولوجيا الحديثة وادماجها في الوسائل السمعية البصرية وحقل الصورة السينمائية تحديدا يشهد في زمننا الراهن والمستقبل المنظور تحولات وتطورات دراماتيكية متسارعة وغير متخيلة وغير مسبوقة وتقع الصورة ثلاثية الأبعاد في اعلى قمة الهرم في هذا المجال ..ولربما يمكن القول ان الثورة التي احدثها دخول الصوت الى السينما في العام 1927 يشبه الى حد ما الثورة المرتبطة بالصورة ثلاثية الأبعاد .

واما اذا ماانتقلنا الى المنجز الأقرب في هذا المجال يمكنننا الحديث عن ماقبل فيلم "افاتار" –جيمس كاميرون – ومابعده ، اذ ان هذا الفيلم هو الذي وضع الحجر الأساس لسينما ليست ميزنها هو تطورها في مجال نكنولوجيا الصورة والصوت والمؤثرات البصرية وادماج المعلوماتية الحديثة بالفن السمعي البصري بل ايضا في ادماج الصورة الأفتراضية والعالم الأفتراضي بنظيره الواقعي وتضييق الفجوة فيما بينهما ....وتتسع القصة مع اعلان كاميرون مؤخرا تأسيس مشروعه الضخم بالشراكة مع زميله في مشاريعه "فينس بيس " ، الثنائي : كاميرون – بيس يسعون لتوسيع هذه "الثورة" من صالات السينما الى المشاهدة المنزلية اليومية ويريدون نقل تجاربهم القادمة الى التلفزة ولكنهما وخلال ذلك يناديان القائمين على تكتنولوجيا الشاشة الصغيرة لمغادرة مااعتادوه وعودوا مشاهديهم عليه .

والحقيقة انهما لايفجران هذه القضية افتراضيا او كونها احلام مجردة ثلاثية الأبعاد بل انهما يطرحان سؤالين متوازيين يكمل احدهما الآخر وهما : كيف يحقق الأنتاج ثلاثي الأبعاد جدوى اقتصادية لجهة مصالح المنتجين التلفزيونيين ؟ ، المسألة الأخرى ان يحققوا طفرة ونقلة حقيقية على صعيد عملية المشاهدة ...بالنسبة لكاميرون يقول معلقا على الأزدواجية الثنائية والثلاثية الأبعاد ، ان عملية الأنتاج الضخمة للسينما ثلاثية الأبعاد ستكون اكثر تكلفة فيما اذا تم الأنتاج مرة اخرى وبنسخة موازية لغرض العرض ثنائي الأبعاد ولهذا لابد من حلول ...لكن السؤال هو : هل ان شركات الأنتاج وشركات ومحطات التلفزة في الولايات المتحدة والعالم مهيئة الآن لمثل هذه "الثورة "؟ التي ينادي بها كاميرون وصحبه ؟..بالطبع ان الجواب هو :كلا ، فلا تقنيا ولا على صعيد الخبرات والمتخصصين ولا على صعيد التسويق والأمكانات ثم استعداد لأستقبال هذا التحول الدراماتيكي بشكل سريع  ، ويذهب كاميرون الى التأكيد على ان لغة السينما واحدة لاتتغير لكن التغيير هو في هذه الأساليب والتجارب وهو ما جرت العادة عليه الآن وماهو مضاف هو الأدوات المستحدثة التي تجيء لتعميق الأسلوب وطرح اللغة السينمائية بطريقة اخرى كما يقول كاميرون ... هذه القضايا التي تستشرف تحولا حقيقيا وثورة جبارة في هذا الحقل تطرح ابان انعقاد اكبر تظاهرة للمنتجين في حقلي الأذاعة والتلفزيون في الولايات المتحدة عقدت في مدينة لاس فيجاس مؤخرا حيث اطلق صاحب "افاتار" افكاره الجديدة بحضور اكثر من 90 الف مشاهد ..

الحاصل اننا امام موجة عارمة في حقل السمعبصريات وحقل السينما ستؤدي حتما الى مزيد من الأندماج بين تكنولوجيا المعلومات والتلفزة والسينما وبين تصميم الجرافيك وخواص الصورتين السينمائية والتلفزيونية حتى لايكون بالأمكان الفصل بينهما بسبب التكامل الخلاق الذي سيأتي في المستقبل المنظور من خلال الأنتاج ثلاثي الأبعاد .مايجب ان يفعله المشاهد بعد الآن هو ان يحاول مغادرة طريقته التقليدية في المشاهدة ونظرته ان ماهو ثلاثي الأبعاد مقترن بألعاب الفيديو او ان العالم ثلاثي الأبعاد هو مجرد تقليعة في العرض السمعي البصري لاتعني سوى من يهوى مشاهدتها .

ماينادي به كاميرون وفريقه من كبار المحترفين في هذا الحقل هو ان يسلم الجميع بما هو آت على انه بديل فعلي لكل مامضى من اشكال واتجاهات المشاهدة وان على شركات الأنتاج والشركات المصنعة للتقنيات والمعدات ان تستعد وان تجعل تداول هذه التكنولوجيا واقع قائم وميسر والحاصل اننا امام تحول حقيقي باستثمارات ضخمة وصناعة عملاقة ، ولهذا فأن الحذر هو سيد الموقف حتى الآن قبل وصول " العاصفة التكنولوجية" الى معاقل محطات التلفزة والى عتبات البيوت وهو مايحلم به الكاميرونيون الأفاتاريون ويسعون له بلا كلل ولا هوادة وهم مصممون عليه ..

 

مهرجان الخليج في دورته الرابعة ...نجاح آخر                    17-4-2011

مما لاشك فيه ان هنالك حاجة ماسة لتطوير العمل الأبداعي السينمائي في منطقة الخليج ، هنالك نمو اقتصادي وتطور ملحوظ في مستويات التعليم وهنالك وعي متزايد بأهمية دور السينما وفن الصورة بشكل عام . وعلى هذا يأتي انعقاد مهرجان الخليج السينمائي في دورته الرابعة ليحقق جوانب ايجابية كثيرة دفعة واحدة فعلاوة على حسن التنظيم الذي صار علامة فارقة ومميزة لفريق عمل السيدين عبد الحميد جمعة رئيس المهرجان ومسعود امر الله العلي ومساعديهم ، حيث رسخ المهرجان تقاليد عمل مثابرة ملفتة للنظر غابت عنها الثغرات المعهودة في كثير من المهرجانات فأن المهرجان في دورته هذه يكون قد رسخ هويته ومكانته واصبح في وضع يؤهله لأداء ادوار اكبر في المستقبل .

ونجد في المقابل احتضان المهرجان للطاقات الشابة والواعدة من هواة ودارسي السينما وهي مسألة اعدها اسبقية بالغة الأهمية على امور كثيرة ، اذ وجدنا في هذا المهرجان احتفاءا بجيل شاب وواعد عومل بمزيد من الحفاوة والرعاية والأهتمام وهي ميزة لاتتحقق للأسف في اي مهرجان عربي آخر تلتحم فيه خبرات المحترفين مع تجارب الطلبة والهواة .ولأقل انني شخصيا من اشد من ينتابهم الفرح وانا اشاهد طلابي وقد جاؤوا الى المهرجان بأفلامهم عاما بعد عام ...وكذلك الحال مع شباب متطلعين وواعدين قادمين من عدد من بلدان الخليج ..هذا اللقاء الفريد بين السينمائيين الشباب من دول هذه المنطقة بدأ يرسخ تقاليد مهمة من خلال مسابقات المهرجان ونشاطاته الأخرى .

ولعل المسألة الأخرى الملفتة للنظر هي العدد المميز من المخرجات من منطقة الخليج وهذه ظاهرة مميزة اخرى اذ في كل عام هنالك نخبة مميزة من المخرجات يقدمن اعمالهن ..لابد لي ان انوه هنا اننا لانعني بذلك ان هذه الأعمال التي يقدمها المهرجان لاتخلوا من ملاحظات وجوانب فنية ونواقص في السيناريو بشكل خاص ولكنها ظواهر طبيعية وستخلق بالتدريج وعيا جماليا وتقاليد عمل راسخة تتعزز يوما بعد يوم .

ومن تجارب المهرجان الجديدة تجربة المخرج عباس كياروستامي من خلال ورشة العمل التي اقامها لعدد من الشباب الواعدين من عدد من بلدان الخليج ، وفي واقع الأمر ان هذه الورشة رسخت جانبا آخر ومن جوانب المهرجان في كونها هي الأخرى اقرب الى واقع السينما الخليجية وليست بعيدة عنها .

يستحق مهرجان الخليج في دورته الرابعة التحية والتقدير على كل ماتحقق وانجز وعرض فيه وللجهود الرائعة والمتميزة لفريق عمل المهرجان الذين صنعوا مهرجانا بمستوى مميز من المهنية والأحتراف .

 

 

مجتمعاتنا المأزومة ..اين موقعها على الشاشات ؟


1

ربما كانت مسألة تقديم وعرض صورة المجتمع هي احدى الأشكاليات التي تجابه صانعي الفيلم ، اذ تصدق حقيقة ان الفيلم ماهو الا مرآة للواقع الأجتماعي ، هذه الفرضية المبسطة ستتسع الى مديات اخرى بتقادم التجربة السينمائية من جهة والبحث عن موضوعات مؤثرة من جهة اخرى . فالعبرة ليست في النقل المجرد للمجتمع الى الشاشة ولا مايسمى بالحفاظ على المصداقية التي تقترب من النقل الفوتوغرافي . اذ لو تم تبسيط الموضوع الى درجة النقل المباشر بموجب مايطرحه منظر كأندريه بازان لكنا ازاء فيلم محكوم بشرطه الواقعي المباشر لا بشكله الفني ، ومابين الحالتين ثمة فاصلة شاسعة بكل تأكيد .

من هنا صرنا في مواجهة البحث في المسألة الأجتماعية على اساس تراكم تنظيري عميق ومتنوع كانت البشرية قد صنعته وصار موروثا نظريا وتطبيقيا واسعا ولطالما اثيرت عبقرية مفكر عربي كأبن خلدون في استقصائه لفكرة التجمعات البشرية ومنها مثلا فهمه للحضر والتحضر في مقابل البداوة سواء من جهة السلوك الأنساني الفردي والجماعي او من جهة التجمع كشكل من اشكال التعبير عن الذات وتبادل المنافع والحفاظ على شروط البقاء وتمتد الرحلة الى منظرين كبار آخرين كماكس فيبر واوكست كومت وجان بياجيه...... وغيرهم ... من هنا وجدنا ان مجرد نقل صورة المجتمعات الى الشاشة كمجرد موضوعي ليست بكافية تحت اي قياس ، اذ لابد من توفر ( رؤية) ويالها من كلمة جامعة مانعة ، فكل ابداع في كل حقل لن يكون ولن يعني شيئا يذكر بلا رؤية وتلك محنة التخبط الأنساني وآيات الفشل لأنها ملكة من الملكات التي يختص بها كائن دون سواه ولاسبيل لأكتسابها بسهولة .

على هذا كانت الرؤية هي المحرك والمعيار في النظرة للسياق الأجتماعي ، اذ ان هذه الرؤية تفرض مايتم انتقاؤه كي نراه على الشاشة من بين مالانهاية له من الأحتمالات الأخرى .

وخذ كيف عرض مخرجون كبار صور مجتمعات بأكملها ، خذ الأفلام التي قدمت صورة ما للمجتمع الشرقي في مقابل صورة موازية للمجتمع الغربي ، خذ شخصية العربي على الشاشة ، وشخصية الآسيوي والزنجي ، اذ صار هنالك تراكم و( دستور) متفق عليه وهو غير معلن للصورة النمطية لكل هؤلاء واولئك .

 

2

 

على هذا كنا ازاء اشكالية موازية : اذ كما كنا نتحدث عن الصورة التي ظهرنا عليها بحسب رؤية ( الآخر) سنتساءل عن الكيفية التي اظهرنا فيها وقدمنا فيها انفسنا نحن .

اذ يمكن ان نمضي في نقد هذا الآخر ولومه لأنه يشوه صورتنا ، لكن السؤال هو كيف قدمنا صورتنا نحن للآخر ؟وكيف تمثلت صورة مجتمعاتنا على الشاشات ؟

احسب ان هذا الموضوع من الأهمية بمكان لأنه ان كانت فيه ادانة وتحفظ او عدم قبول للصورة التي صنعناها نحن لأنفسنا على الشاشات فأن السؤال هنا هو : وماتراها تكون صورتنا الحقيقية غير التي قدمتها السينما العربية لصورة العربي خلال مايقرب او يزيدعلى نصف قرن بحسب اعما ر التجارب العربية ؟.

بالطبع يمكن اجراء مسوحات تتعلق بتلك الصورة التي قدمنا بها مجتمعاتنا ومن خلالها قدمنا صورا لكل من : الأسرة – الفرد مجردا- المرأة .

كانت الأسرة العربية هي التي تؤرقها متطلبات العيش ، لم تكن هنالك غير الطبقات المتوسطة والفقيرة ، لم يظهر من المجتمعات الفقيرة غير ازمات الفقر وتبع ذلك شكل العلاقة الأجتماعية الملتبسة ، و صورة المرأة الأشكالية . كان هنالك افراد سلبيون كثر ، اناس غير مكتملي الأبعاد ، لايتم الحديث عن حيواتهم الجوانية ولا رؤاهم وافكارهم في موضوعات عديدة حساسة ، ثم انهم نمطيون تماما في التعبير عن انفسهم ، كانوا في الأغلب افرادا يمتهنون مهنا بسيطة ويمضون جل وقتهم على الشاشة في اللغو ، وفي تتبع سير الآخرين .

 

3

 

ليس في ماذكرناه مبالغة تتصل وتصدق على السواد الأعظم من الأفلام العربية .... وعلى هذا لم تنتج الطبقة المتوسطة تلك العقول اللماحة والواعية والقادرة على جدل الواقع ، بينما قدمت الطبقات المتوسطة واقعيا و في عموم البلاد العربية نماذج عديدة من المثقفين الجدليين ، القادرين والمؤهلين على قيادة الرأي بينما حرصت جل نتاجات السينما العربية على تجاهل هذا النموذج ، وقدمت بدلا عن ذلك رجل وامرأة الطبقة المتوسطة وهما يغرقان في لذة العيش ، هما كائنان ينشدان الحب والعلاقات الغرامية في الغالب وتدور جل هذه الأفلام في مسألة الأحتقانات العاطفية ، والمغامرات التي تخلف وراءها مايعرف بجنون الحب وعدنا معها الى قيس وليلى ... الحرمان الذي تنضح به الطبقة الفقيرة يكتسب شكل حرمان قيمي لدى الطبقة المتوسطة في امثلة من افلام السمان والخريف والنظارة السوداء والرصاصة لاتزال في جيبي و عودة الأبن الضال و ثرثرة فوق النيل والعوامة 70 والبرئ و ميرامار وزوجتي والكلب والراقصة والسياسي و المستحيل وغيرها كثير ، فالمثقف الجدلي على الشاشات العربية في الغالب هو المثقف الفاشل او في الأقل المثقف المحبط ، وهو في الغالب ايضا المثقف اليساري وهو مثقف نظري في افعاله واقواله في العديد من الأفلام وهو طوباوي ، يحلم بالمدينة الفاضلة ويقص على من حوله قصصا هلامية عن والحرية والأستقلال ورفض العبودية وتحرر المرأة ونشر العدل والمساواة ، لكن هذا المثقف الطوباوي الذي انجبته الطبقة المتوسطة في الأغلب الأعم سرعان ما سينقلب على عقبيه بعدما يتحقق الأحلام والأنقلاب ويكون هو ضمن هرم السلطة ، سيتنكر للماضي وللشعارات وأماني الحرية وكل الكلام النظري الذي يتحول بالتدريج الى شكل هجيني من البرجوازية الثورية ...

واجد ان الحديث في هذا الباب يتسع الى مديات اخرى سنحاول ان نسلط الضوء عليها في فرص مقبلة انشاء الله .

قوة الوثيقة السينمائية  وصرخة الأنسان : ارحل  

27-3-2011

ربما كان الحديث عن قوة الوثيقة هو حديث عن حدود المصداقية ونقل الحقيقة على الشاشات . وكان هذا سرا من اسرار السينما وسببا قويا من اسباب المساحة الواسعة من الأهتمام التي اخذت تحتلها مع تقادم الزمن .فقصص الحربين الكونيتين وحرب فيتنام والبوسنة وحروب الخليج بكل فصولها مثلا كانت مادة خصبة للعدسات وكانت الحقيقة معيارا لقوة الصورة .كانت ثمة معطيات لاخلاف حولها في تقديم فكرة الحرب . السينما اليوم تعمد الى تنويعات موازية لحروب القرن الجديدة فيما عرف بالحرب طويلة الأجل على الأرهاب.

واقعيا كان البرجان علامة فارقة على تنوع الوثيقة السينمائية , على امتلاك الوثيقة خاصية ما عبر ايقونة البرجين , كما كان شكل ( الفطر ) في قنبلة هيروشيما وناغازاكي . القوة الدامغة للوثيقة ظلت محركا لأيجاد لغة اخرى : اما لغة فنية جمالية متجردة من سطوع الوثيقة السينمائية ومعتمة عليها , او انها التقاط لجزئية من الحقيقة او التفاعل معها او تحويرها , وفي كل  الحالات كانت الوثيقة ركنا اساسيا من اركان لغة السينما . السبب في هذا هو السؤال البارز : من اين يستمد الفيلم موضوعاته ؟

انها عودة الى لغة واقعية , لكن ماانجزه جيل الحداثة السينمائية كان وحده كافيا لتأكيد حقيقة الطاقة التعبيرية للفيلم عند خروجه من اسر الوثيقة ..

على الشاشات جرى تداول صورة رجل البوليس الذي يطلق الرصاص الحي على جرحى في ظل معركة غير متكافئة ,الهجوم البربري لرجال البوليس واحتشاد مجنزراتهم في الشوارع العربية  لقتل متظاهرين عزل ، صور الخيول والجمال التي قادها القتلة وهي تفتك بالأبرياء في ميدان التحرير في عودة رثة وبائسة الى عصور البداوة والهمجية والتخلف  ، الصورة الواقعية وذلك الحوار الدرامي غير المتكافئ بين الجسد والرصاصة  الذي تم نقله الى العالم كان تأكيدا لقوة الوثيقة الفيلمية واكتفائها بقوة تعبير ذاتية تغني عن كثير من الكلام والشروح والتفاصيل . اللازمة تكررت منذ احداث سجن ابو غريب حيث بقيت للوثيقة قوتها الدامغة على قول الحقيقة وكان ذلك مصدرا كافيا لتقديم صور موازية على الشاشات كما هو فيلم "صنع في الولايات المتحدة" للمخرجة ماري مونيك روبن  . بموازاة هذا امتلكت السينما الوثائقية قوتها  من قوة الموضوعات التي حملتها حياة الناس والمجتمعات خذ مثلا سلسلة اعمال المخرج البلجيكي العالمي الكبير تيري ميشيل : نهر الكونغو ،كاتاغانا ،تحت السطح ، اطفال ريو ، ايران خلف الستار وغيرها ، هنا يلتحم الأنسان الذي على الأرض بالصورة التي على الشاشة ولاتكاد تشعر بفاصلة الآلة والفن عن الأنسان والأرض والواقع .

من هنا صرنا ازاء واقعية فريدة تمنحها الوثيقة وتقرب الفرضيات الأنسانية والأيديولوجيا من الحياة التي تتفاعل فصولها وتحولاتها ، فمنذ افلام الكبار المؤسسين للسينما الوثائقية : بازيل رايت ، فلاهرتي ، جريرسون وغيرهم كانت ملاحقة الحدث شغلا شاغلا باتجاه توثيقه ، تحنيطه ، حفظه ، تجميده ، كل هذا ربما يقرب من صورة النزوع السينمائي الجبار لأيقاف مد الحياة وتحولاتها في برهة ما ،وهو ماتطور في تجارب مهمة  قدمها مخرجون معاصرون بارعون من ابرزهم : ايرول موريس ، روس مكلوي ، جان روش ...

 اليوم والثورات والأنتفاضات العربية تعصف بالأنظمة المتهالكة الهرمة البائسة  التي انتهى عمرها الأفتراضي  واصبحت خارج الزمن  وهي تداري مؤسساتها المتهالكة بالترقيع والتجميل فأن قوة الوثيقة تتماهى مع قوة ارادة الأنسان ونزعته للتغيير والرفض ، رفض استغبائه واستعباده من المهد الى اللحد والبيعة التي في رقبته باعتباره عبدا للسادة الطغاة ، هكذا كان ابطال الصورة الوثائقية شباب ثورة الياسمين في تونس ثم شباب مصر وشعب مصر في ميدان التحرير ومازالت الفصول تترى في باقي ميادين وساحات التحرير والتغيير في  ارجاء العالم العربي ، الأنسان الذي يصرخ بكلمة واحدة (ارحل) يدمغ الوثيقة بقوة انبثاقها العميق من رحم الأرض ومن عظمة الأنسان ، صرخة الأنسان العربي المشتركة بوجه كل الطغاة والعائلات الحاكمة صححت تلك الصرخة والفعل الشجاع ماقامت به تلك الأنظمة المتحالفة مع البروباغندا الغربية في احتقار الأنسان العربي واظهاره على انه مجرد انسان عبثي مخرب او انه (اصولي اسلاموي متطرف ) يفجر نفسه بطريقة همجية وعبثية ، انسان ميادين التحرير والتغيير في العالم العربي هو انسان آخر قلب معادلات انظمة ومصالح الأمبراطوريات ومخططاتها رأسا على عقب ، كانوا هم يخططون لنا لعشرات من السنين قادمة ونحن نراوح في الذل نفسه ، الوثيقة التي عل الشاشات العربية اختلطت فيها الجنسيات العربية واختزلت في كلمة (ثورة ) و(انتفاضة) و (ارحل ) ..

كم هائل من الموضوعات تقدمه الساحات العربية المنتفظة ، المطالبة بحقوق تليق بآدمية البسر وكونهم شركاء في القرار والثروة والتداول السلمي للسلطة وليسوا تابعين وقطيعا هملا ساذجا يسبح بحمد الطواغيت ليل نهار ضمن الملك العضوض الذي لايبارح العائلات كابرا عن كابر حتى لو كان فيهم الأحمق والجاهل والغبي والفاشل ...الساحات العربية تختصر العبقرية وتمنح الصورة الوثائقية ابهى ازمانها ، شاشات العالم تملؤها صور الأنتفاضات العربية ووثيقة الثورات والأنتفاضات صارت تقدم انسانا عربيا لم يؤثر السلامة لكي يأمن بطش جلاوزة القمع والبوليس السري بل دفع ثمن تلك الوقفة من دمه وقدم قوافل من الشهداء من المحيط الى الخليج ...

قوة الوثيقة السينمائية محور تدور من حوله الأسئلة وتتفاعل الرؤى ، ويغدو خيار الوثيقة هو السهل الممتنع ، الذي يدفع باتجاه الخوض في لجة الموضوعات الأقرب الى حياة البشر اليومية لكن الوثيقة وفاعليتها ونفاذها تبقى سؤالا عصيا ومهمة تتصدر قضايا الفيلم الوثائقي

 

السينما ... متعة المشاهدة واحلام رولان بارت                    22-3-2011


بين السينما وجمهورها ثمة صلة ما ...صلة مازالت موضوع بحث فالمسألة هي خلاصة علاقة عملية التلقي التي تحتمل كثيرا من التفاصيل وماهي حقيقة التلقي والمشاهدة وكيف هي تحولات الصورة في اثناء تلك المرحلة . واقعيا ليست المسألة اكثر من كونها آلية عرض للأشياء المصورة بكل ما توفره الالة من امكانات ثم هناك النسيج الضوئي والصوتي والحركي الذي من خلاله نحاول ان نجد انفسنا على اساس اننا مشاهدون ... نحن ازاء شبكة من (القوى) التي تصنع عملية المشاهدة  المجردة وحيث التلقي مرتبط قوة الشكل الفيزيائي: السمعي - الحركي ثم قوة الضوء واللون وقوة الاثر السمعي .. لكن هذه العملية المركبة ليست تعني شيئا امام هذا القرص المدمج الذي اصبح مثل علب الطعام الخاوية التي لم يلب منها شيء سوى المخلفات ولهذا ترمى الاقراص المدمجة في سلات المهملات تباعا ومع نفيها هذا ستنفي المنظومة البصرية السمعية الحركية التي تنطوي عليها.

لم يكن كل هذا يعني شيئا امام هذه الغزارة البصرية التي تتدفق بها الالة الممثلة للسينما  ، الغزارة  التي تقدمها الجداريات- الشاشات  الضخمة في مراكز التسوق والمطارات والاماكن السياحية.

في المطار خاصة ووسط حركة الناس وراء مواعيد الرحلات تولد سينما اخرى سينما الناس العابرين الذين يلتقطون لقطة او مشهداً تندمج مع حركة الطائرات .. وكل شيء حركة في المكان.....دهشة التلقي والمشاهدة صورت عنوانا لسينما اخرى مختلفة انها ما تسمى بـ(السينما المنزلية) سينما غرفة المعيشة غرف النوم وغرف الضيوف هي سينما اخرى وفرتها قنوات الافلام التي تدمج خرفية الفيلم مع فرضيات اخرى موازية واحوال مشاهدة مختلفة : العثمة مفقودة هنا وكذلك مساحة العرض المرئي ...وحتىفي داخل احد المهرجانات العربية كان بعض الجمهور يصنع ذائقته : الفيلم مهم ولهذا جئت خصيصا لمشاهدته من بين افلام المهرجان ولكن عائلة بكاملها كانت تجلس الى جانبي وهي تصنع المؤثرات الصوتية القاتلة لمتعة المشاهدة ، كانوا يلتهمون بشهية مفتوحة كومة من الذرة  (بوب كورن) ورقائق البطاطا (التشيبس ) وتأكدت انها عادة جديدة تسللت الى جمهور السينما فلا يكاد يدخل الصالة شخص من غير متاعه ذاك والمؤثرات الصوتية التي يصنعها من جراء قضم الذرة والتشيبس اللذيذ ...سأتوقف عند رولان بارت فقد قرأ بارت السينما التي يسميها بـ(التجربة النقيضة) لا ادري لم يدعوها كذلك لكن سيفصل المسألة على اساس ان الظلام في التلفزيون معدوم والفضاء مألوف ومحدد (بالاثاث والاشياء المعروفة) كل شيء مدجن يخلص بارت في قراءته الى حصيلة متفردة يقول:

لقد حكم علينا التلفزيون بالعائلة التي اصبحت اداته المنزلية مثلما كانت المدفأة.

يراجع (مايكل كيلي) في قراءة موازية فرضيات رولان بارت تحت عنوان (جورج بوليه، دي اي ميللر ، بارت وانا) الفيلم المنزلي هو عنوان لسينما اخرى وتطبيق لآلية تلقي بعيدة عن سمعية بارت بـ(التنويم المغناطيسي) الذي تمثله المشاهدة في القاعة المعتمة او ما يسميه بارت بـ(المكعب المعتم). الموضوع الذي تطرحه المشاهده والتلقي ليست الا ادماجا لثقافة الفيلم ...ليست الا بناء للمعنى وكثافة في الاشارات والرموز بثقافة كلية هي هذا النسيج الذي يتعامل معه الفرد.

رولان بارت مرة اخرى يراقب المشاهد الذي خرج تواً من السينما يقول:

(ينبغي للشخص الذي يتحدث هنا ان يعترف بشيء وهو انه يجب الخروج من قاعة سينما فيجد نفسه من جديد في الشارع المضاء والخالي يمشي صامتا لايحب بتاتا ان يتحدث مباشرة عن الفيلم الذي شاهده منذ حين يسير مخدرا لقد تحول جسده الى شيء ناعم وهادئ لين مثل قط نائم باختصار انه يخرج من تنويم مغناطيسي).

ثم يمضي رولان بارت في فرضية الذهاب الى السينما باستثناء حالة البحث عن شيء ثقافي محدد وهي حالة تتزايد باستمرار باستثناء هذه المسألة نذهب للسينما انطلاقا من الأستعداد النفسي والمتعة .

.....ذاكرة المشاهدة

متعة المشاهدة المرتبطة بالتنويم المغناطيسي عادت لي برهة يوم كان الراحل (جعفر علي) يقودنا نحن تلامذته الى (صالة علي) وهي صالة منزوية ورطبة يديرها موظف اسمه علي ولم نكن نجد وقتا للعرض الا وسط  شيء من النعاس منتصف الظهرة الساخنة .. سأمضي يوما في استرجاع اجواء العرض والخربشات على الشاشة والقوقعة المعتمة التي نلوذ بها سأمضي في مشاهدة رائعتين : هما (غويا) ليندروتشوك و (الكسندر نيفسكي) لايزنشتاين ثم جاءت متعة فيلم(المدرعة بوتومكن).

متعة المشاهدة ليست فرضية سيكولوجية من رولان بارت كما قرأنا بارت في مقتطفات تشبه الالغاز انها الان ترتبط بالحس والجمال والاشراق ونسق الثقافات وتقاليد الشعوب وثقافاتهم وسحناتهم وسلوكهم كل هذا وسط نوع من الحلم والتنويم الواعي وليس المقصود سينما العائلة التي اختلطت فيها ااصوات قضم (التشيبس) والذرة المحمصة ومن ثم الاعلان بصوت مذيع كأنه يعلن البيان الاول للحرب ليخرجنا من احلام رولان بارت وتنويمه المغناطيسي الى مشاهدة هجينية ومشوهة تماما ...لكن الناس مرحون وسعداء بها ومصرون عليها ...فما هو العمل ؟.

 

الأستشراق السينمائي" او صورة الشرق الأسلامي على الشاشات        13-3-2011


تبدو المقولات الأستشراقية في راهننا المعاش اقرب الى صورة مغارة علي بابا ذاتها , كلما نزلت الى كهوفها ومخابئها , كلما اكتشفت مزيدا من العجائب والغرائب , لكنها اليوم عجائب النظرة الى الآخر ممثلا بالشرق بثقافته وتاريخه ومحصلاته .

ومن الملاحظ هنا الطابع المنهجي المتصل الحلقات الذي يتحرك في فضائه ذاك العقل الأستشراقي , فهو على خلاف الطابع الأنفعالي والآني الذي يطبع رد الفعل العربي ازاء مايدعى ب ( حملات التشويه ) التي يشنونها – ضدنا – بين حين وآخر , نجد ان ذاك العقل الأستشراقي قد واصل حدبه على صورتنا وثقافتنا وكرس مفكريه ومراكز ابحاثه لأثبات جملة من الفرضيات التي لاينبغي كما يبدو للشرق ان يخرج من اطارها باختلاف الأزمنة والأسباب .ولكي اكون اكثر تحديدا فأن مايعنيني هنا هو صورة العربي والمسلم على الشاشات بحسب المنظور الأستشراقي المتراكمة دفاتره وخلاصات مفكريه .

واقعيا هو  تمظهر جديد للأستشراق السينمائي ان شئت تسميبته مجازا , ويبدو ان اهميته تكمن في كون الخطاب السمعي البصري هو اكثر حيوية وانتشارا من الخطاب المقروء الذي يحمل في المتون الأستشراقية , وبسبب الطابع التواصلي والتداولي للشاشات فقد وجدنا ان صورة الشرق على هذه الشاشات قد زادت تنوعا وجذبا , بناءا على ميلودرامات ومغامرات ومواقف اثارة .

وكان الباجث الأمريكي من اصول لبنانية, جاك شاهين احد القلائل الذين تصدوا لهذا المبحث المهم ودائما فيمايخص صورة العرب والمسلمين على الشاشات , فقد كرس هذا الباحث والأستاذ الجامعي  النشيط والمخلص جل دراساته لهذه القضية الأشكالية المريبة التي  رصدت تاريخ السينما في الغرب في تناولها للشخصية العربية والمسلمة وحيث لم يسلم الرجل من الحملات الشرسة التي قوبل بها منجزه  من اوساط الضغط وتجار الكراهية للشعوب والثقافات الأخرى وبالأخص تجاه العرب والمسلمين منهم.

بعيدا عن هذا الأستطراد , سأكون عند توطئة ماانفك يسوقها العلامة المستشرق الأمريكي برنارد لويس الذي تتجدد طروحاته بتجدد صور الشرق ومافيه من تحولات , ابتدءا من الأسلام والغرب وليس اتنتهاءا بقصة الأرهاب التي اتت قيمة استشراقية جديدة تضاف الى الفصول السابقة .

فهذا العالم لايكفي ان نعبر عن المرارة لأنحيازه , وفبركته وحتى تلفيقه , لكن ايضا لعدم وجود خطاب مواز ينهض بالمهمة , مهمة الحوار والجدل . استشراقيا  كانت ولا زالت الأرض العربية مصدرا لاينفد لتلك القصص العجيبة لأولئك الناس وكيف يفكرون ويمارسون حياتهم : القوم الرحل , البدو , الذين ان خرجوا من الخباء فوجدوا شيئين : الجمل وبئر النفط , وفي الخلف :هنالك بالضبط حريم فاطمة المرنيسي .

كانت السينما تقرأ هذا ومن العجب ان هذه السينما وهي تواجه ادواتها البدائية في العشرينيات من القرن الماضي الا انها بالرغم من ذلك اتجهت فورا لتقديم صورة العربي هذا وصورة الشرق ذاك . لن ينسى تاريخ السينما اسم : فالنتينو الذي اتحف الغرب بصورة (  الشيخ ) النمطية , الصورة البطريركية اياها , الصورة التي ظلت مقترنه بالعقال والمسبحة والنظارة المعتمة والدشداشة والعباءة وخواتم الذهب وساعات الرولكس واخيرا وليس آخرا : صالات الروليت .

اذا ......كانت اسطورة فالنتينو المبكرة بالأخص في فيلميه : الشيخ : المنتج سنة  1921 ومن  اخراج جورج ملفورد , وفيلم ابن الشيخ  المنتج سنة 1926 ثم فيلم  خروج الشيخ  1937 اخراج ارفنك بيجل تمثيل نورمان نوفارو , لولا لين. هذه المجموعة المبكرة جدا ربما اسست لذلك المظهر الأشكالي كما انها قد تماهت مع البنى   الأستشراقية النظرية السائدة , والتي لم تكن الا من نسج الرحالة والمستكشفين والدبلوماسيين والعسكريين والبعثات التبشيرية التي تأتي افلام فالنتينو لتسوقها في شكلها المرئي الى جمهور متعطش لسحر هذا الشرق .

وستتكرر تلك الصورة النمطية مرارا مع انها ستخرج من اطار الفانتازيا التقليدية لقصص الشرق الساحر الى واقع حياة ذاك الشيخ الذي فيه مافيه من مميزات امعن الغرب في ترسيخها وحرص على ديمومتها برغم ريح الحداثة والمعاصرة التي اصابت بلاد العرب بشكل خاص بعيد الحرب العالمية الثانية وتوزيع الشرق محاصصة لمخلفات المستعمرين الكبار وتتويجا بسايكس بيكو .

كان فالنتينو قد انطلق بأدائه الساحر ولم يكن ظهور الصوت واستمتاع الجمهور لأول مرة بفيلم فيه حوار وموسيقى ابتداء من فيلم مغني الجاز سنة 1927 , لم يكن هذه الحدث الا دافعا هذه المرة لنقل صورة الشرق بالصوت والصورة وكان ماكان من امرنا عندها وحتى الساعة .